رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كنوز المصوّر| بعد 34 عاماً من الصمت: عطية الله إبراهيم تتكلم: لأننى مبذرة.. نجيب هو المسئول عن ميزانية البيت


30-1-2026 | 13:11

.

طباعة
حوار: رجاء عبدالله - نجوان عبداللطيف عدسة: فارس حماد

أخيراً.. أخيراً.. نحن فى بيت نجيب محفوظ..

بفضل ألفريد نوبل وحده تمكنا من اقتحام هذا الحصن المنيع الذى لم يدخله أحد قبل مجيء نوبل.

والبيت هو المرأة، ربة البيت والبنات، ولذلك فإنها ربما كانت المرة الأولى.. التى لا يتحدث فيها ولكن رفيقة عمره تتكلم - تتكلم عنه..

لا تتحدث وحدها، ولكن معها أيضاً ابنتاه، وكان نجيب محفوظ هو الحاضر الغائب..

وطرقنا باب بيته فى الساعة الثانية ظهراً، فى اليوم التالى للإعلان عن فوزه بالجائزة.. وبرغم عدم مناسبة الموعد للزيارات الصحفية، فإن تصميمنا على كسر الحاجز بين بيت نجيب محفوظ والإعلام حفزنا على أن نلقى جانباً بمشاعر الضيف الثقيل المتطفل غير المرغوب فيه.

نجلس فعلاً فى الصالون الصغير بالشقة رقم 1 بالدور الأرضى بالعمارة رقم 172 بطريق جمال عبدالناصر على نيل العجوزة.

وكان الطريق إلى المنزل يسيراً، فاليوم جمعة والشوارع خالية.. لم يكن من الصعب التعرف على الشقة من الخارج، فكل النوافذ مغطاة بالخضرة وبواب العمارة وقف لاستقبالنا وعلى وجهه ابتسامة عريضة، وبادرنا قائلاً الله يبارك فيكم، وكأنه يشعر أن من حقه أن ينال نصيباً من التهاني.. ولم لا وهو الذى تابع مشوار نجيب محفوظ الصباحى اليومى على مدى 20 عاماً وهو أحد الذين كتب عنهم ولهم.

 

 

عطية الله إبراهيم

ها هى أمامنا تفتح لنا الباب.. عطية الله إبراهيم زوجة نجيب محفوظ ورفيقة مشوار حياته، سيدة تحمل كل ملامح الأم المصرية بلونها الخمرى وقوامها الممتلئ والبساطة فى الملبس والسلوك، تشعر نحوها بالألفة منذ اللحظة الأولى وكأنك تعرفها من قبل.

إنها الزوجة التى عاشت أكثر من 34 عاماً مع شخصية شهيرة تجرى وراءها الكاميرات وأجهزة الإعلام دون أن تظهر لها صورة لا فى الصحف ولا على شاشة التليفزيون..

لقد آثرت أن يكون زوجها وحده فى دائرة الضوء وقنعت بحياتها فى الظل.. ولهذا كانت دائماً تبدو كالسر الغامض عند الكثيرين من المثقفين والقراء حتى أن بعضهم قال إنها أجنبية والبعض الآخر قال ربما هى تكره الناس.

قالت: آسفة.. نجيب نائم..

قلنا: أتينا من أجلك أنت..

هزت رأسها بإصرار.. واعتذرت.. أنا لا أحب الأحاديث الصحفية، هذا قرارى منذ بداية حياتى مع نجيب..

قلنا ونحن نجتاز عتبة البيت الغارق فى الصمت والهدوء والظلال.. هذا حدث لا يتكرر.. ظرف استثنائى يكسر كل القواعد.. واستسلمت الزوجة المجاملة.. وهى ترى إصرارنا ودعتنا إلى الدخول، وما زال عدم الاقتناع يكسو ملامح وجهها الهادئ.

صوتها يهمس همساً.. وكأنها لا تريد أن تخدش هذا الهدوء العميق الذى يسود البيت الصغير.. وحتى لا يستيقظ العبقرى النائم.. وتحركت لتغلق الأبواب.. وكانت فرصة لنا لتأمل العش الذى يحيا فيه نجيب محفوظ.. والذى تميز من داخله وخارجه بكمية كبيرة من أشجار الزينة الخضراء؛ ثلاث غرف.. اثنتان للنوم.. واحدة له وللسيدة حرمه.. والأخرى لأم كلثوم وفاطمة.. ثمرة الزواج الطويل.. الحجرة الثالثة.. يا للعجب.. حجرة الطعام.. وفى جانب منها مكتبة أمامها مكتب بسيط هو الذى حمل إبداع هذا الفنان العظيم صاحب جائزة نوبل.. نجيب محفوظ لا يملك حجرة خاصة لمكتبه.

ثم صالة صغيرة تتصل بحجرة أصغر، هى للمعيشة.. وللاستقبال.. وللراحة.. تتميز بمجموعة كبيرة من التحف الصينية الدقيقة.. ومكتبة مكونة من عدد من الأرفف تحمل مجموعة من الكتب.. تتصدرها الأعمال الكاملة لنجيب محفوظ.. ومعها مصحف فاخر.. والإمتاع والمؤانسة لأبى حيان التوحيدى، والسيرة النبوية لابن هشام.. ومختارات من الشعر الفارسي.. وأجزاء شخصية مصر لجمال حمدان، والطبقات الكبرى لابن إسحاق.

فى مدخل الشقة دولاب زجاجي.. به ثروة نجيب محفوظ من الأوسمة والنياشين.. ويتصدره طبق صغير من الفضة الخالصة، هدية من توفيق الحكيم بعيد ميلاده السبعين.. نقش عليها عبارة إلى عملاق الرواية العربية نجيب محفوظ مع الحب والإعجاب.. توفيق الحكيم.

وعدنا إلى الأسئلة وأمام اضطرابها الواضح.. وترددها الظاهر حوّلنا الحديث إلى مجرد دردشة بدون ترتيب طلباً لمزيد من الألفة.

كان سؤالنا الأول عن بداية لقائها مع نجيب محفوظ.

قالت: تعارفنا فى عام 1952 فى بيت أسرة بعض الأصدقاء المشتركين، وأخذت العلاقة بيننا فى التنامى طوال عامين حتى تزوجنا فى عام 1954.

معنى هذا أن ثمة قصة حب نشأت بينكما؟

ابتسمت ابتسامة خجولة حملت لنا الرد.

منْ نجيب محفوظ الذى عرفته فى تلك الفترة؟

كاتب فى بداية مشواره، وموظف بسيط فى وزارة الأوقاف.

هل قرأتِ له قبل التعارف؟

لا فقد تعرفت على نجيب الإنسان قبل أن أتعرف على نجيب الكاتب.

قرأت زقاق المدق

بعد الزواج كيف كانت علاقتك بما يكتب؟

قرأت له رواية واحدة وهى مخطوطة قبل النشر وقلت له رأيى فيها، فكانت المرة الأولى والأخيرة التى يُطلعنى فيها على ما يكتب قبل خروجه للناس، وأصبحت قارئة عادية.. أقرأ إبداعه بعد النشر!

ما هذه الرواية؟

زقاق المدق.

وماذا كان رأيك الذى أغضبه إلى هذا الحد؟

لا أتذكر الآن.

كيف كانت حياتك معه طوال الـ34 عاماً؟

حياة هادئة منظمة إلى أقصى حد.

لماذا ظل بيت نجيب محفوظ بعيداً عن الأضواء طوال هذه السنوات، هل كان ذلك قرار نجيب محفوظ؟

بل اختيارى أنا.. لقد فضلت أن يكون المنزل لى ولبنتىَّ وأصدقائنا، على أن تكون حياته مع أصدقائه وأحبائه خارج البيت، وهذا ساعدنا على أن يظل البيت هادئاً حتى يتفرغ نجيب لإبداعه الأدبي.

ألم تصادفكما مشاكل كادت تُغير من هذه السمات؟

إطلاقاً، فكل منا يعرف الآخر جيداً، ويتعامل معه على هذا الأساس.

كيف يسير نظام حياتكم اليومي؟

نجيب يستيقظ فى الخامسة صباحاً، يتناول فنجان النسكافيه وأحياناً جبنة قريش أو أى طعام لا يتعارض مع مرض السكر، ثم يخرج إلى مشواره الصباحى المعتاد سيراً على الأقدام حتى ميدان التحرير؛ حيث يجلس على أحد المقاهى ويقرأ الجرائد اليومية، ثم يعود إلى المنزل ليبدأ عمله حتى الواحدة ظهراً، ثم يتناول طعام الغداء الذى لا يتعدى الخضار المسلوق، ثم ينام لمدة ساعتين، ويستيقظ بعدها إما أن يخرج للقاء أصدقائه فى مواعيده المحدد أو فى المنزل حتى يتناول عشاءه المكون من الزبادى وخيارتين.

هل يتردد على المسارح والسينما؟

كان هذا فى الماضى ولكن منذ أن تأثر سمعه كف عن ذلك، ويكتفى بمشاهدة التليفزيون أحياناً، سواء مسلسلات أو أفلاما، ويفضل الأجنبية لأنها مترجمة على الشاشة ولا يحتاج إلى استخدام حاسة السمع.

هل كنت تذهبين معه إلى السينما أو المسرح؟

مرات قليلة جداً.. فى بداية حياتنا!

يبدو من نظام الأكل أن نجيب محفوظ مريض ملتزم.

هذا صحيح.. فهو يعانى من الحساسية والسكر، ولكنه مريض مطيع يلتزم بتعليمات الأطباء بكل دقة!

العمل أولاً

ألم يُبدِ تذمراً ذات مرة من هذا النظام الصارم.. ألم يتمرد عليه؟

نجيب يعبد عمله ومستعد لتقديم أية تضحيات لكى يستمر فى الكتابة، وهو يتعامل مع المرض بكل هذا الانضباط حتى يكفل له الاستمرار والقدرة على العمل.

كيف تقضى الأسرة إجازتها السنوية؟

فى الماضى كنا نسافر معا إلى الإسكندرية، ولكن الآن نجيب يقضى إجازته وحده فى الإسكندرية من مايو إلى أكتوبر وهى مدة طويلة؛ لأنه لا يستطيع احتمال حر القاهرة حيث يزيد من آلام الحساسية، ومع الأسف لا أستطيع مرافقته المدة كلها، فإن البنتين لا يمكنهما مغادرة القاهرة لارتباطهما بالعمل فيها، ونحن أسرة محافظة لا نترك البنات بمفردهن أبداً.

آخر العنقود

الإسكندرية هى أقصى مكان يذهب إليه نجيب محفوظ.. ما سر كراهيته للسفر؟

أعتقد أنها عقدة نفسية، تكونت لديه منذ الصغر.. فقد كان أبواه يمنعانه من السفر، وكانت والدته تخاف عليه كثيراً وكان يخضع لذلك.. فلم يسافر إلى الخارج رغم كثرة الدعوات التى تلقاها واعتذر عنها إلا إلى اليمن ويوغوسلافيا وبناء على طلب الحكومة.

أيهما أكثر تأثيراً على شخصيته.. والده أم والدته؟

أعتقد أن والدته أكثر تأثيراً عليه، وأنا لم أرَ والده لأنه توفى قبل زواجنا، وأعتقد أن خوف والدته عليه سببه أنه أصغر أبنائها السبعة، وهم ثلاثة من الأولاد وأربع من البنات.

كيف كانت علاقته بعائلته؟

كانت علاقة ود وحب باستمرار، ولكنهم انتقلوا جميعاً إلى رحمة الله وتركوا العديد من الأبناء والبنات، ولكنهم أكبر بكثير من بنتينا ومن ثم لا توجد علاقة بيننا وبينهم.

توقف الحوار بيننا وبين زوجة الأديب الكبير للحظات.. استأذنت منا ثم عادت وهى تحمل لنا شربات الجائزة بنفسها.. وقد لفت نظرنا لأنه لا يوجد من يساعدها فى أعمال المنزل، رغم نظافة البيت ونظامه.. سألناها.. فأكدت أنها تقوم بكل العمل فى المنزل بيديها؛ حتى العناية بالزهور والخضرة التى تملأ البيت، والتحف والتماثيل الصينية الصغيرة التى تحتاج إلى جهد خاص فى تنظيفها.

منْ المسئول عن ميزانية البيت؟

أنا شخصية مبذرة للغاية، وعندما يعطينى نجيب نقوداً أنفقها سريعاً، وعندما أطلب منه المزيد يعاقبنى بالعتاب، ثم يعطينى نقوداً أخرى، وعلى كل حال هو المسئول عن الميزانية.

نجيب محفوظ شخصية عامة شهيرة.. وقد قدمت السينما الكثير من أعماله.. واستدعى ذلك أن يلتقى ببطلات أفلامه حتى يتدارسن معه حول الشخصيات التى يقمن بتمثيلها.. هل كانت هذه اللقاءات تتم هنا؟

لا.. لم يحدث.. فكما قلت من قبل إن لقاءاته مع أصدقائه أو غيرهم تتم خارج المنزل.

ألم تشعرى بالغيرة من بطلات أفلامه؟

أبداً.. عندى ثقة كاملة فى نجيب.. فهو شخص ملتزم فى عمله، وفى سلوكه الشخصى، وأنا أعلم جميع تحركاته.. أين يذهب.. ومنْ يقابل.. ولم يتطرق الشك يوماً إلى قلبي.. الحقيقة أننا نتبادل الثقة، وهى أساس حياتنا معاً..

بعد زقاق المدق التى قرأتِها مخطوطة، هل قرأت أعماله الأخرى؟

لا.. بعضها فقط، ولكنى شاهدت كل ما قدم منها على شاشة السينما أو التليفزيون..

كيف يكتب؟

عندما يبدأ نجيب محفوظ التفكير فى رواية جديدة.. هل تشعرين بذلك؟

طبعاً.. فإن هذا يبدو واضحاً على سلوكه تماماً..

كيف؟

يصبح شديد العصبية، يطلب الهدوء التام.. ويثور إذا قطع عليه أحد حبل أفكاره، ويظل يسير فى المنزل، جيئة وذهاباً، وهو شارد عن كل شيء.. يستمع إلى بعض الموسيقي.. من أى شكل، غربية أو شرقية.. وفى هذه الحالة تحرص بناته وأنا على عدم إزعاجه بأى شكل من الأشكال.

وعندما يبدأ فى الكتابة.. هل ينقطع تماماً عن العالم؟

لا أبداً.. على العكس.. فهو يرد على التليفون.. وقد يأتينا بعض الزائرين فيخرج إليهم.. ليحييهم ثم يعتذر لهم بأنه يعمل، ويعود إلى مكتبه.

منْ الذى اختار لبنتيكما اسميهما؟

نجيب طبعاً.. فهو عاشق لصوت سيدة الغناء العربى أم كلثوم، فأطلق اسمها على ابنتنا الأولى.. ثم اسم فاطمة وهو اسمها أيضاً فى فيلم فاطمة المعروف.. وحتى الآن، ما زال نجيب يعشق سماع أغانيها.

هل كانت بينه وبين أم كلثوم علاقة صداقة.. نقصد علاقة عائلية معكما؟

لم تكن هناك علاقة عائلية.. بمعنى أنها لم تقم بزيارتنا، ولكن ربما كانت بينها وبين نجيب صداقة.. فقد شاركت فى عيد ميلاده الخمسين الذى أقيم فى الأهرام.. وقد كان حريصاً على أن يحضر حفلاتها دائماً فى الخميس الأول من كل شهر.

هل كنتِ تذهبين معه إلى هذه الحفلات؟

ضحكت.. وصمتت قليلاً ثم قالت: فى بداية حياتنا فقط.

هل كانت تربية البنتين مسئولية مشتركة بينكما.. أم أن أعماله دفعته إلى ترك المسئولية لك؟

على العكس.. فقد كان مهتماً جداً بتربيتهما.. ودراستهما.. وكان يقضى وقتاً طويلاً معهما.. ويدللهما.. وكثيراً ما كان يمارس عمله وإحداهما فوق كتفيه والأخرى تجلس على المكتب.

هل يتدخل فى شئونهما الخاصة.. علاقاتهما.. الأصدقاء مثلاً؟

العلاقة تقوم بيننا جميعاً على الثقة التامة.. وهو لا يتدخل فى شئونهما.. ولكنه صديق لهما وليس مجرد أب، وأحياناً كنت أضطر لاستخدام الشدة معهما حتى أعادل تدليله المتزايد.

ألم تكن لديكِ أو لدى نجيب محفوظ رغبة فى أن تنجبا أولاداً؟

لم نشعر بذلك إطلاقاً، البنت عندى وعند نجيب لا فرق بينها وبين الولد، بل ربما تتميز عنه بمشاعرها الإنسانية الفياضة.

سألناها ونحن ندير أنظارنا فى المنزل الصغير ما الأماكن التى كنتم تعيشون فيها قبل هذا المنزل؟

نحن نعيش فى هذا المنزل منذ سنة 60 وحتى الآن.. وكنا نسكن قبله فى منزل قرب كوبرى الجلاء، ثم انتقلنا إلى هنا.. ومن يومها لم ننتقل منه!

ألم تفكرى فى منزل أكبر؟

يا ريت.. ولكن من أين؟ نحن نعانى هنا من الضجة الكبيرة التى تحيط بالمنزل.. خاصة أننا فى الدور الأرضي.. ضجة لا تقتصر على أصوات أبواق السيارات نهاراً.. ولكن على الضجة التى تحيط بنا طوال الليل لوجود كافتيريا بجوار المنزل.. ولست أدرى كيف يسمح لها بالعمل ليلاً ونهاراً بهذا الشكل.. وقد قدمنا الكثير من الشكاوى، ولكن بدون فائدة.. فماذا نفعل؟!

سألناها ونحن نشير إلى العدد الكبير من التماثيل الصينية، والتى يتكرر فيها تمثال بوذا بشكله الضخم فى كل ركن.. هذا الديكور.. هل ساهم فيه نجيب محفوظ؟

لا.. إنه من اختياري.

إذن لماذا يتكرر تمثال بوذا.. هل له صلة بالحكمة.. والصمت؟

قالت وقد استغرقت فى الضحك لأول مرة: أبداً.. إنه فقط يذكرنى بزيادة وزني.. كلما رأيته أعود لمحاولة الاحتفاظ بوزن معقول.

وفجأة، وكأننا نعيش لوحة من لوحات الثلاثية العظيمة، جاءت تصفيقة السيد عبدالجواد الشهيرة.. حادة ومتتالية.. وانتفضت عطية الله مسرعة.. إنها أمينة بطلة أبطال نجيب محفوظ.. وكأنها تعرف المطلوب تماماً.. وهرولت إليه.

وجاءنا صوت الأستاذ نجيب يطلب الجرائد اليومية، لأنه ولأول مرة، لم يقرأ جرائده كالعادة فى الصباح، بسبب هجوم الصحافة ووكالات الأنباء العالمية التى لاحقته.. منذ السادسة صباحاً.. وعادت..

سألناها: ما أقرب شخصية من أبطال رواياته إلى طبيعته الخاصة؟

قالت: كمال عبدالجواد، فقد وضع فيها الكثير من حياته.

هل به شيء من شخصية السيد عبدالجواد؟

القليل.. الحقيقة، فيه بعض صفات السيد عبدالجواد وعلى كل حال، فهى أحب شخصية إلىَّ من بين أبطاله.. لأن السيد عبدالجواد صورة للرجل المصرى الأصيل.

هل شاهدتِ الأماكن التى كتب عنها نجيب محفوظ رواياته؟

ذهبت إلى بين القصرين وقصر الشوق والسكرية، ولكنى زرتها كالسائحة.. وطبعاً كانت تفترق بعض الشيء عن المكتوب.

نجيب كتب عنها فى فترة تاريخية سابقة، وقد اختلفت ملامحها الآن عما كتبه وإن كانت روحها لم تتغير.

كيف استقبلت خبر حصوله على الجائزة؟

قالت بإصرار غريب، وثقة لا حدود لها.. لم تكن مفاجأة لي.. كنت متأكدة أنه سيفوز بجائزة نوبل، وكنت أنتظرها منذ سنوات ولم يكن عندى شك فى أنه سيحصل عليها يوماً ما؛ لأنه أخلص لعمله ويستحقها عن جدارة، ولهذا لم أفاجأ بالخبر.

لمن الجائزة؟!

عندما سألنا نجيب محفوظ عما سيفعله بقيمة الجائزة وهى 392 ألف دولار قال: اسألوا المدام: ماذا ستفعلين بقيمة الجائزة؟

قالت ضاحكة أقول لكما عندما أتسلم النقود فى يدى، أما الآن فالعصفور ما زال على الشجرة. وربما يتراجع نجيب عن هذا الكلام ويقول نص أنا نص أنت.

هل ستسافرين معه لتسلم الجائزة؟

أتمنى ذلك، ولكن لم يحدد نجيب بعد إذا كان سيسافر أم لا؟ وإن كان رأيه المبدئى أنه لا يرغب فى السفر، ويفضل أن أذهب أنا وإحدى البنتين ولكنى أتصور أنه سيخضع لضغوط الجميع وسيسافر.

الآن.. نحن نريد لقاء أم كلثوم.. وفاطمة.. فإذا كانتا ستسافران لتسلم الجائزة، فلا بد من ظهورهما عاجلاً أو آجلاً.

وجاءت أم كلثوم أولاً.. وبعدها فاطمة.. تتعثران – ويا للعجب – من شدة الخجل.. بالرغم من أنهما خريجتا الجامعة الأمريكية، وتعملان فى شركات أمريكية.

قالت أم كلثوم رداً على أسئلتنا: الحقيقة أننا لا نقاطع الإعلام، ولكننا نشعر بأنه ليس من حقنا أن نظهر فيه.. فماذا تعنى ابنة نجيب محفوظ.. إنه هو الكاتب والفائز.. ويجب أن يدور الإعلام حوله وحده.. ثم إنه يقول إن هناك حياة خاصة وأخرى عامة ونحن فى الخاصة.. فلماذا تريدون الخلط بين الحياتين.

هذا قرار نابع منكما.. أم قرار من نجيب محفوظ؟

قالت أم كلثوم أيضاً: أبداً.. إنه رأينا، فأبى لا يمنعنا من الحديث مع الإعلام.. ولكنه شعور خاص بنا.

ومن الحديث الذى دار بيننا، اكتشفنا أن ابنتى نجيب محفوظ لا تقرآن له.. إلا القليل.. ثم تلتقيان بأعماله عبر السينما أو التليفزيون.. فاطمة تفضل الصمت خجلاً.. أم كلثوم تتحدث قليلاً.

عن علاقتهما بأبيهما قالت: علاقة عادية تماماً.. ليس فيها شيء غريب.. كان فى طفولتنا يهتم بمتابعة دراستنا.. ويهتم بنجاحنا، ولكنه لم يفرض علينا اختيار طريق العمل أو نوع الدراسة، فقد كان يرغب فى أن ألتحق بقسم الفلسفة مثله ولكنى فضلت الإعلام.. والآن نحن نلتقى معه دائماً بعد التاسعة مساء.. ونبدأ معه سهراتنا حتى موعد نومه.

ألم تمارسى الكتابة.. أو أى نوع من أنواع الفنون؟

قالت الأم: كانت أم كلثوم ترقص الباليه فى طفولتها.. موهبة خاصة، فى البيت.. وكان من الممكن أن تصقلها بالدراسة، ولكن نجيب رفض وقال إنه لا يريد راقصة فى الأسرة.

ضحكت أم كلثوم وقالت: إننى أحب الرسم.. وكنت أرسم بعض اللوحات ثم تحولت هوايتى إلى تصميم الأزياء.. الآن أقوم بمحاولات لإتقان هذا الفن.

هل ترغبين فى أن تصبحى مصممة أزياء مشهورة؟

قالت: أحاول، ولكنى ما زلت فى أول الطريق.

فى هذه اللحظة، كنا قد قضينا أكثر من ثلاث ساعات.. وأزفت ساعة خروج نجيب محفوظ إلى ندوته مع الحرافيش.. وأسرعت فاطمة وأم كلثوم لتصطحباه إلى باب المقهى فى سيارة أم كلثوم الصغيرة والتى تقودها بنفسها.. ولكنهما لا تشتركان معه فى لقاءاته.. إنه المزيج الغريب بين العصرية والتقدم.. وبين جذور التربية المصرية التقليدية.

وعندما وقفنا فى وداع عطية الله إبراهيم زوجة نجيب محفوظ.. نظرنا فى وجهها الباسم البسيط، وعينيها اللتين تشعان بالذكاء.. وكدنا نفهم معنى كلمة وراء كل عظيم امرأة، إنه الذكاء الفطري.. الذى قادها لتكون مزيجاً من الزوجة الحديثة المتفهمة.. ومن أمينة بطلة أبطال بين القصرين.

ولعل هذا المزيج هو سر نجاحها الساحر.. ونجاحه أيضاً.

 
* نشر فى 21 أكتوبر 1988
 
 
    كلمات البحث
  • بيت
  • نجيب
  • محفوظ
  • الحصن
  • نوبل