التهجير الصامت تعبير أطلقه بعض المحللين السياسيين على أحداث الضفة الغربية، ولكنى أختلف معهم.. فعملية التهجير بتفاصيلها وبأحداثها صوتها مسموع وأهل الضفة يصرخون، ولكن العالم هو الأصم، الذى لا يريد أن يسمع أو يتحرك لوقف هذا العدوان الإسرائيلى الهمجى، اللهم إلا تصريح إدانة من هنا أو هناك، هذا العدوان يسير وفق عملية إسرائيلية ممنهجة لإجبار الفلسطينيين السكان الأصليين على التهجير من جراء أعمال قتل وترويع للأفراد والاستيلاء على منازلهم وعلى أراضيهم أو حرقها من خلال قوات الأمن الإسرائيلى، ومجموعات من المستوطنين المسلحين المدعومين من حكومة بنيامين نتنياهو وبالتحديد من وزير الداخلية «إتمار بن غفير» ووزير المالية «بتسلئيل سموتيريتش» وتحت حماية قوات الأمن الإسرائيلى.
إسرائيل تسعى علنًا ودون مواربة لضم الضفة الغربية وتغيير الطابع الديموغرافى لها، حيث يسكنها 3ملايين و400 ألف من الفلسطينيين حسب مركز الإحصاء الفلسطينى لعام 2025، موزعين على محافظاتها، وأهمها القدس الشرقية ونابلس، ورام الله والبيرة والخليل، وتعمل إسرائيل على تقطيع أوصالها بمستوطنات غير شرعية، واستطاعت خلال العامين الماضيين تهجير العديد من مجموعات البدو الفلسطينيين من مناطقهم، جراء عمليات تشترك فيها القوات الإسرائيلية ووزارتا الزراعة والاستيطان، ويقدر عدد المستوطنين فى مستوطنات الضفة بنحو 770 ألفا نهاية 2024، يتوزعون على 180 مستوطنة و256 بؤرة استعمارية، منها 136 بؤرة زراعية رعوية تسيطر على أكثر من 480 ألف دونم، ونفذ المستوطنون أكثر من 4000 اعتداء وعملية تخريبية، وساهم إطلاق إسرائيل عملية «السور الحديدى» أو «الجدار الحديدى» فى يناير 2025 والتى شاركت فيها القوات العسكرية والشاباك.
ماذا يحدث فى الضفة؟ مشاهد..
مشهد يوم السبت الماضى تم إجبار 15عائلة فلسطينية على الرحيل من تجمع «شلال العوجا» المنطقة البدوية التى تقع شمال مدينة أريحا، والتى تمتلك واحدا من أكبر منابع المياه فى الضفة، تلك العائلات الفلسطينية هم آخر عائلات عشيرة الغوانمة، ليصل عدد العائلات المطرودة من أرضها والتى تنتمى لهذه العشيرة 94 عائلة.
مشهد نقلته الهيئة العامة للشئون المدنية الفلسطينية..
يوم الأحد الماضى، شاب فلسطينى من قرية عطارة شمال مدينة رام الله، يقود سيارته فى الطريق بين وسط الضفة وشمالها، عند أحد الحواجز المنتشرة فى أرجاء الضفة، التى تنغص على الفلسطينيين وتجعل تنقلاتهم معاناة يومية، استوقفه كمين أمنى من القوات الإسرائيلية، نزل مترجلًا وفى سرعة البرق قام جندى إسرائيلى بإطلاق النار عليه، شاب لم يحمل سلاحًا ولم يتعد على الجنود، لماذا يستهدفونه بالنيران؟ عمليات قتل فلسطينىّ الضفة بدم بارد والتى تقوم بها القوات الإسرائيلية والمستوطنون، تتكرر كل يوم دون حساب لمرتكبيها بمباركة من وزراء حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.
مشهد جرى فى فجر ذات اليوم فى بلدة عطارة نفسها، قامت مجموعة من المستوطنين بالهجوم على عطارة، قامت بحرق سيارتين.
مشهد آخر فى القدس الشرقية قبل حوالى أسبوع..
قامت قوات الأمن الإسرائيلية بهدم مقر رئاسة الأونروا فى القدس، ورفع علم إسرائيل عليه، بحضور نائب رئيس بلدية القدس المحتلة «ارييه كينج»،الذى دعا بكل صلف إلى قتل كل موظفى «الأونروا» وطردهم من إسرائيل وقال على صفحته على موقع «إكس» لقد هزمنا العدو وطردناه من القدس الشرقية، وأضاف إما نحن أو هم، وسندمر ونقضى على جميع موظفى «الأونروا»،
وعلق مفوض الأونروا « لازارينى» على تلك التصريحات وقال إن تدمير مبانى الأمم المتحدة ينذر بعهد همجية جديدة وإن فقدان البوصلة الأخلاقية يُنذر بعهد جديد من الوحشية، والمسئولون الإسرائيليون يتنافسون على نسب الفضل لهم فى اقتحام وتدمير مجمع الأمم المتحدة فى القدس الشرقية المحتلة، ودعا آخرون إلى إبادة مجتمع كامل من موظفى الأونروا.
وطالب لازارينى الدول الأعضاء الذين أقسموا على ميثاق الأمم المتحدة ألا يتسامحوا مع تصريحات مسئولين فى دولة عضو ويجب إحالة هذه الأعمال إلى أعلى مستوى والتصدى لها.
وكانت حكومة نتنياهو قد أصدرت من قبل قانونا يحظر تعامل إسرائيل مع «الأونروا».
وفى القدس أيضًا قامت القوات الإسرائيلية بهدم منزل عائلة حاتم بيضون فى بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى فى القدس الشرقية وطرد العائلة التى أصولها مقدسية، كواحدة من عمليات الاستيلاء على منازل الفلسطينيين فى القدس.
مشاهد عديدة تترجم خطة العدو الإسرائيلى التى شرع فيها منذ سنوات، وتسارعت خطاها منذ أكتوبر 2023 لتفريغ القدس الشرقية وأراضى الضفة الغربية من سكانها الأصليين وتسكين المستوطنين فى منازلهم والاستيلاء على أراضيهم بعد اضطرارهم للتهجير القسرى، تارة تحت ضغط العمليات العسكرية بدعوى أنها تستهدف أفراد المقاومة، وتارة أخرى عن طريق العنف الجسدى الذى يمارسه المستوطنون ضدهم، خاصة فى المناطق الرعوية، والذين يقومون بمحاصرة الأسر الفلسطينية ومنعهم من مغادرة بيوتهم ومن خروج مواشيهم لترعى فى الأرض التى زرعوها بأيديهم، والاستيلاء على المحصول بعد جهد عام كامل سواء بإحضار أغنامهم للرعى فيها أو بحصاد المحصول أو حرقه، والتعرض لهم بالضرب و القتل العمدى، وسط حماية من القوات الإسرائيلية والحكومة.
وكان مركز المعلومات الفلسطينى قد أصدر إحصاءات لحجم الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة بشدة فى الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر عام 2023 وحتى يونيو من عام 2025، حيث عدد الشهداء أكثر من ألف شهيد والمصابين أكثر من 7 آلاف مصاب، واعتقال حوالى19 ألفا وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى زيادة الاْعداد بنسبة كبيرة حتى الآن حيث وصل عدد المعتقلين إلى 21 ألفا والشهداء 1108.
وتمت خلال تلك الفترة مداهمة حوالى 10 آلاف و500 منزل وتدمير حوالى ستة آلاف ونصف، وقيام القوات الإسرائيلية بـ200 عملية قصف جوى، إضافة إلى إقامة490 حاجزًا مؤقتًا و140حاجزًا رئيسيًا و77 ساترا ترابيا و707 بوابات حديدية تعمل على تضييق حركة المواطنين الفلسطينيين ومنع التنقل بحرية.
إسرائيل ماضية فى سياستها فى الضفة بالتهجير والتهويد ثم الضم، وأهالى الضفة الصامدون يحتاجون إلى من يدعمهم للبقاء فى أرضهم، بكل الوسائل، والتحرك دبلوماسيًا فى العالم الذى يعترف بعدم مشروعية الاستيطان، على الأقل إذا لم يكن قادرًا على معاقبة إسرائيل، أن ينتهج سياسة إسبانيا وبلجيكا التى أصدرت قرارًا مؤخرًا بمنع تصدير السلاح لإسرائيل، ويعمل على فرض عقوبات على المستوطنين مرتكبى الجرائم ضد الفلسطينيين، لا وقت للصمت.