رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ورطة «الرامات»


30-1-2026 | 13:04

.

طباعة
تقرير: رانيا سالم

لم يتصور البعض أن ندرة جزء تقنى صغير جدًا خاص بالأجهزة الإلكترونية يمكن أن يُشعل أزمة عالمية، لا تتوقف فقط على إنتاج أو احتكار هذا الجزء التقنى الإلكترونى، لكنها تشكل تحديا وتهديدا عالميا لمجالى الاقتصاد والصناعة، الحديث هنا عن ذواكر الوصول العشوائية أو ما يطلق عليه Random Acess Memory والمعروفة بالـ« RAM»، وهو الجزء المسئول عن الذاكرة المؤقتة فى أجهزة الحاسب الآلى وأجهزة الهواتف واللوائح الإلكترونية.

 

أزمة ندرة الـ« RAM» بدأت فى أواخر 2025 لتستمر مع مطلع العام الجديد 2026، الظاهر فى الأزمة حتى الآن أنه تراجع فى إنتاج هذا الجزء التقنى الإلكترونى ليقابله تحول المصنّعين لإنتاج ذاكرة الذكاء الاصطناعى HBM، وهى ذاكرة عالية الأداء، لكن الوصف الأدق أنها «ندرة مقصودة وسوق محتكرة»، تكشف عن وجه شرس لحرب رقمية عالمية طاحنة، واختلال هيكلى فى سلاسل القيمة الرقمية العالمية، يتطاحن فيها كبار الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وتايوان وكوريا الجنوبية والعملاق الصينى، حتى يُعلن بعدها للعالم مَن يمتلك العالم الرقمى.

محمد هداية الحداد، عضو مجلس إدارة غرفة الجيزة التجارية، رئيس شعبة تجار المحمول، قال إن «أزمة ذواكر الوصول العشوائية لم تؤثر على مصر فقط، ولكنها أحدثت تأثيرًا كبيرًا على صناعة الإلكترونيات فى العالم، ومصر كغيرها تأثرت صناعة الإلكترونيات بها بأزمة نقص الرامات، وتأثير نقص الرامات سينعكس مباشرة فى التكلفة الخاصة بصناعة الإلكترونيات، فعدد من الشركات لجأ إلى رفع الأسعار، لكن المشكلة أن هذه الأزمة تزامنت مع حالة الركود فى شراء الإلكترونيات، فالزيادة تأتى فى توقيت ليس مناسبًا».

«الحداد» ضرب مثالًا للتأثر المصرى بأزمة الرامات، وقال: «لو كان لدى 10 آلاف قطعة من الرامات، أصبح لدى 7 آلاف قطعة فقط، وفى الوقت ذاته احتياجى هو 15 ألف قطعة، وبالتالى سترتفع التكلفة، وبدوره يرتفع السعر».

وأوضح أن «مصر كغيرها من الدول تستورد الرقائق الإلكترونية من تايوان، باعتبارها من كبرى الدول المصدرة لها لكافة دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهى بدورها المصنّعة الأساسية للرامات وأشباه الموصّلات التى تعد جزءا أساسيا من صناعة العديد من الأجهزة الإلكترونية».

وتابع «الحداد»: «ارتفاع أسعار الرامات لندرة توافرها سينعكس بالتأكيد على أسعار الهواتف الذكية، فى السوق المصرى أو فى جميع الأسواق الإلكترونية على مستوى العالم، مدفوعًا بإيقاف توريد الشركات الأمريكية للرقائق للرامات RAM وأشباه الموصّلات لمختلف الأسواق العالمية، وعلى رأسها الشركات الصينية».

الزيادات تتراوح من 10 فى المائة إلى 15 فى المائة، هكذا توقع رئيس شعبة تجار الهواتف الذكية، تأثير ارتفاع أسعار الرامات بسبب ندرتها على أسعار الهواتف الذكية، وتحديدًا مع طرح الموديلات الجديدة لشركات الهواتف الذكية الصينية التى تعمل تحت شعار «صنع فى مصر»، وهى (سامسونج - فيفو - ريلمى - أوبو - إنفنكس - شاومى - نوكيا - هونر - أيتل).

من جانبه، فسر المهندس عمرو صبحى، خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى، أزمة الرامات، وقال: فى ظل التسارع غير المسبوق فى التحول الرقمى عالميًّا، باتت مكوّنات الحوسبة الأساسية وعلى رأسها ذواكر الوصول العشوائى (RAM) محورًا حيويًّا لا يقتصر تأثيره على قطاع التكنولوجيا فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد الكلى، سلاسل التوريد، وحتى الأمن القومى الرقمى، وهو ما يؤكده أزمة الرامات التى ظهرت مع أواخر 2025 وتفاقمت مع بداية 2026، ومتوقع أن تستمر حتى 2027، فرغم أنها ليست مشكلة تقنية محلية، فإنها ظاهرة نظامية عالمية، تربط بين السياسة، والطاقة، والاقتصاد، والأمن الرقمى، لتعلن عن حرب غير معلنة فى السوق الرقمى.

وتابع: ما نراه اليوم ليس مجرد ارتفاع فى أسعار مكوّن إلكترونى، بل مؤشر على اختلال هيكلى فى سلاسل القيمة الرقمية العالمية، قد يُعقّد جهود الدول النامية؛ ومن بينها مصر فى بناء اقتصاد رقمى مستدام.

كما أوضح «صبحى» أنه «لفهم أزمة الرامات بشكل شامل لا بد من النظر إلى الخريطة الجيوتقنية العالمية التى تُظهر تركّزًا خطيرًا للقوة فى أيدى عدد محدود من الدول والشركات، ما يجعل السوق عرضة للتلاعب والاحتكار، فى مقابل دول أخرى تظل رهينة لقرارات لا تشارك فى صنعها.

وضرب «صبحى» مثالًا: «بسيطرة شركة TSMC التايوانية أو (Taiwan Semiconductor Manufacturing Company) الأكبر عالميًّا فى تصنيع الرقائق الإلكترونية على أكثر من 60 فى المائة من سوق تصنيع أشباه الموصّلات المتقدمة، ونحو 90 فى المائة من الرقائق ذات التقنية الأقل من 7 نانومترات.

ولفت خبير أمن المعلومات والتحول الرقمى، إلى أن «استحواذ تايوان على هذه الصناعة ليس صدفة، بل نتيجة عقود من الاستثمار الحكومى الذكى والشراكات مع الغرب، لكن هذا الأمر له وجه آخر قبيح، فالتركّز الصناعى التقنى فى تايوان يخلق نقطة ضعف استراتيجية عالمية، فأى توتر فى مضيق تايوان سواء عسكريا أو لوجستيا قد يشلّ الإنتاج الرقمى العالمى خلال أسابيع».

«صبحى»، أشار إلى أن «شركة TSMC ليست مجرد شركة لتصنيع الإلكترونيات من رقائق وأشباه موصّلات متقدمة، بل هى العمود الفقرى للابتكار الرقمى الحديث، فبدونها، لا يمكن لشركات كبرى مثل شركتى NVIDIA أو Apple أو حتى وزارة الدفاع الأمريكية تشغيل أنظمتها، وهذا يجعل أمن تايوان جزءًا لا يتجزأ من الأمن السيبرانى العالمى».

وتابع: هذا لا يعنى خروج الولايات المتحدة الأمريكية من صناعة الإلكترونيات، ولكن رغم تراجع الحصة الأمريكية فى التصنيع الفعلى لتصل إلى أقل من 10 فى المائة من الإنتاج العالمى، فإن الولايات المتحدة تحتفظ بـالهيمنة المطلقة على الملكية الفكرية وتصميم الرقائق، فشركات مثل NVIDIA الأمريكية التى تجاوزت قيمتها السوقية 4.5 تريليون دولار فى أواخر 2025؛ تسيطر على 80 فى المائة من سوق رقائق الذكاء الاصطناعى، بينما تُصمَّم غالبية المعالجات والرامــــات المتقدمــــــة عبر أدوات أمريكـــية، مثل Synopsys وCadence.

وأشار «صبحى» إلى أن «الولايات المتحدة تلعب لعبة ذكية على حد وصفه، فهى تترك التصنيع المكلف والمتطلب للطاقة الكثيفة للآخرين، بينما تحتفظ بالمفتاح الحقيقى وهو التصميم والبرمجيات، وهو ما يمنحها نفوذًا استراتيجيًّا أكبر من مجرد القدرة على الإنتاج».

لم يغفل «د. عمرو» تواجد كوريا الجنوبية فى صناعات الإلكترونية ويصفها بعملاق الذاكرة، وقال: تُعد كوريا الجنوبية القوة المهيمنة فى صناعة رقائق الذاكرة، حيث تستحوذ شركتا Samsung وSK Hynix على أكثر من 70 فى المائة من سوق الرامات العالمى، واستعادت Samsung موقعها كأكبر شركة أشباه موصّلات من حيث الإيرادات فى 2025، مدفوعة بالطلب الهائل على الرامات من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى، أما SK Hynix، فأعلنت أن سعتها الإنتاجية الكاملة من رقائق HBM3E وهى الرامات عالية النطاق الترددى المخصصة للذكاء الاصطناعى لعام 2026 تم حجزها بالكامل من قِبل عملاء كبار، مثل شركتى Microsoft وMeta».

وهذا يعنى -حسبما أوضح «صبحى»- أن «سوق الإلكترونيات لم تعد تُدار بالعرض والطلب، بل بالعقود الاستثمارية الاستباقية بين الشركات العملاقة، وبين الدول الكبرى وحتى الشركات الصغيرة التى تسعى أن تجد لها مكانًا فى سوق الإلكترونيات، وهذا لا يعنى أن سوق الإلكترونيات والرقائق وأشباه الموصّلات لا تتوقف على الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية، بل هناك لاعبون كثر فى السوق لهم سيطرة واحتكار؛ لكن كلًّا فى تخصصه الذى يسمح له بالاحتكار والتلاعب، فبدون شركة ASML الهولندية، لا يمكن لأى جهة فى العالم لا شركة TSMC التايوانية ولا Samsung ولا حتى الصين تصنيع رقائق متقدمة، وتبقى شركة ASML الهولندية هى الوحيدة التى تمتلك احتكارًا فعليًّا على آلات الطباعة بالليزر القصوى (EUV)، وهى تقنية لا غنى عنها لإنتاج رقائق أقل من 7 نانومترات.

وأوضح «د. عمرو» كيفية إدارة الصراعات الرقمية بين كبار الدول، وقال: «هناك ضغوط أمريكية لمنع بيع آلات الطباعة بالليزر القصوى (EUV) للصين، وهنا تبقى هولندا فى موقع فريد بل ومميز، فهى دولة صغيرة قادرة على أن تتحكم فى مستقبل الصناعة الرقمية بأكملها».

«التحرك بخطى متسارعة لتحقيق الاكتفاء الذاتى التكنولوجي»، هكذا وصف خبير أمن المعلومات، موقف الصين من سوق الإلكترونيات، ويقول بعد العقوبات الأمريكية التى حرمت الصين من الوصول إلى الرقائق المتقدمة، ضاعفت بكين استثماراتها فى قطاع أشباه الموصّلات، وخططت لرفع إنتاجها من رقائق الذكاء الاصطناعى، وخططت لإنتاج ثلاثة أضعاف الكميات الحالــــية مع 2026، وقادت شركــــات مثـــل Huawei وSMIC (Shanghai Microelectronics) هذا التحوّل، رغم ذلك لا تزال الصين متأخرة تقنيًّا عن TSMC بفارق جيلين على الأقل.

«صبحى»، حذر من أن «السباق بين واشنطن وبكين على التفوق فى أشباه الموصّلات لا يهدد فقط الاستقرار التجارى، بل يدفع العالم نحو تجزئة رقمية بين نظام يعتمد على شركة TSMC التايوانية وشركة NVIDIA الأمريكية، وبين نظام صينى يُبنى حول SMIC وHuawei، على أن تُجبر الدول النامية على الاختيار، أو دفع ثمن الانقسام مرتين، بينما لا تصنع فنزويلا رقاقة واحدة، فإن لها تأثيرًا غير مباشر لكنه عميق على صناعة أشباه الموصّلات عبر بوابة الطاقة، فصناعة الرقائق من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة فى العالم؛ فمصنع واحد من طراز TSMC يستهلك كهرباء تعادل مدينة متوسطة الحجم، ويعمل 24 ساعة فى 7 أيام دون انقطاع، فتمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة فى العالم، وأى اضطراب فى إنتاجها أو تصديرها بسبب العقوبات، أو عدم الاستقرار السياسى، أو انهيار البنية التحتية؛ يؤدى إلى تقلبات فى أسعار النفط العالمية، ما ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الكهرباء فى آسيا وأوروبا وأمريكا، وينعكس بدوره على صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصّلات».

«صبحى»، شرح العلاقة غير الخفية بين كاراكاس ومصانع الرامات، قائلًا: عندما يرتفع سعر برميل النفط بسبب أزمة فى فنزويلا، ترتفع فواتير الكهرباء فى مصانع سامسونج فى كوريا أو TSMC فى تايوان، وهذه المصانع، التى تعمل بهوامش ربح دقيقة، تنقل هذه التكاليف إلى أسعار الرقائق، وهكذا، يدفع المستهلك أيًّا كانت جنسيته ثمن أزمة سياسية فى أمريكا اللاتينية دون أن يدرى.

وفى هذا السياق، دعا «صبحى» إلى «ضرورة تبنى سياسات وطنية استراتيجية فى مصر تشمل إنشاء مخزون احتياطى استراتيجى من المكوّنات الحرجة، ودعم البحث والتطوير فى الإلكترونيات الدقيقة، وبناء شراكات دولية متوازنة لا تخلّ بالسيادة الرقمية، ودمج أمن سلاسل التوريد ضمن مفهوم الأمن القومى».

 
 
    كلمات البحث
  • ندرة
  • أزمة
  • عالمية
  • RAM
  • أجهزة