رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الأنبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها، ورئيس دير الأم سارة للراهبات يكتب: ونحن على أبواب عام جديد


7-1-2026 | 17:15

.

طباعة

نحن والزمن.. تُرى هل نحن الذين نمرّ بالزمن أم هو الذى يمرّ بنا؟ تُرى متى يُخضعنا هو ومتى نُخضعه نحن؟ هل نحن فحم فى قاطرة التاريخ أو قاطرة الزمن كما تصور البعض من السوداويين؟ إذا كنّا نحن الذين نمرّ بالزمن فهو الأقوى، وإذا مرَّ هو بنا فنحن الأقوى، حيث تتشابه سنوه وقرونه بينما يقف الإنسان شامخًا لا يستطيع الزمن أن يطويه. إذا أخضعنا نحن الزمن فقد استوقفناه وأنجزنا فيه، وإذا أخضعنا هو فقد سلبنا أيامنا حتى العجز دون إرادة حقيقية. وأمّا متى شعرنا بالملل فقد توقف بذلك بنا الزمن، ونتذكر ما يُقال بأن الزمن قد توقف عند لحظة بعينها، بينما يُقال فى مواقف أخرى أن لحظة ما صارت فارقة فى التاريخ. ونعرف أن الوقت يمرّ سريعًا فى المسرّات وثقيلًا فى الأزمات. ونعرف أيضًا أنه يوجد زمنان: زمننا وزمن الله، أو بعبارة أخرى تقييم الإنسان للوقت يختلف عن تقييم الله، فبينما ينتظر الإنسان أن يتدخل الله فى زمن بعينه، يرى الله أن زمنًا آخر هو الأنسب، فقد يحسب الإنسان الأمر بشكل مختلف، بينما الله له حسابات أخرى لا يدركها الإنسان. إن الإنسان وإن لم يكن أزليًا (حيث إن له بداية)، إلا أنه أُعطِى أن يحيا إلى الأبد مع الله، والله هو فوق الزمن، وألف سنة عند الله كيوم واحد، ويوم واحد فى المقابل كألف سنة. ومن مفارقات الزمن: أن هناك فرقًا بين التأريخ والتاريخ، فالتاريخ هو الوقائع وأمّا التأريخ فهو وصفها وتسجيلها. كما أن هناك فرقًا بين التاريخ (كرونيكال) والفرص (كايروس)، فالأول يعنى تعاقب الأيام والشهور والسنين، وأمّا الثانية فتعنى الفرصة المتاحة لنا لاقتناصها واستثمارها. إذًا هل يستطيع الإنسان أن يتجاوز الزمن؟ نعم! فكل مَن تجاوز زمن الشرّ استطاع تحاشيه. ومَن تجاوز زمن السلطة وزوالها، تجاوز شهوتها. ومن تجاوز الخصام ومتاعبه، تجاوز الخلاف. ومن تجاوز زمن الأكل والشرب، تجاوز شهوة الطعام وألوانه. ومَن تجاوز هذا الزمن الذى نحيا فيه، فقد بدأ الحياة الأبدية منذ الآن. ومِنَ الناس مَنْ سبق عصره ومن سابق الزمن، ومِنَ الأطفال من وُصِف بأنه سابق لسنّه أو أكبر من سنّه، حين يبدو تفكيره أكثر نضجًا وإنجازه أعظم قدرًا، ومثله من "يسابق الزمن" أى أن الشخص يدرك قيمة الوقت والإنجاز، ومنهم مَن يوصف بأنه بعيد النظر حيث يعنى ذلك أنه يتجاوز الزمن العادى، ويقولون فى سعة الاطلاع: "من وعى التاريخ فى صدره، فقد أضاف أعمارًا إلى عمره". كما يستطيع الإنسان أن يحوِّل الزمن الفانى إلى زمن خالد، وذلك من خلال استثماره فى الصلاة وأعمال الخير والإنجاز عمومًا. كما يستطيع إنسان أن يحقِّق فى ساعة واحدة ما لا يحقّقه آخر فى سنوات، إذا كانت إرادته قوية ووعيه بالغًا، ونقرأ عن الأطفال الصينيين وغيرهم، مثل: "ملالا" و"إيما جورج" وآخرين. هناك مَن أسدى الكثير من الخدمات للبشرية أو لبلاده وهو صغير السن، مثل الكثير من المخترعين أو السياسيين. هكذا على مدار التاريخ كانت هناك شخصيات عظيمة لم تعش طويلًا، ولكن بصماتها باقية، فى حين أضاع الكثيرون أعمارهم فيما لا ينفع. السيرة والمسيرة: ومن ثَمَّ يقولون إن السيرة أطول من العمر، أى أن ذكر الشخص وإنجازه يستمر أكثر بكثير من سنى عمره، ولكن بينما يخلد البعض من باب الخير يخلد آخرون من باب الشر والجريمة. الزمن والخريف: أقصد خريف العمر والشيخوخة المبكرة، ويُقال عن البعض إن حياته كانت "شتاءً فخريفًا": بمعنى أنها انقضت سريعًا، فترتيب الفصول يأتى على النحو التالي: الشتاء ثم الربيع ثم الصيف وفى النهاية الخريف. هذا الوصف لشخص ما يعنى أن حياته لم تسِر بشكل طبيعى مستمتعًا بمراحل حياته الطبيعية: طفولة ففتوة فشباب فبلوغ فرجولة فكهولة فشيخوخة، بل شاخ مبكرًا بسبب المرض العضال أو شدة انشغاله أو كثرة تجاربه. وعندما يُقال "خريف العمر" فالمقصود هو المرحلة الأخيرة فيه، ويسميها البعض "أرذل العمر"، ويصفون أثر الزمن على الملامح بـ"خط المشيب"؛ وبمناسبة العمر والخريف فإنه عندما تضعف الذاكرة يوصف الشخص بأنه: "يخرّف" أى أن عقله قد شاخ. الزمن هو ماضٍ وحاضر ومستقبل: ونحن نودّع العام، فالماضى لا يمكن استعادته أو تغييره أو إلغاؤه، بل يمكن أن يتحول إلى خبرة وعبرة وذكرى. أمّا المستقبل فلا نمتلكه لأنه فى علم الله، ومن ثَمَّ فليكن كله أملًا وطموحًا. لكننا نمتلك الحاضر وهو الواقع وما نمتلكه، يمكننا أن نقضيه حسنًا، أن نحياه كما يجب وكما يليق، أن ننجز فيه، فإن جوهر الحياة يكمن فى هذه الساعات القليلة التى نحياها الآن، يقول البعض: "لا تندم على الأمس، ولا تقلق على الغد، بل اهتم بساعتك...". أخيرًا: فإن العام الذى نستقبله الآن، هو فرصة جديدة يهبنا الله إياها، فإن كنا نشكره الآن فإنما نشكره لأنه سمح لنا أن نظل أحياءً، لنعوِّض ما فاتنا ونستثمر الفرصة الجديدة المتاحة، وكأننا نوهب حياة جديدة، نحياها كما يحب الله، وكما يجب. كل عام والجميع بخير