حلت يوم السادس والعشرين من يناير الذكرى الثالثة والثمانون لميلاد الفنانة سعاد حسنى، وكما ترون فإن المناسبة تقليدية اعتيادية، لا هى يوبيل ولا مئوية، ومع ذلك حظيت المناسبة باحتفاء خاص من جانب القناة الفضائية التونسية التى أوفدت إلى القاهرة فى الأيام الماضية بعثة تلفزيونية لتصوير مجموعة من اللقاءات تخص تلك المناسبة ضمها بث مفتوح أذيع فى يوم ذكراها، حدث هذا فى الوقت الذى تجاهلت فيه وسائل الإعلام المصرية تقريبا ذكرى ميلاد السندريلا تجاهلا لا يليق بالقيمة الفنية الخاصة لسعاد حسنى فى تاريخنا الفنى.
وقد فاجأتنى مراسلة القناة بسؤالها حين ذكرتنى بالمقارنة التى عقدتها بين السندريلاتين الأولى ليلى مراد والثانية سعاد حسنى فى كتابى «سعاد حسنى الحلم الضائع» الصادر قبل ربع قرن، طالبة مزيدا من التوضيح حول أوجه الشبه والاختلاف بين الاثنتين، فقلت لها:
دعينى أولا أحدثك عن مواضع التشابه بين النجمتين، فالاثنتان نشأتا فى أسرة فنية يمارس معظم أفرادها الفن بصوره المختلفة، ليلى ابنة المطرب المعروف زكى مراد ربيب الموسيقار سيد درويش وصديق الموسيقار محمد عبدالوهاب، وشقيقة كل من ملك ومنير وسميحة وإبراهيم، وجميعهم كانوا موهوبين ومارسوا الفن بصورة أو بأخرى، أما سعاد فهى ابنة محمد حسنى البابا أحد أبرع من كتبوا الخط العربى فى القرن العشرين، وإخوتها عز الدين ونجاة وسميرة وخديجة مارسوا الفن موسيقى وغناء ورسما ونحتا، ومن هنا كان منطقيا ومقبولا أن تتفتح موهبة الاثنتين فى مرحلة الطفولة، لكن الاثنتين كانتا بحاجة إلى عين مكتشف محترف يكون أقرب إلى الأب الروحى منه إلى المعلم المتمرس، وهذا ما فعله داود حسنى مع ليلى مراد، وعبدالرحمن الخميسى مع سعاد حسنى، ولو أنهما لم يقدما فى حياتهما كلها غير ذلك لكفاهما إنجازا ما قدماه لفن الغناء والتمثيل فى شخص السندريلاتين ليلى وسعاد.
واللافت كذلك أن الاثنتين كانتا دون السابعة عشرة عند أول ظهور حقيقى لهما، ليلى مراد حينما استعانت بها بهيجة حافظ سنة 1935 لتؤدى بصوتها بعض أغنيات فيلم «الضحايا» عند تحوله من صامت إلى ناطق، فيما كان ظهور سعاد سنة 1959 حينما استعان بها المخرج هنرى بركات فى فيلم «حسن ونعيمة»، والاثنتان بدأتا فى السينما بطلتين مطلقتين، الأولى فى «يحيا الحب» 1938 فأصبحت من بعده نجمة الأربعينيات بلا منازع، والثانية فى «حسن ونعيمة» فتحولت فى أعقابه إلى نجمة منفردة لحقبة الستينيات، والمدهش أن الاثنتين كانتا فى فيلمين من إنتاج محمد عبدالوهاب، وأن محمد كريم مخرج فيلم ليلى مراد وهنرى بركات مخرج فيلم سعاد حسنى كانا غير مقتنعين فى البداية بموهبة النجمتين أو قل إنهما كانا غير متحمسين، لكن ليلى وسعاد أثبتتا أنهما جديرتان بالفرصة التى أتيحت لهما، فلم يحققا نجاحا عاديا وإنما أصبحتا الوحيدتين بين كل نجمات السينما المصرية اللتين ينطبق عليهما المفهوم الهوليوودى لمصطلح «نجم الشباك» أى النجم الذى يذهب إليه جمهوره لمجرد وجود اسمه على أفيش الفيلم دون النظر إلى أية أسماء أو عناصر أخرى مشاركة، ولا يقابلهما عند الرجال سوى أنور وجدى وعبدالحليم حافظ، وبعدهما عادل إمام فى عقد الثمانينيات، والعجيب أن يجمع الحب بين ليلى وأنور، وكذلك سعاد وعبدالحليم، انتهت الحالة الأولى بزواج علنى ثم انفصال دراماتيكى، والثانية بزواج سرى - على ما يبدو - وانفصال حاد جدا.
وإذا كانت ليلى مراد لعبت بطولة مجموعة من الأفلام تحمل اسمها الذى كان أيضا اسم بطلة أحداث هذه الأفلام مثل: ليلى بنت الريف، بنت مدارس، بنت الفقراء، وبنت الأغنياء، فإن سعاد حسنى لعبت أيضاً بطولة مجموعة من الأفلام حملت عناوينها اسم بطلة الأحداث مثل: حسن ونعيمة، السفيرة عزيزة، نادية، خلى بالك من زوزو، أميرة حبى أنا، وشفيقة ومتولى، فضلا عن عشرات الأفلام الأخرى التى تصف البطلة أو حالتها مثل: حلوة وشقية، الساحرة الصغيرة، صغيرة على الحب، الزوجة الثانية، فتاة الاستعراض، والمتوحشة، وهذا يؤكد إدراك صانعى أفلام ليلى وسعاد لتلك العلاقة الفريدة بينهما وبين الجمهور الذى يكاد يتوحد معهما فلا يفصل بين ما يشاهده على الشاشة وبين بطلته المفضلة.
وعلى المستوى الشخصى فالاثنتان من مواليد برج الدلو ( ليلى فى 17/2/1938 وسعاد فى 26/1/1943 ) وهو برج معروف عن مواليده الطموح والرغبة فى التميز والقدرة العالية على الشراكة والتواصل مع الآخرين، ورغم أنها ملحوظة هامشية إلا أنها يمكن أن تحتشد مع بقية الملحوظات الأخرى لتخلق حالة التشابه الواضح بين النجمتين خاصة إذا أضفنا إلى ذلك كله أن كلا منهما تزوجت من اثنين من المخرجين.. تزوجت ليلى من أنور وجدى ثم فطين عبدالوهاب بينما تزوجت سعاد من صلاح كريم ثم على بدرخان، هذا بالإضافة إلى أسماء فنية عديدة تشعبت فى علاقاتها مع كل من النجمتين، والاثنتان – بالنهاية - توقفتا عن التمثيل وهما فى قمة النضج والنجومية، وفشلت كل محاولات استعادتهما إلى الأضواء مرة أخرى لتبقى حاضرة فى الأذهان والقلوب صورة السندريلا بكل تألقها وبريقها رغم مرور عشرات السنين على رحيل كلا النجمتين.
أما عن مواطن الاختلاف بين السندريلاتين، فللحديث بقية فى العدد القادم.