فى إنجاز تاريخى، أصبحت بلغاريا، أفقر دولة فى الاتحاد الأوروبى، العضو الحادى والعشرين فى منطقة اليورو، متجاوزةً بذلك دولًا أكثر تقدمًا مثل بولندا وجمهورية التشيك والمجر، فى خطوة تهدف إلى تعزيز التكامل فى القارة العجوز. وبينما يأمل الكثيرون أن يعزز التحول من العملة المحلية «الليف» إلى العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» الاستقرار الاقتصادى، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة بشأن التضخم وفقدان الهوية الوطنية فى ظل انتشار الفساد فى الأوساط السياسية.
استقبلت بلغاريا العام الميلادى الجديد باعتماد «اليورو»، كعملة رسمية بدلًا من «الليف»- الذى يعنى «الأسد»- وهو العملة الرسمية للبلاد منذ عام 1881، واحتفلت بهذا الإنجاز التاريخى الذى طال انتظاره بعرض عملات اليورو على واجهة البنك المركزى فى العاصمة «صوفيا»، وإطلاق الألعاب النارية.
من جانبها، أعلنت رئيسة البنك المركزى الأوروبى، كريستين لاغارد، أن انضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو يُعد دليلاً على قدرة أوروبا على التعاون ومواجهة التحديات الدولية. وقالت فى بيان لها: «يمثل اليورو رمزًا قويًا لما يمكن أن تحققه أوروبا بالعمل المشترك، وللقيم المشتركة والقوة الجماعية التى يمكننا استغلالها لمواجهة حالة عدم اليقين الجيوسياسى العالمى الراهن».
وفى خطاب رأس السنة، أشاد الرئيس البلغارى، رومين راديف، بهذه الخطوة ووصفها بأنها «الخطوة الأخيرة» فى مسيرة انضمام بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبى، إلا أنه أعرب عن أسفه لعدم استشارة البلغاريين عبر استفتاء شعبى حول اعتماد هذا التغيير. وتعد بلغاريا أحدث دولة تنضم إلى منطقة اليورو بعد كرواتيا التى انضمت فى يناير 2023. وكانت عضوًا فى الاتحاد الأوروبى منذ عام 2007، إلا أنها لم تستوفِ رسميًا معايير الانضمام إلى منطقة اليورو إلا فى يناير 2025، مما مهد الطريق للانضمام بعد تأخير طويل. وبموجب معاهدة ماستريخت لعام 1992، يتعين على الدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبى استيفاء خمسة معايير للانضمام إلى منطقة اليورو. وهى معدل التضخم، وعجز الموازنة، ونسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى، واستقرار سعر الصرف، وأسعار الفائدة طويلة الأجل.
وسيترتب على هذه الخطوة زيادة عدد الأوروبيين الذين يستخدمون اليورو إلى 356 مليون نسمة، وتوسيع نطاق العملة الموحدة جغرافيًا ليشمل منطقة البحر الأسود لأول مرة. بينما تبقى ست دول فقط من أصل 27 دولة فى الاتحاد الأوروبى خارج منطقة العملة الموحدة، وهى: السويد، وبولندا، وجمهورية التشيك، والمجر، ورومانيا، والدنمارك. وإلى جانب تغيير العملة، فإن انضمام بلغاريا إلى منطقة اليورو يمنحها مقعدًا فى مجلس إدارة البنك المركزى الأوروبى المسؤول عن تحديد أسعار الفائدة.
وقد دعت الحكومات البلغارية المتعاقبة إلى الانضمام إلى منطقة اليورو، على أمل أن يعزز ذلك اقتصاد أفقر دولة فى الاتحاد الأوروبى. فضلًا عن دعم العلاقات مع الغرب، والحماية من التأثيرات الروسية الدخيلة، وفقًا لما أفادت به شبكة «يورو نيوز». وصرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، فى بيان، أن «اليورو سيجلب فوائد للشعب البلغارى، إذ سيسهل المدفوعات والسفر. كما سيوفر فرصًا جديدة للشركات البلغارية، مما يسمح لها بالاستفادة بشكل أفضل من مزايا السوق الموحدة المشتركة» التى يتمتع بها الاتحاد الأوروبى؛ لكن وفقًا للمحليين والخبراء، لن يُحدث الانضمام إلى منطقة اليورو تغييرات جذرية فى الاقتصاد البلغارى، ويعزى ذلك إلى أن العملة المحلية مربوطة باليورو منذ عام 1999.
كما تشير استطلاعات الرأى الأخيرة إلى انقسام سكان بلغاريا البالغ عددهم 6.4 مليون نسمة، بالتساوى تقريبًا، حول العملة الجديدة. فبينما يؤيد قطاع الأعمال والشركات هذه الخطوة بشدة، يخشى الكثيرون أن يؤدى ذلك التغيير إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم عدم الاستقرار السياسى الذى يهز البلاد. مخاوف البلغاريين من ارتفاع التضخم ليست بلا أساس؛ فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 5 فى المائة على أساس سنوى فى نوفمبر الماضى، أى أكثر من ضعف متوسط منطقة اليورو، وفقًا للمعهد الوطنى للإحصاء. كما ساهمت حملة احتجاجية على اليورو عام 2025، قادتها بشكل رئيسى أحزاب اليمين المتطرف والقومية، فى تأجيج المخاوف من ارتفاع الأسعار، مستغلة النظرة السلبية السائدة تجاه العملة الموحدة لدى شريحة واسعة من السكان. وفى الآونة الأخيرة، اشتكى بعض أصحاب الأعمال والمتاجر من صعوبة فى الحصول على اليورو، حيث لم يتسلم بعضهم حزم اليورو الأولية التى طلبوها. كما حذرت البنوك من احتمال حدوث اضطرابات فى عمليات الدفع بالبطاقات وسحب الأموال من أجهزة الصراف الآلى.
ولتبديد المخاوف من فقدان بلغاريا لهويتها الوطنية، تم اختيار نقوش الوجه الخلفى للعملات المعدنية الجديدة لليورو مماثلة لنقوش عملة «الليف». حيث يظهر القديس إيفان الريلى، الذى عاش فى القرنين التاسع والعاشر، ويُعتبر مؤسس دير ريلا، أكبر أديرة البلاد، على عملة اليورو الواحد، بينما يظهر بايسيوس الهيليندارى، الراهب الذى عاش فى القرن الثامن عشر وبطل النهضة الوطنية البلغارية، على عملة اليوروين. أما العملات المعدنية الأصغر حجمًا من فئة سنت اليورو، فتحمل نقش «فارس مادارا»، رمز الدولة البلغارية فى بداياتها، والمستوحى من نقش صخرى يعود إلى القرن الثامن الميلادى، بحسب ما أوردته شبكة «بى بى سى».
فى سياق متصل، تأتى هذه التطورات بالتزامن مع أزمة سياسية حادة تعصف بالبلاد بعد أن أُجبر الائتلاف الحكومى المحافظ برئاسة روزن جيليازكوف، وهى حكومة أقلية، على الاستقالة بعد أقل من عام على توليه السلطة، فى ديسمبر الماضى إثر اندلاع احتجاجات حاشدة ضد الفساد وخطة ميزانية مقترحة لعام 2026 سعت إلى فرض ضرائب أعلى، وزيادة اشتراكات الضمان الاجتماعى؛ لتدخل البلاد فى دوامة الاستعدادات للانتخابات الثامنة خلال خمس سنوات فقط. ويُذكر أن بلغاريا تعانى من قلة ثقة المواطنين فى المؤسسات الحكومية؛ لذلك تشهد انتخابات برلمانية بشكل متكرر وانقسامًا عميقًا بين قواها السياسية.