قدم الدكتور حسين حمودة، أستاذ النقد الأدبى بجامعة القاهرة، أكثر من كتاب عن محفوظ، منها: (نجيب محفوظ ملامح من قرب)، و(فى غياب الحديقة، حول متصل الزمان والمكان فى رواية نجيب محفوظ)، ورأس تحرير دورية محفوظ السنوية الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة، وصدر منها عشرة أعداد، وهو ناقد يجول ويصول فى فكّ رموز وشفرات إبداع محفوظ، ومتيّم به، ويراه بحرًا لا ساحل له، عامرًا باللآلئ، ومن هنا وجب الحديث معه عن رائد الرواية العربية نجيب محفوظ.. فإلى نص الحوار:
بداية، هل تعتقد أن محفوظ يظل حديث الساعة بعد كل هذه السنوات على رحيله؟
نعم.. يظل نجيب محفوظ حديث الساعة اليوم وغدا وبعد سنوات، لأنه قدم فى تجربته الإبداعية مغامرة جمالية متعددة الأبعاد، وعند طرح أسئلة الإضافة نجده دائما يتجاوز الأسئلة، وهو على مستوى الإبداع كان يتجاوز إبداعه وكل ما كتبه، سابقا، وكان يفاجئنا بكل عمل جديد، خاصة فى مغامراته الجمالية الملهمة جدا مثل رواية (الحرافيش) التى جمع فيها بين تقنيات الرواية، وجماليات الملحمة، وفى عمله المدهش (حديث الصباح والمساء) استلهم تراث التراجم، وقدم ألف بائية من الحشد الإنسانى الكبير بعدد من الشخصيات التى تمتد جذورها لمائة وخمسين عاما، وهذا العمل تحديدا يُقرأ من كل صفحة، ومن أى بداية.
وبداخله حكاية من داخل حكاية، أليس كذلك؟
أحسنت، نعم هى باستخدام تكنيك القصة من داخل قصة، وفى نصوصه الأخيرة قدم لنا أعمالًا غير مسبوقة، مثل: «رأيت فيما يرى النائم» و«أصداء السيرة الذاتية»، و«أحلام فترة النقاهة»، تحولت قصصه ونصوصه لموضة يقلدها المبدعون، ما يجعل «محفوظ» سابقا لعصره، واليوم يتلقى القراء والمبدعون الشباب قصصه على مستويات فلسفية متعددة، وبأكثر من منظور وزاوية للقراءة، وفى روايته «رحلة ابن فطومة» يقدم التمثيل الأمثولى، والرمز لمسيرة المجتمعات البشرية، عبر المقامات التى اجتازها بطل العمل قنديل العنابى.
كانت روايات محفوظ فى مرحلة الستينيات مدهشة، رمزا وفلسفة ورؤى، مثل: «اللص والكلاب، الطريق، الشحاذ، وثرثرة فوق النيل»، فكيف رأيت هذه المرحلة الوسطية من مسيرته الإبداعية؟
نعم، هذه حقيقة، وهذا ما دعا مبدعًا مثل إبراهيم أصلان، ممن كانوا ينكرون على محفوظ أستاذيته وريادته للأجيال التالية عليه خاصة جيل الستينيات، أن يصرح ويقول فى مجموعته القصصية التى حوت قصته «تلك الرائحة»: «فاجأنا نجيب محفوظ برواياته فى بداية الستينيات، بمغامرة جمالية قفزت بفن الرواية العربية نصف قرن من الزمان».
ولكن بعض الأصوات ادعت أنها تجاوزت محفوظ مثل محمد حافظ رجب، وغيره من أدباء جيل الستينيات لدرجة أنى كتبت أن نوبل أنقذته من تطاول الصغار عليه؟
مثل تلك الأقاويل من البعض تقال كأسلوب للدفاع عن النفس، والدليل أن بعضهم اكتفى بتجربة محفوظ وأشاد بها مثل بهاء طاهر والغيطانى، ولا تنسَ «عقدة أبناء الكار الواحد»، وظنّ البعض أنهم عندما يقولون إنهم «جيل بلا أساتذة» كما فعل محمد حافظ رجب أنهم بذلك تجاوزوا نجيب محفوظ، ولكن الحقيقة أن فكرة التجاوز فى الأدب والفن غير حقيقية، لأنه لا تجربة تنسخ تجربة، ولا تلغيها، وكل تجربة تالية تابعة لتجربة سابقة عليها، وكل تجربة تمثل إضافة على مستواها الجمالى والمعرفى.
السؤال الذى يشغل كل مخلص للأدب العربى هو: لماذا لم تصل نوبل إلينا مرة أخرى، وهل كان فوز محفوظ بها سنة 1988م مجرد استثناء أو بيضة الديك، مع الزخم الكبير فى السرد العربى مؤخرا؟
جائزة نوبل تنطلق من تصورات متعددة منها تصورات خاصة باللغة، والتوزيع اللغوى، خاصة مع تأكيد غياب المعايير الخاصة بالعدالة اللغوية والجغرافية، فالجائزة تتعلق خاصة بالمركزية الأوروبية الغربية، وأغلب مَن فازوا بها من أوروبا، وكتبوا باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، أو ممن يدورون فى فلك أوروبا بلغاتها، وقليل مَن فازوا من أبناء إفريقيا وآسيا بلغاتهم الأصلية، وبالتالى تهمش جائزة نوبل تجارب كبيرة مكتوبة بلغات غير الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية.
ونوبل جاءت لمحفوظ صاغرة لأنه فرض لغته وأدبه فى وقت مبكر جدا على الثقافة الغربية، وكتب الأب جاك جومييه عن ثلاثية نجيب محفوظ سنة 1959م بعد صدورها مباشرة، وكتب أندريه ميكيل سلسلة مقالات بالفرنسية عن محفوظ، وترجمت روايته «زقاق المدق» فى وقت مبكر، إذن حضوره الأدبى كان قائما من وقت مبكر لدى الناقد الغربى، وبالتالى انتزع محفوظ نوبل من فم الأسد، وبالتالى حقق نوعًا من التوازن وردّ الاعتبار، ولكنه غير كافٍ، خاصة إذا عرفنا أن العالم العربى مليء بالتجارب الإبداعية المهمة والكبيرة.
كيف ترى إطلاق جائزة سنوية مع معرض القاهرة الدولى للكتاب باسم نجيب محفوظ؟
خطوة إيجابية وجادة ومهمة جدا، تليق بوزارة الثقافة، وبمكانة معرض القاهرة للكتاب، وتمثل إحياء الذكرة بشكل عملى، وتمثل دفاعًا عن الإبداع الأصيل، وإذا كانت هناك جائزتان باسم محفوظ سنويا، واحدة عن المجلس الأعلى للثقافة، والثانية عن قسم النشر فى الجامعة الأمريكية؛ فإن الجائزة الأخيرة تمثل وزارة الثقافة المصرية، ومعرض القاهرة للكتاب، وهو أبرز حدث ثقافى كبير وشهير وسنوى، ويحظى بحضور كبير من القراء والزوار والمبدعين، وتقترن باسم أكبر مبدع مصرى وعربى فى الرواية فى القرن العشرين.
هل ستكون بالانتخاب أم سيتقدم لها المبدعون؟
مفتوحة لكل المبدعين من مصر وخارجها، وعلى المبدعين أن يتقدموا لها، ولجنة التحكيم سترى الأعمال المقدمة وترشح الفائز بكل شفافية.
بقى سؤال يمسّك أنت بشكل شخصى، عن مصير دورية محفوظ الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة والتى رأستها لسنوات، ماذا عنها هل تتعرض لمعوقات؟
أصدرنا من هذه الدورية لليوم عشرة أعداد على مدى عشر سنوات، وفى كل سنة كنا نخصص العدد لمحور مهم، فأول عدد خصصناه عن أول مقال نشره محفوظ، وأول قصة نشرها، وأول رواية نشرها، وأول مسرحية نشرها، وأول سيناريو كتبه للسينما، وأول مقال نقدى كتب عنه، وأول كتاب تناوله نقديا، أو عمل مترجم له، وأول نقد أجنبى عنه، وأول جائزة فاز بها. وفى العدد الثانى تناولنا محفوظ والتراث الإنسانى فى أعماله، والعدد الثالث تناول أماكن نجيب محفوظ فى أعماله وحياته، ثم عدد عن محفوظ والسينما، وعدد عن محفوظ والتعدد والثورة، وعدد عن المرأة فى أعمال نجيب محفوظ، وهكذا، أما مصير الدورية فهى متوقفة حاليا، ولا أحب أن أخوض فى التفاصيل حتى لا أغضب أحدا أو أُسيء إلى أحد.
أخيرا، إلى متى يظل «محفوظ» معنا كملهم ومعلم ورائد؟
إلى ما لا نهاية، لأنه كاتب وفنان مغامر، تمرد على نفسه، وكان فى كل عمل يتجاوز ذاته، وجرب كتابات عديدة، ودخل فى مغامرات جمالية وفلسفية ولغوية كثيرة، وبالتالى سيظل نبعًا لا ينضب، وإذا كنت قد أصدرت عنه كتابين، وأصدر غيرى كتبًا عنه، فإنه سيظل صاحب أكبر مكتبة عربية لمبدع فى العصر الحديث إبداعًا ونقدًا، فهو أكبر مبدع عربى تناوله النقد العربى والأجنبى، عبر آلاف المقالات ومئات الكتب، وعشرات المقالات الأجنبية، فضلا عن أنه أكبر كاتب عربى جرى ترجمة أعماله لكل اللغات الحية من الصين شرقا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، فقد اصبح ملهما ورمزا على مستوى الأدب العالمى، وأصبح مؤثرا أدبيا وإنسانيا على مستوى العالم.