تشهد علاقات دمشق الخارجية اليوم تحولات كبرى، يجرى معها التساؤل: هل سيرتفع العلم الإسرائيلى فى قلب دمشق؟.. إنه السؤال الذى يتردد على ألسنة الكثيرين داخل سوريا وخارجها مع تسارع التطورات التى تشهدها البلاد عقب الإطاحة بـ«الأسد» فى 8 ديسمبر 2024، بعد هجوم المعارضة وسقوط العاصمة دمشق لتؤول إليها السيطرة عليها، مما شكّل نهاية لحكم عائلة الأسد الذى استمر منذ 1971. واليوم تتناقل وسائل الإعلام الأنباء عن اجتماعات تجمع مسئولين سوريين بإسرائيليين. كان آخرها لقاء وزير الخارجية السورى، أسعد الشيبانى فى باريس مع وفد إسرائيلى فى التاسع عشر من أغسطس الجارى؛ لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بتعزيز الاستقرار فى المنطقة والجنوب السورى.
يأتى الحديث عن إمكانية التطبيع بين سوريا وإسرائيل فى وقت تشهد فيه علاقات دمشق الخارجية تحولات كبرى. كان من بينها ما أعلنه الرئيس الأمريكى ترامب، خلال جولته الخليجية فى مايو الماضى، عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وذلك عقب لقائه بالرئيس الانتقالى السورى أحمد الشرع، حيث حثه على المضى قدما فى مسار التطبيع مع إسرائيل. ويتقاطع حديث التطبيع بين سوريا وإسرائيل مع قضايا جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية، ومواقف شعبية قد يعرقل بعضها إبرام اتفاق التطبيع، بينما قد يدفع البعض الآخر فى اتجاه سلام مع إسرائيل.
ولقد خاضت سوريا ثلاث حروب ضد إسرائيل فى إطار المواجهات العسكرية التى جرت بين دول عربية وإسرائيل، بداية من حرب 1948، مرورا بحرب الخامس من يونيو 67، وصولا إلى حرب أكتوبر 1973. إلى جانب اشتباكات ومعارك متقطعة خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـــ 1990). وكانت الحروب بين البلدين تنتهى باتفاقات هدنة كما حدث فى عام 1949، أو فضّ اشتباك فى عام 1974. أما المحصلة الميدانية لتلك المواجهات، فكانت الاحتلال الإسرائيلى لمرتفعات الجولان منذ عام 1967، وشيوع حالة من العداء الرسمى طيلة عشرات السنوات، شملت استضافة الحكومة السورية فصائل فلسطينية مسلحة، والغارات التى شنتها إسرائيل على مواقع داخل سوريا، خاصة خلال فترة الصراع السورى الداخلى، الذى بدأ عام 2011، وفى بداية التسعينيات من القرن المنصرم.
ومع مشاركة سوريا فى حرب الخليج الثانية، ضمن تحالف دولى وإقليمى ضد العراق بعد غزوه للكويت، بدا أن منطقة الشرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة، رأينا فيها رعاية واشنطن اتفاقات سلام بين أعداء الأمس، وتوقيع منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل اتفاق «أوسلو»، وإبرام الأردن اتفاقا مشابها، كما أُجريت لقاءات مباشرة بين مسئولين إسرائيليين وسوريين فى إطار التمهيد لانضمام الرئيس السورى الأسد إلى قافلة التطبيع، وهو الذى كان معارضا من قبل فى نهاية سبعينيات القرن الماضى لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل فى زمن الرئيس المصرى الراحل محمد أنور السادات.
ولقد تناولت محادثات السلام السورية - الإسرائيلية العديد من القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويعتقد أنها شملت ما عُرف بـ(وديعة رابين)، وهى المقترحات التى كانت تعتمد على تعهد شفهى من رئيس الوزراء الإسرائيلى «إسحق رابين» بالانسحاب الكامل من الجولان مقابل ترتيبات تحفظ أمن إسرائيل. غير أن محادثات السلام تعرضت لانتكاسات كبيرة جراء اغتيال «رابين» فى عام 1995 على يد متطرف يهودى معاد لاتفاقات التطبيع. وفى الوقت نفسه لم تفلح المفاوضات اللاحقة سواء فى عهد الأسد الأب، والأسد الابن فى حل الخلافات المتعلقة بحجم الانسحاب من الجولان والترتيبات الأمنية، والسماح بوجود سورى فى بحيرة طبرية.
ولم تغير محادثات السلام الإسرائيلية - السورية من خطاب حزب البعث الحاكم ذى التوجهات القومية العربية داخل سوريا تجاه الصراع الفلسطينى - الإسرائيلي، حيث ظلت دمشق تروّج لنفسها داخليا على أنها مناوئة للمشروع الصهيونى، وازداد زخم ذلك الخطاب فى ظل التحالف مع حزب الله الذى خاض حربًا ضد إسرائيل فى عام 2006. لكن الموقف الشعبى من حزب الله تعرض لتحدٍّ كبير فى عام 2013 مع بداية مشاركة مقاتلى الحزب للقوات الحكومية السورية، مما أثار امتعاض الفريق السورى المناوئ للأسد. وكان من الطبيعى أن تلقى تلك التغيرات، التى شهدتها سوريا فى سنوات الصراع الداخلى، بظلالها على الموقف الشعبى، إزاء الاستقطابات الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط.