أكد المستشار أسامة سعد الدين، المدير التنفيذى لغرفة التطوير العقارى باتحاد الصناعات المصرية، أن «الأيام الماضية شهدت العديد من المناقشات المثمرة بين وزارة المالية والمطورين العقاريين للرد على توضيح آليات تطبيق ضريبة القيمة المضافة والتى صدر قرار من وزير المالية منتصف العام الماضى بشأن تطبيقها بسعر 14 فى المائة على شركات المقاولات والتطوير العقارى مقارنة بـ5 فى المائة قبل صدور القرار»، مضيفًا أن «المالية» أكدت على الالتزام بتطبيق النسبة القديمة المحددة بـ5 فى المائة على عقود المشروعات التى تم البدء فى تنفيذها قبل إقرار الضريبة بسعرها الجديد على أن يتم الالتزام بالـ14 فى المائة فى العقود الجديدة.
«سعد الدين»، أوضح أن «استمرار النسبة القديمة للضريبة فى المشروعات القائمة يضمن استقرار الوضع المالى لها وعدم الإضرار بالدراسات الخاصة بالمشروعات»، لافتا إلى أنه «تم الاتفاق مع وزارة المالية على عقد اجتماعات أخرى بحضور كبار المطورين لتوضيح الرؤى فيما يتعلق بالشأن الضريبى للعقارات»، مشددا على أن «تحديد الالتزامات الضريبية بشكل عادل ودقيق يحقق مكاسب لجميع الأطراف الدولة والمطور والعميل، من حيث وضوح الالتزامات الضريبية للمطور، وضمان حصول العميل على سعر حقيقى وعادل، وإتاحة تحصيل المستحقات الضريبية للدولة بأسس واضحة وتعزيز مواردها».
وعلى المستوى التشريعى، شهد مجلس الشيوخ موافقة نهائية على مشروع قانون مقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008، وتضمنت التعديلات إضافة حالات جديدة لرفع وإسقاط الضريبة، إلى جانب تطوير إجراءات الحصر والتقدير والطعن، كما شملت رفع حد إعفاء السكن الخاص إلى 8 ملايين جنيه، أو ما يعادل 100 ألف جنيه قيمة إيجارية، ورغم أن هذه التعديلات لا تزال بحاجة إلى استكمال مراحل الموافقة النهائية داخل مجلس الشيوخ، ثم مناقشتها فى مجلس النواب، فإنها تُعد مساعى جادة نحو تحريك ملف الضرائب على العقارات المبنية.
وتضمنت حزمة التسهيلات الضريبية الثانية تثبيت نسبة الضريبة على التصرفات العقارية عند 2.5 فى المائة من قيمة العقد. وشملت الحزمة إطلاق تطبيق إلكترونى لتسهيل احتساب وسداد الضريبة، وتبسيط الإجراءات، خاصة لغير الممارسين نشاطًا تجاريًا منتظمًا بالعقار.
التحركات التشريعية والإجرائية، فى ملف الإيرادات الضريبية المختلفة من العقارات، تستهدف زيادة الموارد العامة من الضرائب المختلفة على العقارات وإعادة هيكلة مساهمة ضرائب الثروة فى الموارد العامة للخزانة، خاصة أن الحصيلة منها لا تتناسب وحجم الثروة العقارية فى مصر والتى سجلت طفرة إنشائية خلال العشر سنوات الماضية، فعلى الرغم من تضاعف حصيلة الضرائب على المبانى (الضريبة العقارية) أكثر من مرة، فإن متوسط قيمة الضريبة خلال العشر سنوات لم يتجاوز 4.6 مليار جنيه فقط.
والقيمة الحقيقية للحصيلة من الضرائب على المبانى تتضح عند مقارنتها بمعدلات التضخم من جانب، وقيمة الدعم الذى قدمته الحكومة لأصحاب المنشآت بالتزامن مع جائحة كورونا والمستمر حتى موازنة العام المالى الجارى، بالإضافة إلى حجم النمو الذى حققته الثروة العقارية خلال السنوات القليلة الماضية، حيث كشف رصد مسار الضريبة على العقارات المبنية فى مصر (2015-2025) عن مفارقة، فبينما سجلت الحصيلة زيادة اسمية هائلة تجاوزت 700 فى المائة لتصل إلى 7.9 مليار جنيه العام المالى الماضى (ومستهدف طموح بـ18 مليارًا لعام 2026)، فإن القيمة الحقيقية لهذه الأموال كانت تخوض معركة خاسرة ضد التضخم. فبالنظر إلى «القوة الشرائية»، نجد أن الحصيلة الإجمالية للعقد البالغة 43 مليار جنيه قد فقدت أكثر من نصف قيمتها فعليًا، حيث لا تتجاوز قيمتها الحقيقية بأسعار سنة الأساس (2016) حاجز الـ20.3 مليار جنيه، أى أن التضخم التهم نحو 52.8 فى المائة من قيمة الحصيلة.
وتتقاطع القيمة العادلة لحصيلة الضريبة العقارية (المبانى) بشكل مباشر مع حجم الثروة العقارية، باعتبارها الوعاء الضريبى الذى تُحصَّل الضريبة على أساس قيمته الإيجارية أو السوقية. ورغم الأهمية المحورية لهذا الوعاء فى استهداف وربط الضريبة، لا يزال غياب الحصر الدقيق لعدد العقارات وقيمة الثروة العقارية يمثل فجوة هيكلية فى تقييم كفاءة وعدالة الضريبة العقارية. ففى حين قدّرت دراسة للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية قيمة الثروة العقارية بنحو 10 تريليونات جنيه قبل سنوات، رفعت دراسات أحدث هذا التقدير إلى نحو 30 تريليون جنيه، دون أن تستند هذه الأرقام إلى إحصاءات رسمية شاملة يمكن من خلالها الحكم بدقة على الأداء الضريبى.
ورغم هذا الغموض الإحصائى، فإن مؤشرات رسمية تكشف عن عدم تناسب واضح بين حصيلة الضريبة العقارية وحجم النمو فى الثروة العقارية. فقد سجل الإسكان الفاخر نموًا تراكميًا لافتًا بلغ 2180 فى المائة خلال الفترة من «2015-2016» إلى «2022-2023»، بينما حقق الإسكان المتوسط نموًا تراكميًا بنسبة 812 فى المائة، متجاوزًا إجمالى وحداته حاجز 685 ألف وحدة، فى حين استقر نمو الإسكان فوق المتوسط عند 731 فى المائة. وأسفرت الطفرة العمرانية خلال هذه الفترة عن إضافة أكثر من مليون وحدة سكنية فاخرة ومتوسطة وفوق المتوسطة إلى الخريطة العقارية.
فى المقابل، لم يواكب هذا التوسع العقارى نمو مماثل فى الحصيلة الضريبية؛ إذ سجلت القيمة الاسمية لحصيلة الضريبة العقارية نموًا بنسبة 654.5 فى المائة فقط، لترتفع من نحو 1.1 مليار جنيه فى «2015-2016» إلى مستهدف يبلغ 8.3 مليار جنيه فى العام المالى «2024-2025». ويعكس هذا التباين الرقمى أن الثروة العقارية المضافة إلى السوق تنمو بوتيرة تقترب من ثلاثة أضعاف سرعة نمو الحصيلة الضريبية الاسمية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول كفاءة الربط الضريبى وعدالة توزيع العبء الضريبى، خاصة أن الأرقام المذكورة مجرد مؤشر عن حجم الطفرة التى حدثت فى نوع واحد من المبانى الملزمة بسداد الضريبة.
وأرجع مستشار سابق لمصلحة الضرائب العقارية -فضل عدم ذكر اسمه- ضعف الحصيلة من الضرائب العقارية مقارنة بحجم الثروة العقارية، إلى أن عمليات حصر العقارات لم تشمل جميع المناطق حتى الآن على الرغم من بدء تطبيق القانون نظريا منذ 2013، مشيرًا إلى أن معظم التوسعات العمرانية التى شهدتها البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة لم تُدرج ضمن الحصر، قائلا: «الثروة العقارية لم تُحصر بنسبة 100 فى المائة».
كما أرجع المصدر عدم اكتمال حصر الثروة العقارية إلى محدودية الموارد البشرية، واعتماد الحصر على آليات غير مميكنة، إلى جانب التعقيدات البيروقراطية وغياب التنسيق المؤسسى، بالإضافة إلى قيام لجان الحصر والتقييم بتقدير القيم السوقية للعقارات بشكل جزافى (أعلى أو أقل) وهو ما يُحدث خللاً فى الوعاء الضريبى وبالتالى الحصيلة. ومشكلات التقدير الجزافى ناتجة عن تفكيك وحدة قياس أسعار السوق -بحسب المصدر السابق- وتجميد مهمتها والتى تركزت فى عمل قائمة استرشادية بأسعار العقارات للجان الحصر والتقدير. بالإضافة لذلك تم تأجيل التقدير الخمسى وهو إعادة تقدير القيم السوقية للعقارات المحصورة كل 5 سنوات لمراعاة أثر التضخم على زيادة قيمتها، بما لا يتجاوز 30 فى المائة من التقديرات السابقة بالنسبة للعقارات السكنية.
فالضريبة على العقارات المبنية، والتى ينظمها القانون 196 لسنة 2008، واحدة من ثلاثة أنواع للضرائب على العقارات، أما النوعان الآخران فيندرجان تحت الضرائب على الدخل المتحقق، أما ببيع العقار (تصرفات عقارية)، أو بإيجاره (أرباح رأسمالية)، وعلى الرغم من نمو مبيعات العقارات وحالة الانتعاش التى يشهدها السوق، فإن الحصيلة الضريبية من الثروة العقارية لا تعبر عن الزيادة فى العرض والطلب على العقار كمخزن آمن للقيمة. فعلى سبيل المثال، وبحسب غرفة التطوير العقارى، ارتفعت مبيعات العقارات من 1.5 تريليون جنيه عام 2023 لـ2.5 تريليون عام 2024. فى المقابل، استقرت حصيلة ضريبة الثروة العقارية عند 2.730 مليار جنيه. وتعكس هذه الأرقام فجوة إحصائية ملموسة، حيث تمثل الحصيلة الضريبية نحو 0.1 فى المائة فقط من إجمالى قيم التداول العقارى المحققة فى ذات العام، وتؤكد هذه النسبة أن النمو فى الوعاء الضريبى، رغم صعوده بنسبة 50 فى المائة عن العام السابق، لم يواكب وتيرة النمو المتسارعة فى حجم المبيعات التى قفزت بنسبة 66.7 فى المائة».
وتفسر هذه الفجوة طبيعة تكوين السوق العقارى المصرى، حيث يتركز الحجم الأكبر من مبيعات التريليونات فى قطاع المشروعات الكبرى التى تخضع ضرائبها لبنود الأرباح التجارية والصناعية للشركات، وليس لبند الثروة العقارية الذى يخصّ تصرفات الأفراد. كما يبرز دور الاقتصاد العقارى غير الرسمى كعامل جوهرى فى اتساع هذه الفجوة؛ إذ إن شريحة واسعة من التصرفات العقارية وإيجارات الأفراد تتم بعيدًا عن منظومة الحصر والتسجيل الرسمى، ما يجعل الحصيلة الحالية تعبر عن جانب محدود من القيمة الرأسمالية الحقيقية المتداولة فى السوق.
وفى إطار السعى لتقليص هذه الفجوة وتعزيز كفاءة التحصيل، تتجه الدولة نحو تفعيل مشروع الرقم القومى الموحد للعقارات، والذى يستهدف ميكنة وحصر الثروة العقارية بشكل شامل وربطها بقاعدة بيانات قومية. ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوة فى حصر الوحدات المؤجرة والمهملة ضريبيًا، وتحويل التصرفات العقارية من النطاق غير الرسمى إلى المنظومة الرسمية، ما يضمن توافق الحصيلة السيادية مستقبلًا مع القيمة السوقية الفعلية للأصول العقارية.