شرعت فى طرح الأسئلة، فقال: «لا بد أن تشربى عصيرا، الجو حار جدا»، أصرّ، وكان ما أراد، إنه يختلف عمّن أتعامل معهم من الفنانين بحكم عملى رئيسةً لتحرير كتاب ومجلة «قطر الندى».
كنت قد أعددت الأسئلة، وليس معى غير ورقة وقلم أستعين بهما، فخبرتى فى الصحافة بسلطنة عُمان أتاحت لى ذلك، فأنا أخشى جهاز الكاسيت.
سألته عن طفولته، فقال: هى طفولة مثل أى طفل مصري. أصرّ والدى على حفظ القرآن، وظهر حبى للرسم فى سنواتى الباكرة، كان الرسم يبدو مختلفًا عما يرسمه الأطفال. فى تلك الفترة كانت الأنشطة مواد مهمة وليست مواد تكميلية كما يحدث الآن.
عند اقترابى من السابعة عشرة علّقت رسومى على جدار غرفتى، وأدركت أننى سوف أتجه إلى الفن، وتحديدًا الرسم. التحقت بكلية الفنون الجميلة، وتخصصت بقسم الجرافيك، وشاركت فى بعض المعارض وأنا طالب، وانضممت إلى قافلة مجلة «السندباد» الشهيرة آنذاك. أعتقد أن بساطة الرسومات إحدى سمات رسم الفنان بيكار.
قال: ربما. أعلم أنك كنت تفكرين فى الآيات القرآنية التى تمثل مشاهد فنية. نعم، لكن هذه المرحلة لم أنجز فيها إلا قليلًا من اللوحات، ولم تُعرض، لأننى اتجهت إلى الرسم للأطفال.
يطلقون علىّ «أبو كتاب الطفل»، لماذا؟
لأننى رسمت سلاسل كثيرة للأطفال، تنوعت موضوعاتها، وأنا سعيد بأن قسمًا كبيرًا من هذه الكتب رسوم كاريكاتيرية.
سألته: هل الهدف منها إطلاق البسمة؟
ليس فقط. فالكاريكاتير لا يثير الضحك فحسب، بل هو فن صعب؛ فلو كنت على المسرح وقلت نكتة ولم يضحك عليها الجمهور فقد فشلت. الكاريكاتير فن تفكير، يُلقى الفنان رسمه ليتلقى من القارئ التفكير.
ظهر محيى اللباد فى فترة ازدهرت فيها الحركة التشكيلية، بوجود إنجى أفلاطون، وبيكار، وجاذبية سرى، ومصطفى حسين، وطوغان، وكتيبة فنانى روزاليوسف وصباح الخير. تنقّل بين المؤسسات الصحفية، وترك بصمة من السهل أن يلمسها الفنان أو الباحث. تعامل مع الفن كنغم موسيقى، يعتمد على الهارمونى وأدوات الإيقاع وموسيقى الطبيعة: نسمات الهواء، وأشعة الشمس، وأمواج البحر، والدفء الإنساني.
عامل الطفل ككائن له مداركه، خاطب مشاعره وداعب خياله، فأحبه الطفل. وكان من أوائل من رسم وكتب لليافعين، وهى مرحلة صعبة، درس سيكولوجية الطفل واحتياجاته الإدراكية، وساعده على طرح الأسئلة وتطور نموه الجسدي.
سألته: هل أحرف اللغة العربية حروف فنية؟ فقد انتشرت لوحات اعتمدت على الآيات القرآنية.
قال: اللغة العربية هى اللغة الوحيدة؛ فاللغة الهندية أو الصينية أو اليابانية لا إيقاع فيها ولا موسيقى. حرف اللغة العربية لين، يتيح للفنان تشكيله وإبراز جماله.
أذكر أننى سألته: بماذا تنصح الآباء عند اختيار مطبوعات للأطفال؟
للأسف يحرص الآباء على شراء كتب التلوين ظنًّا أنها تساعد الطفل وتصقل موهبته، والحقيقة أنها تطمس موهبته تمامًا، وكأنه يعتمد على عملية شفّ الرسومات. أما كتب تعلّم الرسم، فإذا قدمها فنان دارس لكل مراحل الطفولة فلا بأس، لا بد من اختيار كتب تزيد من حصيلتهم اللفظية، وتعاونهم على التعبير عن ذواتهم، على أن تكون الرسوم واضحة، والألوان صريحة: أبيض، أحمر، أخضر، أصفر، أزرق. وعندما سألت أنه عبر فى أحد كتبك عن القضية الفلسطينية، وأعتقد أن الموضوع صعب على الطفل.
تم تبسيط القضية عن طريق ألفية خاصة برموز فلسطينية مثل شجرة الأرز، والحطة الفلسطينية، والثوب النسائى من التراث الشعبى، وخريطة لفلسطين عن طريق الأبجدية.
قليل من الفنانين يكتبون للأطفال؛ فى الغالب داخل كل فنان طفل قد ينطلق أو يظل محبوسًا، تناول محيى اللباد الكتابة للأطفال وكذلك الإخراج، فقد لا تصل الرسالة لضعف الإخراج الصحفي. فبعض السلاسل الصادرة من دور النشر لا تعترف بالإخراج، أو ليس لديها مخرج صحفي. المسألة ليست صورة تعبر عنها كتابة.
كان الإخراج الصحفى أحد المجالات التى فتحت آفاقًا لمحيى اللباد؛ أخرج العديد من المطبوعات المصرية والمجلات العربية، وسافر إلى فرنسا ليعمل فى جريدة اللوموند.
ولأنه فنان مفكر، فقد ترك لنا مكتبة رائعة من الكتب التى تبحث وتقدم أصل الأشياء؛ فقصة الكتابة والورق تبدأ من اكتشاف المصريين ورق البردى وزراعته والكتابة عليه وطريقة حفظه لآلاف السنين، فالمصرى القديم عرف الفن وسجل تاريخه وانتصاراته وفتوحاته على جدار المعابد، وعرف أدوات الكتابة والتلوين، واعتمد على المواد الطبيعية.
من مؤلفاته: كشكول الرسم- تى شيرت- ألبوم «نظر» (من أربعة أجزاء)- حكاية الكتاب- ملاحظات، ويعد كتاب «فى جريدة» آخر مشروعاته الإبداعية.
هذه لمحة عن الفنان الكبير محيى الدين اللباد، شخصية معرض كتاب الطفل فى دورته السابعة والخمسين. أتمنى تخفيض أسعار كتب الفنان اللباد حتى تقتنيها كل الفئات من رواد المعرض أو نشر طبعات شعبية بأسعار بسيطة حتى يفيد كل طفل يأتى المعرض، وعرض فيلم وثائقى عن مسيرة الفنان العالمى، كما أتمنى أن تقوم الهيئة العامة للكتاب بطباعة أعماله كاملة.