رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«العسكرية المصرية».. أكاديمية «تأهيل المستقبل»


29-1-2026 | 13:49

.

طباعة
تحقيق: منار عصام

شهدت السنوات الأخيرة ظهور مفهوم برامج تأهيل موظفى الجهاز الإدارى للدولة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية، وذلك فى إطار توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بضرورة إعداد كوادر شابة بمختلف الوزارات والهيئات على أسس علمية راسخة ورؤية توعوية متكاملة، واستجابة لذلك أطلقت الأكاديمية العسكرية المصرية حزمة من البرامج التدريبية المتخصصة تستمر لمدة ستة أشهر، وتستهدف تأهيل عناصر من قطاعات الدولة المختلفة.

«المصور»، من جانبها رصدت أهداف هذه البرامج، واستمعت لتفاصيل تجربة عدد من الخريجين من وزارات متنوعة، للتعرف على أبرز التحديات التى واجهتهم، وأهم أوجه الاستفادة التى حققوها خلال فترة التدريب.

 
 

دينا المهدى، مستشارة بهيئة قضايا الدولة وخريجة دورة القضاء بالأكاديمية العسكرية المصرية، روت لـ«المصور» تفاصيل تجربتها خلال فترة التأهيل، ووصفتها بأنها «تجربة مختلفة تمامًا» حيث بدأت بتحديات صعبة، لكنها تحولت مع الوقت إلى رحلة لاكتشاف الذات وبناء قدرة حقيقية على مواجهة الضغوط، موضحة أن الأيام الأولى كانت شديدة القسوة، خاصة مع الانقطاع الكامل عن استخدام الهواتف والتواصل مع الأسرة، إلى جانب التغيير الجذرى فى نمط الحياة اليومى.

وقالت إننى «كنت معتادة على السهر والاستيقاظ متأخرًا، لكن الأكاديمية أعادت ضبط ساعتى البيولوجية بالكامل، وأصبحت أستيقظ تلقائيًا لصلاة الفجر وأنام مبكرًا، وهو النظام الذى استمررت عليه حتى بعد انتهاء الدورة، وأجسامنا تأقلمت مع الروتين الجديد، وأصبح النوم فى التاسعة والنصف أو العاشرة مساء أمرًا طبيعيًا لنبدأ يومنا بنشاط فى وقت مبكر، والدورة علمتنا الانضباط الدقيق وتنفيذ التعليمات بالحرف واحترام المواعيد وإنهاء المهام فى وقتها المحدد، والالتزام بأوقات الوجبات، فلا يوجد وقت إضافى، إما أن تأكل فى الموعد أو تفوت الوجبة، وهذا النظام ساعدنى فى إدارة وقتى وتركيزى فى العمل لاحقًا».

وفيما يتعلق بنظام التغذية، أوضحت أن «الوجبات كانت صحية ومنظمة، تعتمد على الخضروات والبروتين وكميات متوازنة، بعيدًا عن نمط الوجبات السريعة الذى كانت معتادة عليه سابقًا»، وقالت: «بدأنا نأكل أطعمة لم نكن نقبل عليها من قبل، وفهمنا أن الهدف هو تدريبنا على التكيف فى أى ظروف وتحت أى ضغط، وهذا الجانب عزز لدينا المرونة والقدرة على التأقلم».

وعن أبرز المكاسب التى خرجت بها من التجربة، أشارت إلى أنها اكتشفت قدراتها الحقيقية فى أوقات الضغط، «نفذت قفزة الثقة من ارتفاع 7.5 متر أمام الرئيس، وتدربت على الرماية، وتوليت قيادة مجموعة تضم 40 زميلة»، مضيفة أن تحمل مسؤولية المجموعة علّمها كيفية إدارة المواقف الصعبة، والتعامل مع الشخصيات المختلفة بهدوء وحزم.

«دينا»، تابعت: اكتشفت أننى أستطيع إنجاز أى مهمة عندما أكون تحت ضغط، وأريد أن أشيد هنا بقيادة الأكاديمية خاصة الفريق أشرف سالم زاهر، الذى كان يعقد لقاءات دورية للاستماع إلى المتدربات ودعمهن نفسيًا، حيث كان يعاملنا كأبنائه، يسمع مشكلاتنا ويتعاطف معنا، وهذا الدعم كان حاسمًا فى تجاوز الصعوبات».

أما بالنسبة للأمهات، اعترفت «دينا» أن الابتعاد عن الأطفال كان الأصعب على الإطلاق، خاصة خلال الشهر الأول دون أى تواصل مباشر معهم، قائلة: «كنا نلصق صور أطفالنا على الدولاب، نحتضنها قبل النوم، لكن الدعم المتبادل بين الزميلات، والتأقلم التدريجي، والزيارات التى كانت تتم كل أسبوعين ساعدتنا على تجاوز هذه الفترة، وكنا نتكاتف ونواسى بعضنا البعض، ونحاول تغيير الجو بالضحك والمزاح»، أما من ناحية الدراسة، فأكدت أنها كانت متنوعة وشاملة، تضمنت مواد توعوية، ومحاضرات قانونية يقدمها متخصصون من النيابة العامة والقضاء، بالإضافة إلى دورات فى محاربة الفساد والتحول الرقمى، وتدريبات عملية مثل الرماية والفروسية والأنشطة الميدانية، ووصفتها بقولها: «كانت محاضرات تفاعلية، والجميع متجاوب ومتفاعل، مما جعل التجربة أكثر إثارة وفائدة».

وفى تقييمها النهائى، اعتبرت «دينا» التجربة رائعة رغم صعوبتها، مشيرة إلى أنها ساعدتها على اكتشاف قدرات كانت مدفونة، وبناء ثقة بالنفس، وتطوير مهارات القيادة والتكيف، مؤكدة بحماس: «خرجنا أقوى، أكثر انضباطًا، ومستعدين لمواجهة أى تحدٍ فى العمل أو الحياة. هذه الدورة لم تكن مجرد تدريب، بل تحول حقيقى فى شخصيتنا وروتيننا اليومى».

برنامج متكامل

فيما أوضح مصطفى فرحات، أحد خريجى دورة الأوقاف بالأكاديمية العسكرية المصرية، أنه «التحق ببرنامج التأهيل بعد ترشيح من وزارة الأوقاف، ولم يكن البرنامج عسكريًا بالمعنى المعروف ولكن كان برنامجًا متكاملاً يضم جوانب مختلفة ومتعددة تتناول كافة الجوانب العلمية والعملية ذات الصلة، بالإضافة إلى عدد من الموضوعات الفقهية والشرعية والتى وصل نسبتها داخل البرنامج إلى 70فى المائة من إجمالى المحاضرات، مما يجعل الدارس على اطلاع دائم بكل الموضوعات التى تفيده فى سوق العمل الخاص به»، مشيرًا إلى أن «البرنامج تطرق إلى موضوعات غاية فى الأهمية تتمثل فى دراسة مفهوم الأمن القومى وأبعاده والتحديات التى تواجه الأمن القومى المصرى، فضلاً عن دراسة التاريخ العسكرى لأبرز المعارك التى خاضتها الدولة المصرية عبر العصور، بجانب دورات متخصصة فى مجالات التحول الرقمى والعمل النفسى والحوكمة ومكافحة الفساد، واصفًا أن المعرفة بها ضرورة وواجبة».

«مصطفى»، أشاد بتجربة الأكاديمية العسكرية المصرية، خاصة أنها أتاحت له الفرصة لممارسة الرياضة بشكل يومى واحترافى، حيث كان اليوم يبدأ بممارسة الرياضة عبر برنامج صمم بشكل احترافى ومتنوع يضمن للدارسين الوصول لمستوى رياضى متميز بنهاية الـ6 أشهر، منوهًا إلى أن الرياضة أصبحت عادة يومية له وهو أمر لم يكن معتادًا عليه قبل التحاقه بالأكاديمية، ولافتًا إلى أن «الميزة الأهم من برنامج الأكاديمية العسكرية المصرية هى تنظيم الوقت وأسلوب استغلاله، فمنذ اللحظة الاولى داخل الأكاديمية تدرك أنه يمكن إنجاز العديد من المهام فى توقيت قياسى، فكنا نقوم بالعديد من الأشياء فى وقت لا يتعدى الخمس دقائق».

مضيفًا أن «الانضباط الذاتى صفة أدرك أهميتها خلال دراسته بالأكاديمية العسكرية، فقد تعلم ضرورة التحلى بالانضباط الذاتى، فالإنسان يجب أن يكون رقيبًا على نفسه ولا يبخل بمجهود على وطنه وعمله»، ومبينًا أنه «من ضمن القيم التى اكتسبها ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات، خاصة فى ظل انتشار أساليب الجيل الرابع والخامس من الحروب، والتى تعتمد بشكل أساسى على بث الشائعات، فدائمًا يجب تحرى مصادر المعلومات وتدقيقها وعدم الانسياق وراء الأخبار التى أصبحت تنتشر هذه الأيام كالنار فى الهشيم فى ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعى».

وحول أبرز التغييرات التى طرأت على شخصيته بعد التخرج، أوضح «مصطفى» أن «طريقة تفكيره اختلفت بشكل كبير، وأصبح التحلى بالمسؤولية فى جميع التصرفات أمرًا لا يمكن تجاهله أو التساهل فيه»، مؤكدًا على أهمية القدرة على التأثير الإيجابى فى الآخرين، واتباع أساليب منهجية فى التعامل مع الأزمات والتحديات، واستخدام أساليب حديثة فى الدعوة والمعالجة، خاصة فى ظل ظهور قضايا معاصرة وشائكة تستهدف فئات شابة، مثل ظاهرة الإلحاد، والتى تستدعى مخاطبتهم بأسلوب يتناسب مع طريقة تفكيرهم وروح العصر، إلى جانب مواجهة قضايا الإرهاب والتطرف، حيث يبدأ اعتناقها أحيانًا بأفكار مغلوطة، ومبينًا أن «مسؤولية محاربة التطرف تقع على عاتق الإمام والخطيب، لذا من الضرورى العمل على تصحيح المفاهيم والمصطلحات لضمان وصول الرسالة بشكل فعال».

كفاءة ذهنية

وعلى نفس النهج، وصف قضب محمد الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف، تجربته فى دورة التأهيل بالأكاديمية العسكرية المصرية، بأنها تجربة ناجحة 100فى المائة على المستويين الشخصى والمهنى.

وفى ختام الدورة، فوجئ «قضب» – إلى جانب عدد من الأوائل – بقرار تعيينهم مباشرة داخل الأكاديمية العسكرية كمرجعية دينية للطلاب والضباط، حيث يقومون بإمامة المصلين فى الصلاة، ويلقون المحاضرات، ويشاركون فى الفعاليات المختلفة، فى خطوة اعتبرها تكريمًا للتميز وفرصة لنقل الخبرة الدينية داخل المؤسسة العسكرية.

توعية وتثقيف

أحمد عوض، مأمور جمارك بمطار شرم الشيخ الدولى، روى لـ«المصور» تجربته فى دورة التأهيل بالأكاديمية العسكرية، مؤكدًا أنها كانت مفيدة جدًا له من جانب التوعية والتثقيف، وموضحًا أن الدورة استمرت ستة أشهر تقريبًا جمعت بين الجانب التوعوى والتخصصى الجمركى، وشكلت المحاضرات التوعوية العسكرية نحو 30فى المائة من البرنامج، بينما خصصت70فى المائة للعلوم الجمركية والإدارية.

«عوض»، أشار إلى أن اليوم كان منظمًا بدقة عالية، يبدأ بالاستيقاظ قبل الفجر ثم أداء الصلاة، وطابور اللياقة البدنية، يليه طابور التفتيش وإعلان خطة العمل اليومية، ثم المحاضرات التى تتخللها فترات راحة قصيرة، وبعد الغداء يخصص وقت للأعمال الإدارية أو النشاط الرياضى الحر أو المكتبة الثقافية أو الإلكترونية، ثم طابور الهتاف لإعلان الخطة المسائية، يعقبه فترة استذكار ومراجعة المحاضرات، ثم طابور العشاء الذى يحدد خطة اليوم التالى، وينتهى اليوم بالعودة إلى السكن والنوم.

وعن أبرز الاستفادات الشخصية من الدورة، أكد «عوض» أنه اكتسب قدرًا كبيرًا من ضبط النفس والقدرة على التحكم فى الضغوط، مشيرًا إلى أنه كان يميل سابقًا إلى العصبية، لكنه أصبح أكثر هدوءًا وتحكّمًا، ما انعكس إيجابًا على تعامله مع الجمهور والسياح فى المطارات والموانئ.

وفيما يتعلق بمعايير الاختيار، أوضح أن «مصلحة الجمارك هى الجهة المسؤولة عن ترشيح المشاركين بناءً على الكفاءة والاحتياج الوظيفى، مع إجراء اختبارات رياضية ونفسية وطبية، حيث تُفضّل الكفاءات الأعلى، مع مراعاة الوزن المثالى واللياقة البدنية، لكن دون استبعاد مَن يحتاج لتعديلات بسيطة».

تحول كبير

فيما روت «سمر»، وهى إحدى موظفات مصلحة الجمارك بوزارة المالية، التى تخرجت الأولى على دفعتها فى دورة القطاعات المدنية بالأكاديمية العسكرية المصرية، تجربتها التى وصفتها بأنها تحول كبير فى حياتها الشخصية والمهنية، قائلة: إنّها كانت ضمن دفعة الجمارك الثانية التى التحقت بالدورة التأهيلية لمدة ستة أشهر، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية نصت على جعل الالتحاق بالأكاديمية شرطًا أساسيًا للتعيين فى جهات الدولة، مبينة أنها كانت من بين ألف موظف تم اختيارهم من بين 15 ألف متقدم فى مسابقة التعيين بوزارة المالية عام 2023، وكانوا قد بدأوا العمل بالفعل قبل صدور القرار الرئاسى.

وأكدت «سمر» أنها التحقت بالدورة بحماس كبير وشعور وطنى صادق، مشيرة إلى أنها كانت تخطط سابقًا للسفر إلى الإمارات بعد الحصول على ترقية «التثمين» وهى أعلى درجة فى الجمارك، حيث يصبح الموظف مسؤولًا عن تقدير الرسوم الجمركية على البضائع، للعمل فى ميناء جبل علي، لكن بعد الدورة تغيرت قناعاتها جذريًا وأكدت أنها لن تترك الوطن وستخدم فيه حتى نهاية مسيرتها، مرجعة هذا التحول فى قناعتها إلى «مناخ الأكاديمية العسكرية الذى زرع فيها حبًا عميقًا للوطن»، ومؤكدة أن الدورة جعلتها ترى عملها فى الجمارك كعمل وطنى حقيقى وليس مجرد وظيفة أو مقابل مادى، فهى الآن ترى أنها مصدر إيراد للدولة وخط الدفاع الأول ضد أى شيء قد يدخل ليضر البلد، سواء مخدرات أو أدوية مغشوشة أو بضائع مسرطنة.

تغيير للأفضل

أما رضوى عزت، إحدى الموظفات بالمركز الوطنى لتخطيط استخدامات أراضى الدولة التابع لمجلس الوزراء، روت تجربتها فى دورة التأهيل بالأكاديمية العسكرية المصرية، والتى استمرت ستة أشهر، مؤكدة أنها تحولت من مجرد وسيلة للوصول إلى الوظيفة، إلى تجربة غيرت شخصيتها وأسلوب حياتها بشكل جذرى، موضحة أنها فى البداية نظرت إلى الدورة كمرحلة انتقالية ضرورية للالتحاق بالهيكل الإدارى للدولة، خاصة أنها كانت من أوائل الدفعات، ولم يكن هناك وعى كاف أو توعية مسبقة بأهميتها.

على المستوى النفسى، أشارت «رضوى» إلى أن الدورة ساعدتها على تعزيز التوازن العاطفى والسيطرة على المشاعر، خاصة مع طغيان العاطفة لدى الفتيات فى بعض المواقف، مضيفة أن هذا الجانب أهّلها للعمل تحت ضغط وفى فرق عمل متنوعة.

وعن طبيعة الدراسة، أكدت أنها جمعت ثلاثة محاور مواد عسكرية توعوية عامة عن الأمن القومى والنظام الإدارى للدولة ومواد تخصصية من المركز نفسه، يقدمها متخصصون مثل مديرى أقسام المساحة والبحوث الفنية، لتعريف المتدربين بالهيكل التنظيمى والمهام المتوقعة و تدريبات عملية، مثل الرماية والفروسية ونشاطات ميدانية أخرى داخل الأكاديمية.

وبالنسبة للتأهيل النفسى، أوضحت أن الأكاديمية خصصت محاضرات أسبوعية مع متخصصين فى علم النفس والسلوك وشيوخ ودعاة لدعم المتدربين نفسيًا، خاصة فى الفترة الأولى التى كانت خالية من التواصل مع الأهل، قائلة: «كان هناك اكتئاب ويأس لدى البعض بسبب التغيير الجذرى، لكنهم كانوا يستمعون لنا ويشرحون أهمية النظام»، مشيرة إلى دور المشرفات اللاتى كن يعاملنهن كأخوات كبيرات، ويسمعن المشكلات ويخففن عنهن، واصفة تجربتها بأنها بنت شخصية قوية ومنضبطة وواثقة، وقادرة على العمل تحت الضغط وبناء شبكة علاقات مهنية مستمرة مع زملاء من وزارات مختلفة كالرى والأوقاف والخارجية والقضاء، ومشددة على أن الدورة لم تكن مجرد مرحلة انتقالية، بل أسست أسلوب حياة مستمر يعتمد على الانضباط والاستمرارية والتوازن.

تحمل المسئولية

من جانبها، أوضحت همت صلاح، إحدى المهندسات المدنيات اللواتى التحقن بدورة تدريبية مكثفة فى الأكاديمية العسكرية المصرية.

وأكدت «همت» أن الاستفادة الأكبر كانت على المستوى الشخصى والمهنى؛ فقد تغيرت شخصيتها لتصبح أكثر قدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات، خاصة بعد محاضرات متخصصة فى إدارة الأزمات والمسؤولية، وفى عملها الحالى بالمواقع الميدانية أصبحت أكثر نشاطًا وكفاءة، حيث أصبح الاستيقاظ المبكر والحركة المستمرة أمرًا طبيعيًا، ولم تعد تشعر بصعوبة فى أداء المهام اليومية، مشيرة إلى أن التحديات الرئيسية التى واجهتها كانت فى الانتقال المفاجئ إلى حياة منظمة تمامًا، مع ترك الأهل والانقطاع النسبى عن الهاتف المحمول خارج الأوقات المحددة، وإدارة الوقت بدقة متناهية، ومع ذلك تأقلمت مع الجو العسكرى تدريجيًا، هذا إلى جانب أن التأهيل النفسى كان موجودًا من خلال التعود اليومى، رغم اختلاف الحياة العسكرية كليًا عن المدنية.

وبالنسبة للمواد الدراسية، لفتت «همت» إلى أن جزءًا كبيرًا كان تخصصيًا من وزارة الموارد المائية والرى، يركز على الواقع العملى والمشروعات الميدانية، مما ساعدها مباشرة فى عملها بعد التخرج، كما استفادت من محاضرات الأمن القومى، التى كشفت حقائق ومعلومات عسكرية وسياسية لم تكن تعرفها سابقًا، مما أثرى خلفيتها العامة.

الانضباط والتوازن

لم تغفل الأكاديمية العسكرية المصرية جانب المعلمين فى برنامجها التدريبى، حيث روت خلود محمد، إحدى المشاركات فى دورات تأهيل المعلمين، تجربتها التى استمرت ستة أشهر، واصفة إياها بـ«بالمميزة والمؤثرة» على المستويين الشخصى والمهنى، موضحة أنها انضمت للدورة متوقعة أن تكون قصيرة المدة، وكانت فى السابق تطمح للالتحاق بدورات ضباط متخصصين نظرًا لشغفها بالجانب العسكرى، لكنها اكتشفت أن ستة أشهر فقط كانت كافية لإحداث تغيير عميق فى حياتها، مبينة أنها تنصح الجميع بالالتحاق بالدورة، وأن الأكاديمية لعبت دورًا بارزًا فى صقل شخصيتها وتنمية مهاراتها بشكل واضح.

وفى تقييمها النهائى، لخصت «خلود» التجربة بأنها «جهزت كادرًا قادرًا على مواجهة تحديات المستقبل فى المهنة والحياة»، مؤكدة أنها بنت أساسًا متينًا يثبت مع الوقت، وأن أكبر صعوبتها كانت فى الناس لا فى الروتين نفسه، الذى وجدته سهلًا ومريحًا لطبيعتها، مبينة أن الأكاديمية علمتها كيف تكون قدوة ملتزمة، متوازنة، قادرة على السيطرة على انفعالاتها، ومستعدة لأى مفاجآت أو ضغوط.

تأهيل وتدريب

أما اللواء أركان حرب سمير فرج، الخبير العسكرى والاستراتيجى، فيؤكد أن «دورات التأهيل التى يخضع لها موظفو أجهزة الدولة المختلفة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية هى دورات مؤقتة ومحددة المدة وليست برامج دائمة أو مستمرة، وتُنفذ على دفعات صغيرة، والهدف الرئيسى من هذه الدورات هو إعادة تأهيل الموظفين المنضمين حديثًا لأجهزة ووزرات وهيئات الدولة المختلفة على أسس الانضباط العسكرى الذى يتميز به أى عنصر فى القوات المسلحة، إلى جانب تعزيز أسلوب العمل الإدارى المتقدم الذى تشتهر به المؤسسة العسكرية على مستوى العالم، ويعد من أفضل النماذج الإدارية».

وأضاف «فرج»: تلك الدورات تتيح الفرصة لفهم أبعاد الأمن القومى المصرى والتحديات التى تواجه الدولة، مما يمكّن الدارس من معرفة طبيعة عمله والتحديات التى من شأنها التأثير على مسار الدولة، كما تشمل الدورات رفع اللياقة البدنية من خلال تمارين رياضية كالمشى والجرى، بالإضافة إلى تدريب على أساليب التعامل مع المستويات الإدارية المختلفة – سواء مع الرؤساء أو المرؤوسين – وتنسيق العمل داخل القيادات، فضلًا عن مواد إضافية فى نظم المعلومات والكمبيوتر واللغة الإنجليزية.

وفى إطار «المقارنات الدولية»، نوه «فرج» إلى وجود تجارب مماثلة فى عدد من الدول، من بينها كلية الدفاع الوطنى فى الولايات المتحدة، حيث يشترط فى العديد من المناصب القيادية، لا سيما فى الوزارات السيادية، اجتياز برامج دراسية متخصصة فى مجالات الدفاع والأمن القومى والتى تمتد لفترات زمنية مكثفة.

أما عن تقييم فاعلية الدورات وضمان وصول المعلومات والقيم المغروسة، كشف الخبير العسكرى، أن «هناك اختبارات دورية فى كل مرحلة (ترمين أو ثلاثة خلال الدورة)، وأن النتائج تظهر بوضوح بعد التخرج».

بناء الوعى

بينما أضاف اللواء طيار دكتور هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا: الدورات المخصصة للقطاعات المدنية فى الأكاديمية العسكرية المصرية ليست مجرد برامج تدريبية عادية، بل تمثل عنصرًا رئيسيًا فى مواجهة أشكال الحروب الحديثة التى تستهدف القطاعات المدنية داخل الدول، مبينًا أن هذه الدورات التى تُعرف رسميًا بدورات القطاعات المدنية فى الدولة، تشمل جوانب عسكرية واستراتيجية، مثل دراسة الحروب الحديثة ونقاط الضعف والتعرض داخل الدولة، بهدف بناء وعى مشترك يجعل القطاعات المدنية جزءًا فعالًا من منظومة الدفاع والصمود الوطنى، وهذا النهج يتماشى مع الاتجاه العالمى نحو تعزيز «العلاقات المدنية _ العسكرية»، حيث تتقاسم القوات المسلحة والقطاعات المدنية مساحة مشتركة فى مواجهة التحديات.

التميز والانضباط

وردًا على تساؤلات تتعلق بمدى جدوى هذه الدورات، أوضح «د. هشام» أن «الموظف العام لا يكفيه التميز فى تخصصه فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى مستوى عالٍ من الانضباط، ووعى شامل بطبيعة التحديات التى تواجه الدولة، هذا فضلاً عن أن السنوات التى أعقبت عام 2011 أظهرت كيف يمكن لاستهداف مؤسسات الدولة المدنية أن يؤدى إلى إضعافها أو انهيارها فى بعض الدول، ما يبرز أهمية إعداد كوادر قادرة على التعامل مع مثل هذه الظروف، وتنمية هذه القدرات لا تتحقق فى فترات قصيرة، بل تتطلب برنامجًا دراسيًا متكاملًا يمتد لنحو ستة أشهر، تحت إشراف خبراء فى الجوانب النفسية والسلوكية والأمنية والاستراتيجية، ويهدف هذا الإعداد إلى تخريج عناصر تتمتع بالوعى والانضباط، وقادرة على إدارة الأزمات وتحمل الضغوط، وتمتلك قدرًا كافيًا من الإدراك يحول دون تأثرها بالشائعات أو حملات التضليل الإعلامى».

وفيما يخص آليات الاختيار، أوضح أن «مسؤولية ترشيح المتدربين تقع على عاتق جهة العمل نفسها، سواء كانت وزارة أو هيئة، بينما يقتصر دور الأكاديمية على تنفيذ عملية التأهيل، ويخضع المرشحون لكشف طبى واختبار لياقة بدنية فى حدود تتناسب مع طبيعة العمل المدنى ولا تقارن بمتطلبات طلبة الكليات العسكرية، كما أن قرارات القبول أو الاستبعاد تظل من اختصاص جهة العمل وليس الأكاديمية».