منْ الذى تتوقع حصوله على نوبل من الكتاب..؟!
لا أتوقع أحدا بعينه.. ولكنى أعرف الكتاب الكبار الذين كان يجب أن يحصلوا عليها، ولم يأخذوها.. حتى الآن فى إيطاليا ألبرتو مورافيا. وفى إنجلترا وأمريكا جراهام جرين.. وفى سويسرا فردريك دورينمات.. أتوقع واحدا من هؤلاء وهذا التوقع معقول.
البعض يقول ربما كان الفائز القادم من الصين..؟!
قرأت من قبل رواية صينية أعتقد أنها “فتى عربة الرشكا”، فكانت رواية جميلة وجيدة، وإن كنت لا أعرف إن كان صاحبها على قيد الحياة أم أنه مات.. وقرأت كتابا من القصص القصيرة. قريبا من ألف ليلة وليلة. لا أذكر اسم صاحبه، مع الأسف من أصعب ما يكون أن تتذكر اسما صينيا أو اسما يابانيا. فالأسماء صعبة ومعقدة ومركبة أيضا.
فى 13 أكتوبر الحالى. تكون قد مرت سنة كاملة على حصولك على جائزة نوبل ما مشروعاتك للسنة التالية. بعد هوجة نوبل؟
أريد العودة إلى نفسى، وأتأمل إن كان لدى شيء يمكن أن أكتبه أم لا يوجد شيء. لابد أن أنهى هذا الموقف. لقد اتخذت إجراءات حاسمة. لا أنوى مقابلة أحد فى المقهى أبدا. أولئك الذين يطبّون على الواحد فجأة. ويفرضون عليه مقابلة. لن أقابل أحدا فى المقهى صباحا أو بعد الظهر، حتى وإن تطلب الأمر تغيير المقهى فسأغيره. وقد أغيره أكثر من مرة وسأحتفظ بالمقهى الذى أقرر الجلوس عليه سرا. لن تكون هناك مقابلات ابتداء من 13 أكتوبر سوى فى الأهرام.. يوم الخميس من كل أسبوع. وسألتقى فى حدود ما يحتمل وقت الأهرام فقط. أتمنى فقط أن أستطيع تنفيذ هذا النظام الصارم. لأننا نعيش فى جزء من العالم قائم كله على المجاملات. من كل نوع وصنف.
عندما يوجد فراغ. ويجلس الإنسان مع نفسه، فى هذه الحالة يرى. هل هناك شيء معين. أم أنه لابد من الانتظار. لا أحب أن افتعل.
لا شيء
أنت على أبواب ثالث موسم أدبى لك ولا شيء يمكن أن يكتب.. ما الحكاية؟!
فعلا.. هذا ثالث موسم. ولا شيء، وتوقفى عن الكتابة الآن ليس له علاقة بنوبل. قبل حصولى على نوبل بعامين وأنا متوقف عن الكتابة تماما. لأنه لا توجد فكرة معينة.
هل لهذا علاقة بتعب بصرك الذى ازداد فى الفترة الأخيرة؟!
هذا التوقف ليس بسبب عينى، أنا أستطيع أن أكتب. ولكن أشياء قصيرة، وأنا أداوم فعلا على كتابة “وجهة نظر” التى تظهر فى الأهرام يوم الخميس من كل أسبوع، ورغم قصرها الشديد. فإننى أخطئ فى بعض الكلمات فى بعض الأحيان. ولكن تعب نظرى له علاقة بالقراءة فأنا لم أعد أقرأ سوى العناوين الكبيرة فقط. ولكن الكتابة ممكنة والأزمة هى أزمة أفكار، فأنا فى الخريف من كل سنة، كنت أدخل على عام الكتابة وتكون لدىّ بذرة عمل فنى. هذه البذرة تتحول إلى نص أدبى فيما بعد. هذا العام هو الثالث الذى أقف فيه على أبواب موسم الكتابة السنوي. ومع هذا أنا على الحميد المجيد.
والحل..؟
أن أشترى نفسى من هذه المطاردة، سأغير كل شيء تماما. مهما كانت الصعوبات. بعد حصولى على نوبل.
قال لى الدكتور لويس عوض إن الموضوع كله لن يستغرق أكثر من أسبوعين ويعود كل شيء إلى أوضاعه الطبيعية. وأكد لى أن هذا هو ما يحدث فى الغرب عادة، وأنا تجاوبت على هذا الأساس. قلت أسبوعين أو شهرين لا مانع ولكن ها هو العام الأول ينتهى والمولد هو نفسه. وأنا نفسى أصبحت مطاردا فى كل لحظة من لحظات العمر التى تمر. أنا عموما أبحث الآن عن أماكن بديلة للجلوس فيها سرا وبمفردى. لن أخبر أحدا بذلك مهما كانت درجة قربه منى. بشرط وحيد أن تكون هذه الأماكن مفتوحة فى السابعة صباحا.. لقد تحولت إلى موظف اسمه حاصل على جائزة نوبل، ومن الغد سأقدم استقالتى من هذه الوظيفة.
يوم حصولى على نوبل.. منذ سنة مضت. جاءنا الخبر فى البيت وزوجتى بملابس المطبخ. وقد ظلت بنفس الملابس يومين كاملين. لأن الأغراب احتلوا البيت كله.. طوال هذين اليومين. فكان من الصعب حتى تغيير الملابس لدرجة أن زوجتى وبناتى قلن لى يومها: اذهب إلى الإسكندرية واهرب من كل هذا.
توقف وتوقف
سبق أن توقفت عن الكتابة من 1952 إلى 1957. ما الفارق بين توقف الخمسينيات. وتوقف الثمانينيات؟
فى الفترة من 1952 إلى 1957 ماتت الرغبة، ولكن كانت هناك موضوعات الآن لم تمت الرغبة. بالعكس لدىّ رغبة جارفة فى الكتابة، ولكنى لا أجد الموضوع الذى أكتب فيه. الموضوع الذى يقنعنى ويحركنى إلى الكتابة، وسنة نوبل تضيع الأفكار من الذهن والوجدان. ولكن تضيع العمل فقط. لو كانت هناك فكرة كان يمكن أن تبقى فى الوجدان مؤجلة إلى سنة أخرى.
هل التوقف عن القراءة مرتبط بالتوقف عن الكتابة. هل هناك علاقة ما بين الأمرين؟!
القراءة انعدمت هذا صحيح، ولكنى لا أعتقد أن هناك علاقة ما بين الأمرين. لأن كتاباتى المستوحاة من القراءات محدودة للغاية. أكثرها وأهمها مستوحى من الحياة اليومية وعلاقتى بالحياة اليومية مستمرة كما هى. هناك أدباء لم يكن يحركهم للكتابة سوى القراءة. لكى يكتب كتابا لابد أن يقرأ كتابا. وهذا الكتاب الذى يقرؤه يوحى إليه بكتاب ثانٍ. وطبعا هذا نموذج. يؤلف الرواية بعد القراءة. قليل جدا الأعمال التى اعتمدت فيها على التاريخ وعلى القراءة والغالب والأعم فى أعمالى هو حياة الناس وليس القراءات.
تقييم شامل
ما تقييمك لهذه السنة التى مضت بعد حصولك على نوبل؟!
بشكل عام. أحب أن أقول لك الملحوظات الآتية، وأولاها التى دُهشت لها اهتمام ويقظة الغرب نحو الثقافة. نحن عندما كنا نسمع عن واحد حصل على جائزة نوبل تجد تعليقا يوما أو يومين ثم تنتهى الحكاية بعد ذلك. عمرى ما سمعت عن بعثة صحفية أو إذاعية أو تليفزيونية تنتقل من بلد إلى بلد آخر. وتقطع آلاف الأميال من أجل شخص حصل على جائزة نوبل. لم يفكر أحد حتى فى ترجمة كتاب لمَن حصل على نوبل، أو حتى يعرّفنا به.
نحن أناس مجهولون فى الخارج، لا أحد يعرف عنا أى شيء فجاء الآخرون يستكشفوننا فكأننا “قبر توت عنخ آمون” لولا التغطية الثقافية فى الغرب لما كان هذا قد حدث. وذلك شيء غريب علينا أن نأخذ منه درسًا ونحاول فهمه. لدينا كل سنة أناس يحصلون على جوائز فى العلوم والآداب، لا بد أن نعرف بهم وأن نعتنى بهم، لأن هذا له أثره الثقافى الجيد.
عند الحديث عن أثر الجائزة تجد أن الإنسان اقتنع تماما أنها جائزة فرد وأدب أمته. لا شك أن الكلام الذى كان يأتى إلىّ فى الرسائل معبرا عن الرغبة فى معركة الأدب العربى واضحة من أناس من مختلف البلاد.. إن هذه الجائزة -خاصة عندما يحصل عليها كاتب من العالم الثالث- تلفت النظر إلى أدب أمته.. هذه حقيقة لا شك فيها.
بالنسبة للشعب أدهشنى أن المسألة تحولت إلى فرحة قومية، هذه بذاتها من الأمور الجيدة، وبنفس القوة شارك المثقفون البعيدون عن العمل الثقافى مثل القضاة والمهندسين والأطباء والزراعيين، كانت فرحتهم صافية، مثل الشعب تماما عندما ندخل إلى أهل المهنة، إلى أسرة الكتاب والمفكرين. نجد نوعين: نوعًا شارك الشعب وبقية المثقفين فى فرحته العامة، ونوعًا –أنت تعرف النفوس لا تخلو من بعض الظلال. وهذا يحدث فى كل الدنيا. ويجب ألا نكبرها عندنا وأن نعتبرها عيبا فينا هنا، تلك من طبيعة الأمور.
كان هناك موقف بعض السلفيين وأنا اعتبرت أن معركتهم ظاهرها دينى، وهى فى الواقع معركة سياسية. وهذا اعتقادى. والدليل على ذلك أن “أولاد حارتنا” موجودة منذ 30 سنة. ومن يريد الكلام عنها لا يسكت، ما الذى أغضبهم فى الجائزة، أنت تعرف أن توجههم ضد الغرب والحضارة الغربية. يريدون تحويل الموضوع إلى ناحية أخرى، الجائزة من وجهة نظرهم ستدفع الشباب إلى التطلع نحو الغرب. إذن الجائزة ضد سياستهم؛ فكان يجب تحطيم الجائزة وليس صاحبها، أى أن التحطيم كان موجها ضد الجائزة وليس ضد الحاصل عليها. هذا الكلام لا يمكن الاعتراض عليه من وجهة نظرنا. لأنه يتماشى تماما مع سياستهم وأيديولوجيتهم، وأعتقد أن هذه أتت بفائدة غير مباشرة للأدباء، وهى أنهم حركوا الجوائز العربية، خصوصا جائزة فيصل، ذلك أنها لأول مرة تخصص جائزة للأدب الإبداعى، وكانت تتجنبه تماما وأنا أعتقد أن هذا من تأثير نوبل عليها. إنهم يريدون من هذه الجائزة أن تكون منارة جديدة لخلق أدب إسلامى وعندما يعرف الشباب أن الأدب الإسلامى له جائزة فى نفس القوة المادية لنوبل. فى هذه الحالة فإن المتردد يحسم تردده ويتجه، هذه فى حد ذاتها مفيدة. ومن الخير أن يوجد الأدب الإسلامى، وأى أدب أهلا به وسهلا.
وهل يمكن القول بأدب إسلامى وأدب غير إسلامى، أليس فى ذلك نوع من التعسف؟!
لا بد أن ننظر إلى المسألة نظرة واسعة. ليس معنى أن أكتب أدبا إسلاميا أن يكون هذا الأدب عن خالد بن الوليد. يكفى أن تكون فيه بعض القيم الإسلامية. وثقافة إسلامية عامة. إنهم يحصرون الأمر فى أضيق الحدود. فليكن، وينشأ أدب ويوجد أدباء. وتكون له جائزته. فهذا خير فى حد ذاته. وأنا أرحب به.
نُقاد ما بعد «نوبل»
الكتابات النقدية عنك بعد نوبل.. هل تختلف عن كتابات ما قبل نوبل؟
لا يوجد فارق. كان كثير منها شرحًا لما قيل من قبل بصورة مركزة، وكان فى الحقيقة فى غاية القيمة، وفى بعض البلدان مثل سوريا صدرت أعداد من أحسن ما يكون، هناك أناس كتبوا من أحسن ما يمكن ولم أكن أتوقع منهم ذلك مثل الدكتور نجيب الكيلانى وهو من التيارات الإسلامية قرأت مقالة له من أبدع ما يكون. وهو منظر الأدب الإسلامى الآن، فى لحظة اعترف اعترافا جميلا بكل المجهود الذى بذلته.
كيف كان توزيع كتبك بعد نوبل.. هل كانت طفرة عابرة أم صعودا مستمرا؟!
والله من الصعب الحديث فى هذا الأمر. أنا أرى أن حياتنا الثقافية من حيث الإنتاج الثقافي. المنتجون مجتهدون ومبدعون ومستمرون، ولكن العيب فى المتلقى من الجمهور، وعيب الجمهور أن الضغط الواقع عليه جعل الثقافة ليس لها أولوية. مثلما تقابل شخصا “محصورا” وتكلمه فى السياسة فيقول لك ولا مؤاخذة أين دورة المياه؟.. إنه محصور وكفى الناس محصورة. ورغم عددنا الضخم فى مصر، والأضخم فى البلدان العربية. فأين هى القراءة؟ لا توجد قراءة، خاصة أن عدد الكتاب عندنا محدود. ألف أديب عربى، إنه رقم صغير جدا. فى بعض بلدان أوروبا الصغيرة أكثر من خمسة عشر ألف أديب وكل واحد له قراؤه. لذلك العيب ليس فى الإنتاج. لا فى نوعيته ولا فى كميته ولا فى الأدباء من جميع الأجيال. ولكن العيب فى الجو الثقافى العام. طبعا نوبل تعمل قفزة وهزة. ولكن هذا هل يعد إقبالا دائما. أنا اشك أن جائزة يمكن أن تغير كل هذا الهم الثقيل.
الأزمة الثقافية مرتبطة بالأزمة العامة وتُحل بحل الأزمة العامة، خصوصا عندما نعود ونصبح فى صحة عامة، سنجد القاعدة القارئة.
هل زاد الإقبال على ترجمة أدبك إلى لغات العالم بعد نوبل وما الخريطة الجديدة؟
لندع ما قبل نوبل جانبا. بعض الأعمال تُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. فى الشرق والغرب. وكلها فى أعداد محدودة. وعندما جاءت نوبل كان قد تبقى القليل من بعضها. يعنى جاءت نوبل ولا توجد أعمال مترجمة إلى اللغات الأجنبية، باختصار ابتدأ تعاقد جديد مع ناشرين لهم مستوى جيد بعد نوبل.
طبعا الترجمة تحتاج إلى وقت. ولذلك طوال سنة 1989 لم تظهر كتب. منذ شهرين فقط بدأ ظهور الكتب الثلاثية فى فرنسا كانت قد صدر منها الجزءان الأول والثانى قبل الجائزة. والثالث صدر بعد الجائزة فى فرنسا الوضع كان أحسن لأن الطبعات كانت مستمرة. ولكن فى البلاد الثانية هناك كتاب واحد أو كتابان مثل إسبانيا وإيطاليا. اليابان أعادت طبع الثلاثية. وفى الصين أعادت طبع بعض الكتب. فى الاتحاد السوفييتى أصدروا ترجمة لأولاد حارتنا بعد نوبل. السويد صدرت فيها ترجمة كتاب أو اثنين بعد نوبل. كذلك النرويج. من أسبوع واحد السنة مضت والكتب غير موجودة فى الأسواق لم تصدر سوى أشياء بسيطة. الناشر الخاص بى فى أمريكا بدأ فى الترجمة منذ شهرين فقط. والثلاثية ستصدر فى السنة القادمة وإنجلترا لا يوجد فيها كتاب واحد لى. لأن الناشر الإنجليزى هو نفسه الناشر الأمريكى. هذه هى الحالة العامة. ما عرفته عن بيع الكتب ونشرها أن فرنسا فى المقدمة ثم المانيا وإيطاليا وإسبانيا.
جائزة مصرية عالمية
هناك تفكير مصرى فى إنشاء جائزة مصرية عالمية؟
لا أوافق على هذا مطلقا. هل نعطى جائزة لمورافيا ونترك الكتاب المصريين؟ أولا مورافيا لا يحتاج إلى جائزة مصرية ثم إن لدينا كتابا أحق بها فى تصورى، إن مثل هذه الجائزة تكون لكتاب مصريين وتقدم مبلغا ماليا حقيقيا. أنا أرى رفع قيمة الجائزة التشجيعية لكى تصبح عشرة آلاف جنيه. والتقديرية تكون خمسين ألف جنيه، عندما تقيم مصر مهرجانا ما تنفق عليه بالملايين. الأديب اليوم راهب. الذى يترك الإذاعة والتليفزيون والمسرح والسينما وكل المكاسب التى تأتى من وراء هذه الأشياء ويجلس لكى يكتب ويقرأ فقط. لكى يخدم موهبته فى الأدب يجب أن نشجعه، أن نعطيه أملا، ثم هل نستطيع أن نتابع الأدب العالمى بشكل دقيق حتى يحصل على هذه الجائزة مَن يستحقها من كتاب العالم؟.. إن جائزة نوبل تعجز فى كثير من الأحيان عن هذه المتابعة. وإلى أن تكتشف كاتبا تظل عشرين سنة حتى تصل إلى هذا الاكتشاف. إذن كم من السنوات ننتظر نحن حتى نكتشف الكاتب؟ هل عندنا لجان يمكنها أن تعرف من فى الهند ومن فى الصين وفى أستراليا وفى أمريكا اللاتينية؟
إن جائزة نوبل لها لجنة عامة ولجان فرعية، وكل لغة لها لجان متخصصة فى هذه اللغات. نوبل وقف مبلغا من المال ونحن من أين لنا بمثل هذا القدر من المال ولو وفرنا الفلوس فلن نجد الأشخاص الذين يقومون على مثل هذه الجائزة.
الكتاب الوحيد..
بعد نوبل لم يصدر لك سوى رواية قشتمر، وكان هناك تفكير أن يصدر لك مجموعة جديدة من القصص القصيرة؟!
هذه القصص عبارة عن مجموعة عنوانها: “الفجر الكاذب” وقد أرسلتها إلى مكتبة مصر، وبعد تصويرها سيبدأ إصدارها فورا. من المتوقع أن تصدر فى نهاية هذا العام. بعض هذه القصص نُشرت خارج مصر، والبعض الآخر منشور فى مصر، وإن كانت هذه القصص كلها مكتوبة قبل قشتمر.
ألا يوجد حلّ لمشكلة القراءة بعد ضعف البصر؟!
هذا صعب. إن لم يكن من المستحيل. ستون سنة وأنا أقرأ وأنا صامت بعينى. لا أحرك حتى شفتى. الإنسان كما تعود ما قرأت -طول عمرى– بصوت عالً. صعب تحويل القراءة إلى صوت، مثل الذين يقولون لى إن أُملى قصصى على الآخرين.. هذا مستحيل آخر.. عمرى ما عملتها. أحيانا أملى خطابا. لا أستريح. مع أن الكتاب فى أوروبا يستخدمون الكاسيت، كانت عندى كاتبة من أيسلندا تكتب عن طريق الكمبيوتر.. عادات مختلفة عنا تماما.. متعة الورق والقلم أن يدى هى التى تفكر لى عند الكتابة.
عادات ما قبل نوبل هل مازالت مستمرة؟
مستمرة ولكن دون الانتظام القديم، لأننى لا أستطيع السيطرة على نفسى مثل زمان. من قبل كنت تقول لى متى تنزل من البيت أقول لك فى السادسة والنصف والسابعة. ولا أستطيع أن أقول غير هذا.. فى أحد الأيام نسيت مفتاح البيت عند خروجى من البيت صباحا. وتصادف أن كان أهل البيت فى الخارج فى هذا اليوم.. فما كان إلا أن قضيت اليوم كله فى الخارج. تناولت طعام الغداء فى مطعم وذهبت وقت الظهر إلى كافتيريا فندق قريب من البيت وجلست طوال الظهر فى هذا المكان، وأنا بين النوم واليقظة، وهذا لم يحدث من قبل ابدا فى حياتى كلها.
جلسات المقاهى
المجموعة التى تجلس معك فى كازينو قصر النيل يوم الجمعة من كل أسبوع.. هل تغيرت بعد نوبل؟!
جلستنا التى حضرت منها الكثير تغيرت لأنها كبرت بعد نوبل، أغلب الأعضاء الأصليين يشعرون بحالة من الضيق بعض الشيء، وأنا أشعر بحالة من الضيق. أنا لا أحب أن يجلس ورائى أحد، لأننى لا أسمع، ولكن ماذا أفعل وماذا أقول. فى كل يوم يطبّ علينا ناس وجوه جديدة كانت الجلسة ممتعة قبل هذه الهوجة.
هل يغير قرار رفع اسمك من المقاطعة موقف توزيع كتبك فى العالم العربى؟
لا أعتقد أن هذا القرار قد يغير من الأمر فى شيء. لأنه جاء بعد عشر سنوات من التزوير، كل البلاد العربية مشبعة من الكتب المزورة. من الناحية المادية لا يوجد أى مردود لمثل هذا القرار. أنا الذى يهمنى الآن هو الكتابة. وإن فتح الله علىّ بشيء جديد يُكتب يجب أن يكون قصة قصيرة. الرواية مسألة مستحيلة. أمر مرهق جدا. قصة قصيرة من الشكل المختصر الأخير.. أقل من ثلاث صفحات ليست قصة قصيرة من نفس حجم قصص مجموعة “دنيا الله” ولكن قصص قصيرة من نوعية “ذقن الباشا” التى نُشرت عندكم فى «المصوّر» لأن الرواية أو القصة القصيرة الطويلة قد تتجزأ فى أيام مما قد يذهب بوحدتها.
نوبل والبسطاء
ماذا كان تأثير نوبل عند البسطاء من الناس الذين تقابلهم كل يوم؟!
البعض يقابلنى فيطلب منى أن أوظفه فى وظيفة. أقول له: يابنى هو أنا مكتب استخدام؟ البعض يرسل لى خطابات خاصة يطلب إعانة مالية. لو جمعت بعض الإعانات المطلوبة يطلع المبلغ المطلوب يساوى أربعين جائزة والطلبات اتغيرت عن طلبات زمان. دنيا غريبة.. الواحد منا عندما كان يمر بفترة صعبة. يطلب منك خمسة جنيهات سلفا. وهذا أقصى ما يطلب. الآن تجد من يطلب منك شقة تمليك. أقول يا ربى هل يقولون نكتًا أم أنهم يقصدون ما يقولون. أنا أقدر ما وراء هؤلاء الناس.. لا يوجد عندهم خيال بقدر نوعية طلباتهم.
ما فات مصر والمصريين والعرب هو التعامل مع نوبل باعتباره مقدمة لنهوض ثقافى يكون مقدمة لنهوض عام؟!
يا سلام.. هذا ما فكرت فيه فعلا يا سلام لو وصلوا لهذه النقطة وهذا ما كان يجب. والكتاب كان يجب أن يفعلوا هذا كلهم وأن يكون لهم دور فى هذا بدلا من الدعاية الفردية التى لا يبقى منها شيء. مثلا عندما اكتُشف قبر توت عنخ آمون. تحول هذا الاكتشاف إلى شيء من مقومات النهضة. قال المصريون نحن أبناء توت عنخ آمون. ملأ خيالنا. وتحول هذا القول إلى غنوة يومية يرددها الناس. قالت الناس هذا الماضى لا بد أن يُعاد مرة أخرى.
هل هذا غير متاح الآن بعد مرور سنة؟!
هو متاح دائما لكن الناس عليها أن تستغله كان لا بد من استغلال هذا الحدث إلى جانب كثير من الإنجازات الأخرى، لدينا أكبر أطباء وأكبر علماء وأكبر مستشارين، كان علينا أن نقول هذا الكلام فى كل موقع. أرجو ألا تكون الفرصة قد فاتت. ومن قبل كان من المستحيل أن تمر فرصة مثل هذه كنا ندرك هذه الفرص التى لا تمر على الشعوب إلا كل فترة محدودة ولكن الوضع عندنا اختلف عن الماضى. فى العام الماضى قال الدكتور أحمد شفيق إنه سيرشح لجائزة نوبل فى العلوم فعوقب بسبب هذا الكلام، ووصل الأمر إلى القضاء، مع أن كل ما فعله الرجل أنه قال إنه سيرشح لجائزة نوبل.
وكيف كان التعامل مع نوبل ومعك؟!
لولا أن الجامعة الأمريكية بالمصادفة كانت قد اشترت منى حق ترجمة أعمالى الأدبية قبل نوبل وبعد نوبل تولت الجامعة الأمريكية عمليات طبع كتبى فى العالم كله وكذلك التعاقدات ومتابعة كل ما يتم حول هذا الموضوع، ولولا أن الأهرام خصصت لى مكتبا يعمل فيه عدد من المتطوعين فأنا ليس لى سكرتارية بالمعنى المعروف، بل إن الكل يعمل معى متطوعا وبدون أى أجر لولا هذا لكانت قد حدثت فضيحة دولية. أن العربى الذى سيحصل على نوبل بعدى لا بد أن نقوم بتنظيم كل شيء له منذ يوم حصوله على الجائزة وإلا ستحدث فضيحة فى الغرب. من المعروف أن كل كاتب له سكرتارية ضخمة. لأن عائد الكتابة فى هذه البلدان ضخم من الأساس. ولذلك كل كاتب له سكرتارية ووكيل أعمال ومحامٍ. ولذلك على الدول العربية التى يحصل أحد أبنائها على نوبل أن تتولى كل أموره منذ لحظة حصوله عليها.
وهل لديك أمل أن يحصل عربى آخر على نوبل؟
أكيد سيحدث هذا.
قد يستغرق الأمر سنوات طويلة.
التوقيت ليس مهما ولكن لا بد أن يحصل عليها كاتب عربى لأن الطريق فتح وانتهى الأمر، وإن حصل عليها فى المرة القادمة يحيى حقى- فأين سيقابل الناس؟.. فى بيته؟ هل هذا معقول.
لقد تحدثت عن المقابلات والمطاردة اليومية التى تحول الإنسان إلى موظف لدى نوبل، ولكن هناك مصدرا آخر للتعب وهو كل هذه الخطابات التى ترد إلىّ من كل مكان من العالم أولا الكمية كثيرة بدون حدود. وبعض هذه الخطابات مكتوبة بلغات لا يفهم أحد منها حرفا. إن الخطاب الذى جاءنى لكى يعلننى بجائزة روما لكتاب البحر الأبيض المتوسط.. لم أفهم منه حرفا واحدا.. لأن الخطاب مكتوب بالإيطالية ولم أعثر على واحد يقرأ هذه اللغة، وبالتالى لا أعرف ما فى هذا الخطاب.
المشكلة أكبر من هذا. إن كل خطاب لا بد من كتابة رد عليه. حتى لو كان الأمر هو الاعتذار عما جاء فى هذا الخطاب أو ذاك. وعملية الرد على هذه الخطابات عملية شاقة وعصيبة.
قصة حياتك..
فى فترة الفراغ الأدبى هذه.. ألا تفكر فى كتابة قصة حياتك؟!
ليس لدىّ جديد يمكن أن أقوله فى هذه الناحية هناك كتاب جمال الغيطانى نجيب محفوظ يتذكر، وكتاب أحمد محمد عطية مع نجيب محفوظ. قلت فيهما كل شيء، كل ما يمكن أن يقال، وإن كنت أخشى أن يكون فى الأمر بعض التكرار. من الصعب أن يتوقف الإنسان أمام كلام سبق أن قالة من قبل، لكى يعيد قوله، أنا لا أقدر أن أفعل هذا..
ألا تفكر فى كتابة مغامرتك الفنية قصتك مع الكتابة والخلق والإبداع؟!
فكرة جميلة لم أفكر فيها من قبل. ولكن معظم هذه الآراء تناثرت فى الهواء فى الأحاديث الصحفية الكثيرة. أخشى أن أحاول قول ما سبق إن قيل من قبل فى هذه الناحية أيضا.. أخشى مرة أخرى أن أقع فى تكرار ما سبق إن قلته من قبل أكثر من مرة بل قلته آلاف المرات لدرجة الملل منه. لو تدرك حجم الأحاديث التى أدليت بها فى هذا العام؛ فستعرف أنه لا جديد هناك على الإطلاق.
أجمل الهدايا
ما أجمل الهدايا التى قدمت إليك خلال هذه السنة بعد نوبل؟!
بعد تقدير الشعب المصرى قيادة وحكومة وشعبا وفرحه الغامر والأعداد التى صدرت عنى من المجلات فى الوطن العربى. هناك هدية جاءتنى من “المصوّر” منكم. صورة نادرة لوالدى. كانت قد ضاعت من. وأتت إلىّ مرة أخرى بعد نوبل. وثلاثة كتب جاءتنى هدية من جريدة عكاظ السعودية.. مطبوعة بحروف كبيرة جدا.. يمكننى فى وضعى الراهن أن أقرأها بسهولة، هل تتصور أننى أضع هذه الكتب فى مكان أمين. أدخرها لكى أقرأها فى زمن قادم، لا أفرط فيها أبدا.. يبدو أنهم يطبعون بحروف كبيرة بعض الكتب، وفقدان القدرة على القراءة بعد هذا العمر الطويل مع القراءة مسألة محزنة ومأساوية أخشى إن قرأت هذه الكتب الثلاثة، ألا يوجد لدىّ ما يقرأ فى السنوات القادمة لذلك لا أقترب منها.
وأدرك نجيب محفوظ الذى يحلم بأبسط الأحلام وهو أن يخلو إلى نفسه وأن يعود إلى ذاته فى لحظة تأمل صافية بعيدا عن زحام الآخرين. الرجل يعانى ببساطة من وجع حصار الآخرين. ولا يحلم سوى بالابتعاد، يريد أن يشترى نفسه من زحام الآخرين، لعله جان بول سارتر الذى قال من قبل: الجحيم هو الآخرون. وإن كنت لا أذكر من هو الشاعر الذى قال: إن حب الآخرين يمكن أن يوصلنا فى بعض الأحيان إلى درجة الاختناق.. الاختناق الكامل. ونجيب محفوظ يكمل سنة من الحصار والمطاردة والاختناق- حتى لو كان بحب الآخرين – ويريد أن يعود مرة أخرى إلى نجيب محفوظ. فهل يقدر على ذلك؟ وبالتحديد هل يمكّنه الآخرون من هذا؟ تلك هى مهمته الأولى – من وجهة نظره الآن- فى اليوم الأول من السنة الثانية بعد نوبل.