«تنويع المصادر وتأمين الاحتياجات».. هدف استراتيجى عملت عليه القيادة السياسية طوال السنوات الماضية، ولم يقتصر تحقيق هذا الهدف المهم على قطاع دون غيره، بل كانت جميع القطاعات حاضرة على «قائمة التنفيذ»، بدءًا من «التسليح»، مرورًا بـ «القمح»، وصولًا إلى قطاع الطاقة.
القراءة المتعمقة لما وراء هذا الهدف، تكشف أبعادًا عدة له، فـ«الاقتصاد» لا يمكن التعامل معه بمعزل عن السياسة، ولهذا فإن الرئيس عبدالفتاح السيسى، وفى إطار سعيه لتأكيد «حرية القرار المصرى»، عمل منذ سنوات عدة على تخليص «القاهرة» من فكرة «المصدر الواحد» وأدار عملية «انفتاح» على جميع الأطراف بما يحقق «المصلحة المصرية» وفى الوقت ذاته يضمن نزاهة القرار المصرى وحكمته، وهو ما اتضح جليًا فى العديد من المواقف السياسية التى اتخذتها مصر، والتى بالطبع كانت ستتأثر كثيرًا بـ«ورقة الاقتصاد» إن كانت مصر تدير أمورها تحت لافتة«المورد الوحيد».
«الطاقة».. القطاع الأحدث الذى استطاعت مصر أن تحقق فيه هدف«التنويع والتأمين»، مع الأخذ فى الاعتبار أنه ظل لسنوات طويلة«صداعا مزمنا» فى جسد الاقتصاد المصرى، غير أن السنوات القليلة الماضية شهدت تغييرًا حقيقيًا فى مجريات الأمور داخله، فالمشروعات القومية كانت حاضرة فيه، و«التنويع» هو الآخر كان متواجدًا، وعندما حاولت دولة الاحتلال استخدام «كارت الغاز» للضغط على «القاهرة» للتراجع - ولو قليلًا - عن موقفها الواضح فيما يحدث داخل قطاع غزة، فإن السياسة المصرية المبنية على «الخطوات والسيناريوهات المسبقة» أحرقت «الكارت الإسرائيلى»، فما كان من «تل أبيب» إلا إتمام صفقة الغاز وبالشروط التى تخدم مصلحة مصر.
لم تتوقف التحركات المصرية لـ«للتأمين والتنويع» عند هذا الحد، فالأيام الماضية شهدت خطوة تستحق أن توصف بـ«الاستثمار المزدوج»، بعدما أعلنت «قطر للطاقة»، التوصل لاتفاقية مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» لتوريد ما يصل إلى 24 شحنة من الغاز الطبيعى المسال لمصر خلال صيف عام 2026، وذلك تزامنًا مع توقيع مذكرة تفاهم مع وزارة البترول والثروة المعدنية لتعزيز التعاون فى مجالات مبيعات واستيراد الغاز الطبيعى المُسال وغيرها من مجالات الطاقة.
وتأتى مذكرة التفاهم «المصرية - القطرية»، التى وُقعت فى «الدوحة» مطلع الأسبوع الجارى، كخطوة مهمة نحو تنويع مصادر إمدادات الغاز الطبيعى، وتوسيع أطر التعاون فى توفير شحنات الغاز، وذلك فى إطار تنفيذ آليات تعدد مصادر الإمداد وتأمين احتياجات الدولة المصرية، بالتوازى مع جهود زيادة الإنتاج المحلى، بما يسهم فى خلق قيمة مضافة لتعزيز دور مصر كمركز إقليمى لتداول الغاز.
كذلك، وحسب بيان أصدرته وزارة البترول، تمثل المذكرة ترسيخًا للشراكة الاستراتيجية بين البلدين فى مجال الطاقة، حيث تتركز أنشطة شركة «قطر للطاقة» فى مصر بشكل أساسى فى منطقة البحر المتوسط، وتعمل حاليًا فى ست مناطق بحرية، كما تعتزم ضخ استثمارات جديدة خلال السنوات الخمس المقبلة، وكذلك حفر عدد من الآبار الاستكشافية بالتعاون مع عدد من كبرى شركات الطاقة العالمية.
