رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

عملاء بريطانيا.. الإخوان و«علاء» وشركاه


7-1-2026 | 17:24

.

طباعة
بقلـم: طارق أبو السعد

رحلت بريطانيا رسميًا يوم 18 يونيو 1956، لكنها لم ترحل وبشكل كامل، بل تركت خلفها أدواتها، ووكلاءها، تركت لنا جماعة الإخوان الإرهابية، ونماذج أخرى تؤدى الدور ذاته بوجه مختلف، مثل علاء عبدالفتاح وشركاه، ممن يلتقون جميعًا عند هدف واحد: هدم الدولة من الداخل، وإضعاف مناعتها، وتجفيف معنى الوطنية فى وجدان المصريين.

 

رحلت بريطانيا عن مصر بفضل رجال وطنيين يمثلون العملة الوطنية الحقيقية، لكنها تركت لنا عملة رديئة ذات وجهين وجه دينى يقوم به الإخوان ووجه مدنى يقوم به «علاء» وأمثاله، فحين يهتف أبناء الوطن «يا أحلى اسم فى الوجود يا مصر» قال الإخوان «طظ فى مصر»، ردد معهم وجه العملة الآخر: «مصر ليست أمى».

وحين قال المصريون: «شدى حيلك يا بلد»، رد الإخوان: «الوطن حفنة من تراب عفن» وردد علاء عبدالفتاح وأمثاله «فلتسقط الدولة»، وحين يهتف الوطنيون «نموت نموت وتحيا مصر» يهزأ الإخوان وحلفاؤهم الجدد قائلين «تحيا ماسر»، ليس سخرية عابرة، بل تحطيم متعمّد لأقدس ما تبقى من الكلمة التى كانت تهز المصرى من الداخل، وتستنهض فيه معنى الانتماء، نجحوا فى تشويهها، وتحويلها إلى مادة ازدراء وسخرية، كل هذا لم يكن زلّة لسان، بل عقيدة ووظيفة، فهم يتهمون كل من يدافع عن دولته بأنه «منافق وطبّال»، أرادوا من المصريين كراهية وطنهم، واحتقار دولتهم، وتجريد الانتماء من أى قيمة، وبالمقابل يغذون الانتماء لدول أخرى، فرسالتهم ووظيفتهم واحدة، هؤلاء ليسوا تيارات متناقضة، ولا أصواتًا مختلفة، بل وجهان لعملة واحدة، عملة اسمها الخيانة والعمالة، عملة فاسدة تحاول طرد العملة الصحيحة من السوق: الوطنية الحقة.

الإخوان والأناركية وجهان لعملة رديئة

والوطنية الحقة ليست تأييدًا أعمى، ولا معارضة صاخبة، بل إيمان بأن هذا الوطن يستحق أن يُصان، وأن يُصلح، وأن يتقدم، الوطنى الحق هو مَن يختلف دون أن يهدم، ويعارض دون أن يكره، وينتقد دون أن يفرح بسقوط بلده. لكن هذه العملة النقية تُزعجهم. لذلك يسعون لطردها، واستبدالها بعملة رديئة: عملة الكراهية، والعار، والشنار، حيث لا وطن، ولا دولة، ولا مستقبل فقط فوضى يُعاد فيها تدوير الخراب تحت شعارات زائفة.

لم يعد الحديث عن مخطط جماعة الإخوان وأمثال «علاء» لهدم الدولة المصرية ادعاءً سياسيًا أو اتهامًا دعائيًا، بل خلاصة وقائع متراكمة وسلوكيات موثقة كشفت، عبر السنوات، طبيعة المشروع الحقيقى لهم، فمنذ لحظة انخراطها فى المجال العام، لم يتعاملوا مع الدولة بوصفها كيانًا وطنيًا جامعًا قابلًا للإصلاح، بل كعقبة يجب تفكيكها أو السيطرة عليها أو إسقاطها. ومع كل منعطف سياسى، كانت تتكشف ملامح هذا المشروع بوضوح أكبر: استهداف مؤسسات الدولة، التشكيك المنهجى فى الجيش والشرطة، تسييس الشارع، وتدويل الأزمات الداخلية تحت شعارات دينية أو حقوقية، نحن لا نناقش نوايا، بل نتوقف أمام وقائع مثبتة ومسارات معلنة تُظهر كيف انتقلوا (الجماعة/ وعلاء وشركاه) من العمل السياسى إلى مشروع صدامى مع الدولة نفسها، ولماذا أصبح هدم الدولة، لا إصلاحها، هو القاسم المشترك فى كل تحركاتها وخطاباتها.

يلتقى مشروع جماعة الإخوان مع نموذج «علاء» عند نقطة أخطر من مجرد التشابه الخطابى، هى استهداف فكرة الدولة نفسها. فالجماعة لم تُخفِ يومًا أن مشروعها يقوم على تفكيك الدولة الوطنية لصالح كيان أيديولوجى عابر للحدود، وأن الجيش والشرطة يمثلان العقبة الصلبة أمام هذا المشروع، وعلى المنوال ذاته، تكشف كتابات وتغريدات علاء عبدالفتاح، وفق ما هو منشور ومتداول، عن عداء صريح لمؤسسات الدولة السيادية، لا باعتبارها أجهزة قابلة للإصلاح، بل بوصفها «بنية قديمة مستهلكة» يجب إسقاطها، هنا لا نتحدث عن نقد سياسات أو مساءلة أداء، بل عن خطاب يقوم على نزع الشرعية الكاملة، ويقدّم هدم الدولة باعتباره شرطًا مسبقًا للحرية، عند هذه النقطة يلتقى المشروعان، لا لأن اللغة واحدة، بل لأن الهدف واحد: إضعاف الدولة المصرية، وتشويه مؤسساتها، وإخراجها من معادلة الاستقرار، ويبقى السؤال مفتوحًا: هل هذا الالتقاء نابع من راعٍ واحد يدير الأدوار ويوزّع الوظائف؟ أم من تطابق فى الغاية النهائية مهما اختلفت اللافتات؟ فى الحالتين، النتيجة واحدة، والمستهدف واحد، والخطر لا يكمن فى التنوع الظاهري، بل فى وحدة الاتجاه.

لم يأتِ تقديم علاء عبدالفتاح إلى الرأى العام بوصفه رمزًا مدنيًا وأيقونة حقوقية من فراغ، ولا تشكّل تلقائيًا بفعل مسار سياسى طبيعى، بل جرى تصنيعه وتسويقه بعناية خارج أى مساءلة سياسية حقيقية، وبعيدًا عن السؤال الجوهرى الذى يُفترض أن يسبق الهتاف والتعاطف: ماذا يمثل هذا النموذج؟ ولصالح مَن يعمل؟ فالمشكلة ليست فى حق الاختلاف أو الاعتراض، بل فى تحويل المعارضة إلى صفة أخلاقية مُحصَّنة من النقد، وكأن كل مَن يرفع شعار الحقوق بات وطنيًا بالضرورة، هنا تحديدًا تتفجّر الإشكالية: هل كل معارضة وطنية تلقائية، أم أن بعض المعارضة تتحوّل إلى وظائف سياسية تؤدى من الخارج؟

إن نموذج الإخوان وأمثال «علاء»، ودعونا نجمعهم فى مصطلح واحد ليسهل الإشارة إليهم فهم لا يمثلون معارضة وطنية بأى حال من الأحوال، بل هم تجسيد نموذجى لوظيفة الطابور الخامس، ويلتقون موضوعيًا مع مشروع جماعة الإخوان الإرهابية فى الهدف والنتيجة، وإن اختلف الخطاب واللغة والأدوات.

ليس تفصيلًا عابرًا أن يكون علاء عبدالفتاح اليوم تحت حماية بريطانية، ولا أن يتحوّل ملفه من شأن مصرى داخلى إلى ورقة تُدار داخل أروقة البرلمان البريطانى، تمامًا كما ليس مصادفة أن تتمركز قيادات جماعة الإخوان الإرهابية، فى لندن، وأن تبث منابرهم الإعلامية من هناك بلا انقطاع، نحن هنا أمام مشهد واحد تتغيّر فيه الواجهات ولا تتغيّر الوظيفة: دولة أجنبية توفر الحماية والمنصة، ونماذج سياسية تؤدى دورها من الخارج ضد دولة بعينها. والسؤال الجوهرى الذى يفرض نفسه، ولا إجابة عنه حتى الآن، هو: لماذا لا يُسمح لهؤلاء بحمل الخطاب نفسه داخل الدولة التى تحميهم؟ ولماذا تصبح «الحرية» هناك خطًا أحمر، بينما تتحول هنا إلى شعار للاستخدام السياسى.

لم تعد لندن، منذ سنوات، مجرد عاصمة سياسية كبرى تستقبل المعارضين الهاربين من أزمات أو صراعات، بل تحوّلت عمليًا إلى منصّة لإدارة ملفات الشرق الأوسط، ومقر لإعادة تدوير المعارضات وفق احتياجات اللحظة السياسية. من جماعة الإخوان الإرهابية بوجهتها الدينية، إلى نشطاء يقدَّمون بصفات مدنية وحقوقية، يختلف الشكل وتتبدّل اللغة، لكن الوظيفة واحدة: إنتاج معارضة جاهزة للاستخدام الخارجى، تعمل من خارج المجال الوطنى وتتحرك تحت مظلات حماية ورعاية غربية. وفى كل هذه النماذج، لا يتغير الهدف ولا تتبدل البوصلة؛ فالدولة المستهدفة تظل واحدة، هى الدولة المصرية، بوصفها العقدة الصلبة أمام مشاريع التفكيك وإعادة التشكيل.

ليس كل اختلاف مع الدولة معارضة، وليس كل معارض وطنيًا. الفارق حاسم بين معارضة تعمل من داخل الدولة ولحساب المجتمع، وتختلف معه بهدف الإصلاح، وبين معارضة وظيفية تعمل من الخارج ولحساب داعم أجنبى، مهما تجمّلت بلغة الحقوق. هذا النوع الأخير لا يحتاج كثيرًا تعريفًا؛ تكشفه علاماته الواضحة: تمويل خارجى يوجّه الأولويات، وحماية سياسية أجنبية تتحول إلى أداة ضغط، وخطاب انتقائى لا يرى إلا الدولة المصرية خصمًا دائمًا، يقابله صمت كامل ومريب تجاه الدولة الراعية التى تؤمّن المنصة والمال والحصانة، هنا تنتفى السياسة، وتسقط الوطنية، ولا يبقى سوى وظيفة تؤدَّى بدقة ضد دولة بعينها.

لم نسمع يومًا أن علاء عبدالفتاح انتقد الشرطة البريطانية، ولا رأيناه يرفع صوته ضد قوانين تقييد التظاهر هناك، ولم يتحول «الحق فى الاحتجاج» فى خطابه إلى قضية كونية تشمل الدولة التى تحميه. السؤال هنا ليس ساذجًا: لماذا يصبح الاحتجاج جريمة فى لندن، وفضيلة فى القاهرة؟ ولماذا تُستدعى المعايير الأخلاقية فقط حين يتعلق الأمر بمصر؟ الإجابة أبسط مما يُراد لها أن تكون: لأن الوظيفة تنتهى عند حدود مصر، ولأن الدور المرسوم لا يسمح بتجاوز الدولة المستهدفة.

علاء عبدالفتاح والإخوان: وحدة الوظيفة لا الفكر

رغم اختلاف الأيديولوجيا والخطاب، يظل الرابط بين علاء عبدالفتاح وجماعة الإخوان الإرهابية واضحًا ومؤثرًا: الوظيفة نفسها. كلاهما يعمل وفق مخطط محدد، يهدف إلى تفكيك الدولة المصرية من الخارج، عبر أدوات مختلفة ولغة متباينة. الإخوان رفعوا شعار الدين، وعلاء رفع شعار الحقوق، لكن النتيجة واحدة: الهجوم على شرعية الدولة ومحاولة تشويه صورتها داخليًا وخارجيًا. المعركة الحقيقية اليوم لم تعد مجرد صراع بين سلطة ومعارضة، بل معركة ضد محاولات استهداف الدولة نفسها تحت لافتات براقة، مزينة بالحقوق والحرية والشرعية المفقودة. هذه المعركة تتطلب وعيًا مزدوجًا: نقد السياسات لا يفيد وحده، بل يجب كشف الوظائف الخفية للأصوات المعارضة، وتحديد مَن يعمل لصالح الدولة ومَن يعمل ضدها، بصراحة ودقة، دون أى تجميل أو إيهام بوطنيّة مزيفة.

علاء عبدالفتاح والإخوان الإرهابية رموز بلا مشروع

المشكلة الأساسية ليست مجرد وجوده خارج الإطار الوطنى، بل غياب أى مشروع سياسى حقيقى لا برنامج اقتصادى، لا رؤية اجتماعية، لا تصور لإدارة الدولة ما يقدمه فقط خطاب احتجاجى دائم، قائم على نزع الشرعية، بلا أى بديل. هذا الفراغ السياسى يجعل منه موضوعيًا نسخة مدنية للإخوان. الفرق بينهما مجرد واجهة: الإخوان هدموا باسم الدين، وعلاء يهدم باسم الحقوق. لكن الهدف واحد، والدولة المصرية هى الضحية. لا مشروع، لا برنامج، لا وطنية، مجرد وظيفة هجومية تُدار من الخارج، بدقة واحترافية.

لماذا سقط هذا النموذج شعبيًا؟

الواقع يؤكد أن النموذج الذى يمثله الإخوان وعلاء عبدالفتاح، كرمز للمعارضة الوظيفية، فشل فشلًا ذريعًا فى بناء قاعدة شعبية داخل مصر. المصريون لم يعودوا ساذجين؛ فقد جرّبوا الفوضى على أرض الواقع، وعايشوا نتائج حكم الإخوان بأنفسهم، وشاهدوا على مدار سنوات ما يسمى بـ«الثورة الدائمة» من خراب اقتصادى واجتماعى وأمنى. لذلك، أصبح الخطاب الاحتجاجى المجرد، مهما رفع شعارات الحقوق والحريات، عاجزًا عن الحشد والتأثير على الشارع المصرى.

هذا النموذج لم يعد يمثل سوى ضجيج إعلامى خارجى، يُسوقه الغرب على أنه معارضة شرعية، بينما الحقيقة أن صدى هذه الأصوات داخل المجتمع المصرى معدوم تقريبًا. كل ما تبقى هو منصات إعلامية وتغريدات وبرامج تلفزيونية، تُعيد تدوير خطاب الهدم بلا بناء، بلا مشروع، بلا برنامج، وبلا أى ارتباط حقيقى بالواقع الوطنى. وما يزيد الطين بلة هو أن هذه الأصوات تتعامل مع الدولة المصرية وكأنها هدف دائم للهجوم، بينما تبقى الدولة الحامية والرعاية الأجنبية خارج دائرة الانتقاد تمامًا.

النتيجة واضحة: فشل شعبى شامل، وظهور نموذج إعلامى فقط، مصمَّم لإعادة إنتاج صورة المعارضة الوظيفية على المستوى الدولى، بينما يظل المواطن المصرى بعيدًا عن أى تأثير لها. وهذا ما يجعلها معارضة بلا وطنية، وظيفتها محددة خارج الحدود، ومكانها الحقيقى ليس فى قلب الشارع المصرى، بل فى غرف التحرير والمنصات الغربية، حيث تُدار ملفاتها بدقة واحترافية، بعيدًا عن مساءلة المجتمع الذى تزعم الدفاع عنه.