فى أحد الأيام، وفى شارع عادى لا يحمل لافتة ولا تاريخًا، كان هناك كاتب مصرى يجلس فى هدوء، لا يصرخ، ولا يخطب، ولا يلوّح بشيء. فجأة، اخترقت سكين رقبته. لم يكن المشهد سياسيًا بالمعنى المباشر، ولم يكن حادث سرقة أو شجارًا عابرًا. كانت الطعنة بسبب رواية. بسبب كلمات كُتبت بهدوء على الورق. الكاتب كان نجيب محفوظ، أهدأ من كتب فى تاريخنا الحديث، وأكثرهم قدرة على إثارة العاصفة من غير أن يرفع صوته. ومن هنا، تبدأ الحكاية التى لا تشبه السير التقليدية، ولا تصلح لأن تُختصر فى جائزة نوبل أو تاريخ ميلاد ووفاة.
وأنت تتمشى اليوم فى معرض الكتاب، لا تدخل إلى عالم نجيب محفوظ بوصفك زائرًا لأدب قديم، بل شاهد على تجربة إنسانية ما زالت حيّة. نحن لا نعيد سيرة أديب، ولا نستعرض أوسمة، بل نمشى معه منذ اللحظة التى كان يبحث فيها عن صوته، إلى اللحظة التى صار فيها هذا الصوت خطرًا، يُكفَّر بسببه، ويُحذَّر الناس منه، ويُنظر إليه بوصفه تهديدًا لا رواية.
نجيب محفوظ كان يؤمن، منذ بداياته، أن أخطر ما يمكن أن يصيب الكاتب هو انتظار الإلهام. كان يقول إن الإلهام موظف كسول، لا يأتى إلا إذا وجدك تعمل. لذلك، ثبّت موعد الكتابة فى حياته تثبيت الطقس اليومى، من السادسة صباحًا حتى الثامنة، قبل أن يخرج إلى عمله. لم يتغير هذا الموعد حين ذاع اسمه، ولا حين صار أديبًا عالميًا، ولا حين نُودى عليه فى المحافل الكبرى. كان يعرف أن ما أوصله لم يكن المزاج، بل الانضباط، وأن الموهبة وحدها لا تنقذ أحدًا من الفشل الطويل.
ولو أردت، يا عزيزى القارئ، أن تفهم نجيب محفوظ على حقيقته، فلا تبحث عنه فى الصور الرسمية، بل تأمله وهو جالس على مقهى. القهوة عنده لم تكن فسحة ولا استراحة، بل مرصد إنسانى. يجلس طويلًا، يسمع أكثر مما يتكلم، يراقب الوجوه، يلتقط الجمل العابرة، ويخزنها فى ذاكرته كما تُخزَّن الأسرار. قال كثيرون إنك قد تجلس إلى جواره ساعتين فلا ينطق إلا بجملتين، لكن الجملتين تفتحان أفقًا كاملًا. كان يكره الحديث عن نفسه، ويعشق الاستماع إلى الناس. وحين سُئل مرة عن مصدر شخصياته، أجاب ببساطة شديدة: من القعدة.
فى بداياته، ظن نجيب محفوظ أن فهم مصر يبدأ من الماضى البعيد، من التاريخ الفرعوني. هكذا كتب عبث الأقدار، ورادوبيس، وكفاح طيبة. كان يحلم بمشروع ضخم يكتب فيه تاريخ مصر كله عبر الرواية. لكن وهو يكتب، تسلل إليه شعور غريب. النص متماسك، واللغة قوية، لكن القلق غائب. الشخصيات بعيدة، لا تنزف. عندها اتخذ قرارًا نادرًا، فأوقف المشروع بيده، لا لأنه فشل، بل لأنه أدرك أنه يبحث فى الاتجاه الخاطئ. وقال جملته الشهيرة التى تلخص التحول كله: التاريخ يمنح العظمة، لكنه لا يمنح الوجع. وهو كان يريد الوجع.
ومن هنا نزل إلى الحارة، إلى الشارع، إلى الناس. فى «زقاق المدق» لم تكن حميدة مجرد شخصية روائية، بل كائن إنسانى يركض خلف حلم أكبر من قدرته. كرهها القراء، ودافع عنها محفوظ. سألهم: لماذا لا تسألون المجتمع عمّا فعله ليصنع هذه الشخصية؟ كان يدافع عن شخوصه حتى وهم يخطئون، لأنه لم يرهم أشرارًا، بل نتائج. وفى رواية «بداية ونهاية»، كتب عن الفقر بلا تزيين، ورفض أن يُخفف القسوة. قال إن التخفيف خيانة، وإن الفقر ليس مشهدًا حزينًا، بل قوة تُغيّر الإنسان من الداخل.
ثم جاءت الثلاثية، تلك القعدة الطويلة مع الزمن. ثلاثون عامًا من التحولات الإنسانية والاجتماعية. لم تُكتب الثلاثية دفعة واحدة، بل عاشت فى داخله سنوات طويلة. كتبها كاملة، ثم خاف. خاف من حجمها، ومن صدقها، ومن الزمن البطيء الذى تتحرك فيه. لذلك أصر أن تُنشر على مراحل. سى السيد لم يكن شخصًا واحدًا، بل خليط من وجوه رآها فى حياته، فى البيت، وفى الشارع، وعلى القهوة. لهذا صدّقه الناس، ورأوا أنفسهم فيه، رغم قسوته.
بعد الثلاثية، تغيّر نجيب محفوظ. صار أهدأ، لكنه أشد خطورة. انتقل من الحكى إلى السؤال. فى أولاد حارتنا فتح بابًا واسعًا للأسئلة الوجودية، فأُغلق عليه الباب بقوة. الرواية أُسيء فهمها، وتعرّض بسببها للهجوم والتهديد، ثم للطعن. ومع ذلك، قال بهدوء يدهش: أنا كتبت رواية، لا بيانًا.
وبعد هزيمة عام سبعة وستين، صار الصمت أثقل من الكلام. ثرثرة فوق النيل كُتبت قبل الهزيمة، لكن الناس قرأتها بعدها، لأنه كان يرى ما يقترب. وفى الكرنك كتب عن القمع، لكن أكثر ما أخافه لم يكن الهجوم، بل الصمت. قال إن الصمت يعنى أن الوجع صار أعمق من القدرة على الكلام.
وحين تحوّل الحكّاء إلى شيخ يهمس، بعد محاولة اغتياله، ظن كثيرون أن الكتابة انتهت. يده لم تعد تساعده كما كانت. لكنه فاجأ الجميع مرة أخرى. غيّر الشكل، وكتب أحلام فترة النقاهة. جمل قصيرة، مكثفة، تشبه النفس المتقطع. وقال: الآن أكتب ما تبقى.
ولعلك تتساءل، عزيزى القارىء، لماذا لا يزال نجيب محفوظ حاضرًا حتى الآن. لأنه كتب عن البشر، لا عن الأبطال. عن الضعف، والخوف، والبحث عن المعنى. وكلما عدنا إليه وجدناه مختلفًا، لا لأنه تغيّر، بل لأننا نحن الذين تغيّرنا. لم يجرِ وراء الزمن، بل تركه يمر، وهو جالس على القهوة، يراقب، ويكتب.
وأنت تغادر معرض الكتاب، ستدرك أن كتب نجيب محفوظ ليست رفوفًا من الماضى، بل مرايا للآن. حكاية كاتب لم ينتظر الإلهام، ولم يصرخ، لكنه قال ما كان يجب أن يُقال، وترك لنا أن نكمل التفكير وحدنا.