لم يكن ما حدث من جرائم وحشية وانتهاكات إنسانية وحشية بحق أربعة من نزلاء إحدى دور الأيتام بمنطقة الشيخ زايد على يد ذئب بشرى ارتدى قناع البر والتقوى وتدثر برداء العطف والطيبة.. رجل أعمال مقتدر أغرى ضحاياه بالمال والهدايا والعيش الرغد بعيداً عن نار الغلظة والقسوة والتعذيب في تلك الدار مقابل متعة محرمة.. لم يكن سوى إعادة فتح جراح لم ولن تندمل، وفصلاً من مأساة لا تزال مستمرة.. وما خفى فيها كان أعظم!
كل مرة ينكشف فيها ستر ما يحدث خلف جدران بعض دور الأيتام سواء كان اعتداءً جسديا وحشياً أو عنفاً، حوَّلها من بئر حنان وملاذ آمن إلى بوابة جحيم وساحة تشهد جرائم يشيب لها الولدان.. تقوم الدنيا وكأنها لن تقعد، ولكن هيهات هيهات، فسرعان ما تهدأ العاصفة وتعود الأوضاع إلى ما كانت عليه بأبطال وضحايا جدد، وكأنك يا أبوزيد ما غزيت! وأتصور أن تكرار ظهور تلك المأساة التي تطل علينا بوجهها القبيح بين فترة وأخرى لن ينتهي إلا باختفاء دور الأيتام من مصر ــ فطالما وُجدت بعض دور الأيتام.. وُجدت التجاوزات والانحرافات والجرائم الأخلاقية ــ هي دور يُفترض أنها فتحت أبوابها كمأوى وحصن وحضن دافئ لأطفال حُرموا من أسرهم وربما لا يعرفون لهم أهلاً، لكنها تحولت – بفعل الخيانة والجشع وانعدام الشرف لدى حفنة من ذئاب البشر – إلى أوكار وستار لجرائم إتجار بالبشر، في ظل غياب من يراقب ومن يحاسب، ومن يحمي حين يأتي الخطر من داخل المنظومة نفسها! فتحولت بعض هذه الدور من العمل الخيري إلى واجهة تُستغل لارتكاب أبشع الجرائم بعيدًا عن أعين المجتمع، وسجن تُنتهك وتُسحق فيه البراءة تحت أقدام حفنة شياطين استغلوا اليُتم وسيلة لابتزاز وتهديد أطفال ضعاف، قليلي الحيلة ، لا صوت، ولا سند لهم ، لا يملكون رفاهية البحث عن بديل آمن أو الشكوى أو حتى مجرد القدرة على الدفاع عن أنفسهم، فارتكبت بحقهم جرائم وحشية يندى لها الجبين.. جرائم ليست ضد القانون فحسب بل ضد الإنسانية، جرائم دفعوا ثمنها غالياً، جسدياً ونفسيا!
هذا ما حدث بالضبط مع الضحايا الأربعة الذين اختفوا من دار رعاية الأيتام لمدة خمسة أشهر كاملة، كانوا خلالها رهائن لا حول لهم ولا قوة في بيت رجل الأعمال المُجرم، الذي كان ينفق على النزلاء من ماله الخاص مقابل استغلالهم في ممارسة أعمال منافية للآداب داخل شقته بمصر الجديدة.
لقد بينت التحقيقات أن ذلك المجرم لم يكن إلا شيطاناً بشرياً كل همه إرضاء غرائزه الدنيئة وشهواته القبيحة بمباركة وتسهيلات من مدير الدار المرتشي «المتهم الثاني في القضية»، وبكل أسف لم ترصد غيابهم «الطويل» لجان التفتيش أو المراقبة التابعة لوزارة التضامن!
هذه الواقعة تذكرنا بما حدث في دار الأيتام التى اتهم فيها رجل أعمال توفاه الله منذ ثلاثة أعوام، والذي قضت محكمة الجنايات بمعاقبته بالسجن 3 سنوات، على خلفية إدانته بهتك عرض 7 فتيات من نزيلات الدار التي كان يمتلكها في محافظة بني سويف!
أما الجناة الخاضعون للتحقيق الآن بعد الإبلاغ عنهم من قبل ضحية رفض الانصياع لرغبات المتهم الأول، وتعرض لهتك عرض وحشي تحت وطأة القهر والعوز، سيتم تقديمهم للمحاكمة العاجلة خلال أيام، وحتماً سينالون عقابهم الرادع على جرمهم البشع حتى يكونوا عبرة لكل من تسول لهم أنفسهم الاعتداء على الأطفال المساكين.
يبدو لي أن ذلك الذئب البشري الذي توهم أن أمره لن ينفضح وستره لن ينكشف، نسي أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عما يفعل الظالمون، وأن قانون العقوبات وفق المادة 268، يعاقب من ارتكب جريمة هتك العرض بالسجن المؤبد (25 عاما) إذا كان عمـر الضحية أقل من 18 عاما وكان مرتكب الجريمة ممن لهم سلطة عليها!
ما يحزنني أننا لا نتذكر هؤلاء الأيتام إلا عندما يتعرضون لانتهاكات شائنة أو ــ كما ذكرت في مقال سابق ــ في «يوم اليتيم « الجمعة الأولى من شهر أبريل، ولا تزال تحضرني رسالة تدمي القلوب وجهها يتيم لأمه المتوفاة، قال فيها أعيش بين أسوار سجنٍ يدّعون أنه دار لرعايتي أنا ومن هم مثلي من الأطفال الذين حُرموا من العيش في كنف أسرة تحتويهم يمنحوني الحلوى ويتراقصون معي يومًا في العام ليذكروني بيُتمي وشدة حاجتي إليكِ، أعيش طوال العام متعطشًا لكلمة طيبة ونظرة حانية وحضن دافئ كحضنك، يضربوني ويعذبوني إن صدر مني أمر يزعجهم، فهل صار اليُتم عقوبة تستحق كل هذا الإيذاء البدني والنفسي يا أمي؟
كما تحضرني كلمات رسالة موجعة كتبتها الفتاة اليتيمة «فاتن وليد» من خلال صفحتها بالفيسبوك، ذكرت فيها: «وأنا صغيرة، كنت بدعي من ربنا إن اللي ييجوا يطمنوا علينا يفضلوا قاعدين، علشان لما بيمشوا الدنيا بتضلم، الأبواب بتتقفل، والأصوات كلها تتوحد في صوت صريخ من الألم!
كل اللي طلبته من ربنا إن أي حد ظلمنا، وكان قاسى علينا، وقفل علينا باب علشان ينفرد بينا، يشوفنا دلوقتي ويسمعنا، يعيش باقي عمره يتمنى إننا نسامحه، وساعتها هنقوله: لا!
إن أشكال الانتهاكات في عدد من دور الأيتام محزنة ومخزية ومتنوعة، أبسطها إجبار الأطفال على التقاط البيض المسلوق من الماءٍ المغلي أو المد على القدمين، إذا بال طفل على نفسه وهو نائم، أو سكب طعاماً على ملابسه، أو كسر شيئًا دون قصد، ناهيك عن الكي بالنار، أو الضرب والربط بالأسرّة أو بوضع الأحذية في أفواههم لإجبارهم على السكوت، أو بإعطائهم مهدئات عصبية ذات آثار جانبية، كالحساسية الشديدة والميل للانتحار وفقدان القدرة على السيطرة على النفس وهي قائمة لا تُصرف إلا لمرضى الصرع ويحظر على الأطفال تناولها، وتبلغ الانتهاكات ذروتها بهتك العرض والاغتصاب كما حدث في بعض دور الرعاية!.
يبدو أن اختفاء هذه الدور من مصر سيكون الأمل المنشود خلال السنوات المقبلة، وهو أمرٌ ليس بالهين أو اليسير لا سيما أنه لا يزال عندنا أكثر من 460 داراً تأوي حوالي 8600 يتيم، بعد أن أُغلق منها 100 دار تقريباً ، في ضوء نهج وزارة التضامن الاجتماعي نحو التوسع في نظام الأسر الكافلة (الأسر البديلة) تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، هذه الأسر بلغ عددها 17 ألف أسرة تكفل 17 ألف طفل، تزامن ذلك مع وقف منح كل تصاريح إنشاء دور أيتام جديدة ، وكما قال مساعد وزيرة التضامن الاجتماعي للاتصال الاستراتيجي والإعلام والمتحدث الرسمي باسم الوزارة بأن الهدف النهائي هو الوصول إلى مرحلة يتم فيها إغلاق آخر دار أيتام بمصر، حتى يحظى كل طفل برعاية أسرية آمنة، تضمن له النمو السليم والقدرة على مواجهة المجتمع بعد بلوغه سن الرشد!
ولا شك أن الدولة وبتوجيهات من الرئيس السيسي تبذل قصارى جهدها لتعزيز آليات حماية الأيتام من كافة أشكال الإساءة والعنف والاستغلال، وتوفير كل سُبل الرعاية والدعم النقدي لا سيما وأن التقديرات تشير إلى وجود حوالي 1.5 مليون طفل يتيم في مصر ، بلغت تكلفة رعايتهم 1,5 مليار جنيه سنوياً ، تشمل مصروفات التعليم والرعاية الطبية والإمداد الغذائي في جميع المناسبات والمواسم بخلاف المصروفات في أوقات الطوارئ والأزمات.
وحتى يتحقق الهدف المنشود وتختفي دور الأيتام، أصبح من الضروري وقف خطورة بعضها، ووضع آلية حازمة لإدارتها وتشديد الرقابة على العاملين فيها. ومن حقي أن أتساءل: لماذا لا يكون هناك تفتيش دوري مفاجئ من قبل لجان في وزارة التضامن الاجتماعي؟ لماذا لا يُفعّل نظام الكاميرات حتى يدرك العاملون في تلك المؤسسات أنهم مراقبون وأنهم مسئولون عن أرواح لها ثمن، وأنهم خاضعون للمساءلة المستمرة دون مجاملة أو حصانة فربما ما خفى كان أعظم؟
وفي الختام دعونى أُذكّر الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي بمضي عام على توجيهات الرئيس السيسى بإعداد مؤتمر لطرح قضايا الأيتام، لكنه لم يخرج إلى النور حتى الآن، وأقول بالفم المليان إن الأيتام ليسوا أرقامًا في سجلات، ولا صورًا في حملات تبرع بل أرواح بريئة ضعيفة أُوكلت أمانتها في رقابنا، وعلينا خلق بيئة آدمية صحية يحصل فيها اليتيم على أبسط حقوقه في العيش دون أي إذلال أو قهر.