رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

اتـزان «الـقرار المصرى»

7-1-2026 | 17:09
طباعة
تقدير الموقف باحترافية، عنوان يجسد تحركات الدولة المصرية منذ 2014، فلا تسرع فى المواقف، ولا تخبط فى التعامل مع الأزمات، ولا ارتباك فى القرارات، بل كل خطوة محسوبة، وكل كلمة موزونة، وكل تصرف مدروس، ورغم هذا الحسم الواضح بلا مواربة، والمسلك الصريح بلا مراوغة، تسبق القاهرة الجميع بخطوات، وتتوقع السيناريوهات الحرجة، وتحذر من التداعيات الخطيرة، وتطرح الحلول الآمنة بإخلاص، وتبدى مساعى الوساطةبصدق، بعيداً عن أية مصالح ضيقة، أو مكاسب ذاتية، وعندما تصم الأطراف المتنازعة آذانها، وتستغشى ثيابها، فلا تسمع نداء الحكمة، وتتجاهل صوت العقل المصرى تثبت الأيام وتؤكد الوقائع أنه كان بالإمكان تقليل الخسائر المادية والبشرية، والحفاظ على المؤسسات الوطنية لو كان هناك رجل رشيد يفهم ويعى الرسالة المصرية.

إن سياسة الاتزان التى التزمت بها الجمهورية الجديدة، آتت ثمارها لصالح المصريين، فقد فتحت أبواب التنمية على مصراعيها فى كل المجالات، ومهدت للشراكة مع كل البلدان، وكسرت جبال الجليد مع جميع القوى، وأخرجت القاهرة من لعبة الاستقطاب، وجعلت منها وسيطاً نزيهاً فى كل الخلافات، لأن ثوابتها معروفة، ومبادئها راسخة، وقيمها شريفة، فهى حريصة على بنية الدول وحماية مؤسساتها الوطنية، ومتمسكة بصون مقدرات الشعوبومصالحها، وتنطلق دائما من قاعدة القانون الدولى ومبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، وترفض بشكل قاطع الحلول العسكرية، لأن القوة لن تفرض سلاما، ولن تحقق استقرارا، بل تزيد الصراع اشتعالا، وتجعله يتطاير كالشرر الحارق من مكان لآخر، فلا سبيل إلا الجلوس على مائدة المفاوضات، واللجوء للحلول السياسية، ومن المعلوم بالضرورة أن تتابع الصراعات وتوالى العواقب الكارثية، برهنت على أن رؤية القاهرة هى الأصوب، وتعاملها هو الأصح.

الحكمة فى اتخاذ القرار، مسار رسخه الرئيس عبدالفتاح السيسى بفكر مؤسسى، وتخطيط استراتيجى، وتكامل بين كل الجهات المعنية، مما جعل التناغم سيد الموقف فى أداء الدبلوماسية المصرية، والانضباط حاضرا فى جميع المواقف، والحزم وقت الضرورة، والثبات عند اللزوم، فلا تردد ولا تباطؤ، بل دائما لكل مقام مقال، واختيارالقول المناسب فى الظرف المناسب، فالقوى بين قادة الدول وصناع القرار هو الذى يملك نفسه عند الغضب، ولا يقامر بمقدرات شعبه، مع إفشال كل مخططات ضرب الأمن القومى لدولته، وهو ما يفعله الرئيس السيسى بإتقان تام، وبراعة فائقة، مما انعكس بقوة فى وجود ثقة شعبية جارفة فى حسن إدارة الملفات، وتنظيم الأولويات، والوقوف صفا واحدا فى ظهر القيادة السياسية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والعض بالنواجذ على محددات الأمن القومى المصرى بلغة الأفعال لا الأقوال مهما كانت الضغوط او تعددت التضحيات، وهذا ما جعل كل الخصوم، وجميع المتآمرين يفكرون جيدا، ويتدبرون مليا قبل الوقوع فى خطأ اختبار عزيمة المصريين أوالمساس بتراب الوطن على كل الجبهات وجميع الجهات، فالعواقب ستكون وخيمة، والثمن سيكون غاليا، والفاتورة لن يتحملها أحد، وعلى الباغى تدور الدوائر.

وكعادة الرئيس السيسى الحميدة، دائما فى مختلف اللقاءات وشتى المنتديات يبعث لكل من يهمه الأمر فى الداخل والخارج برسائل القوة الرشيدة، وينبه إلى مآسى الانزلاق فى هاوية الحروب والصراعات، ويحدد معالم الطريق المستقيم للجمهورية الجديدة الذى لن تحيد عنه أبدا، مع الاستعداد التام لكل السيناريوهات، وهو الاستمرار في سياسات الاتزان الاستراتيجى التى تنتهجها الدولة المصرية، تجاه القضايا الدولية والإقليمية والتى تحددها محددات وطنية واضحة فى مقدمتها، مراعاة أبعاد الأمن القومى المصرى والسعى لإقرار السلام الشامل القائم على العدل ودعم مؤسسات الدول الوطنية واحترام إرادة الشعوب، كما جاء فى كلمته خلال حفل إفطار الأسرة المصرية فى 2024، وهو ما يؤكده الرئيس فى غالبية زياراته ولقاءاته مع الطلاب وخريجى دفعاتالأكاديمية العسكرية المصرية، وفى كلماته بالمناسبات الوطنية المختلفة، بالإشارة إلى أن التطورات على مدار العقود الماضية أدت بالمنطقة إلى مفترق طرق تاريخى، يتطلب من الجميع الحذر والتأنى والدراسة المتعمقة قبلاتخاذ أى قرار، والتأكيد على أن ثوابت السياسة المصرية تقوم على التوازن والاعتدال والإيجابية لإنهاء الأزمات وليس تصعيدها، تحسبا من الانزلاق إلى مخاطر حقيقية تهدد الأمن الإقليمى بأكمله.

وطالما أن الشىء بالشىء يذكر، فها هى الأحداث المأساوية التى يشهدها اليمن الشقيق تجسيد كامل لنجاح القرار المصرى فى تطبيق سياسة الاتزان، والتعامل بعقلانية، والمعالجة بفطنة لتطورات الملف اليمنى رغم ضغوطالكثيرين لإجبار القاهرة على الدخول كطرف فى الصراع، وتحديدا قبيل مارس 2015 ضمن «عاصفة الحزم» العسكرية بقيادة التحالف العربى ردا على سيطرة جماعة الحوثى على صنعاء، لكن الموقف المصرى كان حاسما بلا مماطلة، وظاهرا بلا غموض، وهو ضرورة الحفاظ على الدولة اليمنية، وصون مقدرات شعبها، مع وقف مد أى قوة إقليمية للحوثيين بأسلحة تستخدمها ضد الشرعية فى البلاد، وبالتالى كانت خطوة تأمين مضيق باب المندب دون إدخال قوات برية مصرية فى اليمن، وهنا ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، الأول: هو الحفاظ على مبدأ عدم الانضمام لتحالفات أو قواعد عسكرية، والثانى: هو ضمان تأمين قناة السويس وحركة الملاحة القادمة إليها من خلال القوات المصرية الموجودة بالمنطقة، والثالث: مواصلة القاهرة لدور الوسيط المحايد لتوحيد كلمة اليمنيين، ووقف الحرب الأهلية بين الفصائل المتناحرة، والرابع: الاستجابة لنداءات الرئيس اليمنى بالدعم المصرى، ورغم تعاقب المستجدات، وتشابك الأحداث، وتلاحق التدخلات الإقليمية، على مدى أكثر من 10 سنوات، لم يتغير هذا التعامل المتزن، ولم تتبدل تلك السياسة المعتدلة للقاهرة قيد أنملة، بل فى كل مرة تؤكد حتمية التخلى عن العمل العسكرى والإقبال على الحل السياسى لصالح الشعب اليمنى الشقيق الذى يعانى الأمرّين، فضلا عن مواصلة المساعدات مع استقبال الفارين ومن يبحثون عن الأمان فى مصر، والأمر غنى عن الشرح والتحليل.

ومازالت السياسة المصرية المتزنة تجاه اليمن قاعدتها الرئيسية هى تحقيق الاستقرار فى اليمن والحفاظ على سيادته ومصالح شعبه الشقيق، وهو ما تجلى فى البيان المصرى الأول بشأن التطورات الجارية على الساحة اليمنية، فقد أكدت القاهرة أنها تتابع باهتمام بالغ الأوضاع الأخيرة على الساحة اليمنية، من خلال الاتصالات المكثفة التى تجريها على أعلى المستويات وعلى مدار الساعة مع كافة الأطراف المعنية، مع تأكيد أنها لن تألو جهدا فى مواصلة اتصالاتها المستمرة مع الأشقاء فى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومع الجانب اليمنى وباقى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية للعمل على خفض التصعيد، وبما يمهد إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة فى اليمن تحقق طموحات وتطلعات الشعب اليمنى الشقيق المشروعة فى مستقبل آمن ومزدهر وتدعم الأمن والاستقرار فى المنطقة، وعلى نفس النهج جاء بيان وزارة الخارجية فى 3 يناير الحالى، بالإعراب عن قلق مصر من مخاطر التصعيد المحتمل وانعكاساته على أمن واستقرار اليمن الشقيق، وما قد يترتب عليه من تداعيات تمس أمن المنطقة برمتها، وتجديد موقفها الثابت الداعم لوحدة وسيادة وسلامة أراضى الجمهورية اليمنية، وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، وصون مقدرات الشعب اليمنى الشقيق، وأنتقديم حلول شاملة تعالج جذور الأزمة هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع وتحقيق تطلعات اليمنيين فى الأمن والاستقرار والتنمية.

وبنفس النهج القويم تعاملت الدولة المصرية مع الأزمة السودانية، وهذا ما جعل خطوطها الحمراء الأربعة التى أعلنتها مؤخرا مقدرة من الجميع، لأنها هى الأساس المتين الذى تتحرك فى ضوئه القاهرة منذ 2019 وحتى الآن، وهى الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني، وعدم السماح بانفصال أى جزء من أراضى السودان، والرفض القاطع لإنشاء أى كيانات موازية أو الاعتراف بها باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه، وتأكيد الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع المساس بهذه المؤسسات، وكلها مسارات لحل الأزمة انطلقت من ثوابت الموقف المصرى الراسخ كالجبال، الصلب كالفولاذ، لا تزحزحه ألاعيب المتآمرين، ولا تهزه مؤامرات خونة الأوطان، ويكفى هنا لفت الانتباه إلى ما قاله الرئيس السيسى بوضوح خلال قمة مجلس السلم والأمن الإفريقى فى مايو 2022، بحضور عدد من رؤساء الدول والحكومات الأفارقة، بالإضافة إلى رئيس «مجلس السلم والأمن»، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقى، وأمين عام جامعة الدول العربية، وسكرتير عام منظمة «الإيجاد»، ومبعوثة سكرتير عام الأمم المتحدة للقرن الإفريقى، ويتمثل فى أهمية التوصل لوقف شامل ومستدام لإطلاق النار وبما لا يقتصر فقط، على الأغراض الإنسانية، مع وجوب الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية فى السودان، والتى تعد العمود الفقرى، لحماية الدولة من خطر الانهيار بحكم أن النزاع هناك يخص الأشقاء السودانيين ودور مصر والأطراف الإقليمية، مساعدتهم على إيقافه، وتحقيق التوافق حول معالجة الأسباب، التى أدت إليه فى المقام الأول، خصوصا أن التداعيات الإنسانية للأزمة السودانية تتجاوز حدود الدولة وتؤثر على دول الجوار، التى يتعين التنسيق معها عن قرب، ومحطات المساندة والدعم المصرى للأشقاء من أجل إنهاء خلافات لا تحصى ولا تعد.

وعلى نفس المنوال قدمت مصر الجهود المتواصلة، وقادت المساعى المستمرة لحل الأزمة الليبية منذ تصاعد أحداثها فى 2011، وانخرطت بقوة فى مسارات التهدئة، مع الدفع فى اتجاه الحشد الدولى للوقوف فى مواجهة خطر التنظيمات الإرهابية، حتى لا تكون معاول هدم الدولة وتقسيمها، وفى ذات الوقت لم تدخر جهدا فى دعم المؤسسات الليبية، وحماية الحدود المشتركة لقطع الطريق على محاولات التنظيمات الإرهابية لتحويل الأراضى الليبية إلى قاعدة للتمدد فى شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء ثم أوروبا مع المطالبة الحثيثة بضمان سيادة ليبيا، وحماية ثروات شعبها، فضلا عن جولات التفاوض مع الأطراف الليبية للم الشمل، ووحدة الصف، لأن البديل هو مصير مجهول، وطريق لا يمكن العودة منه، وبالفعل ما يحدث على الأرض يوميا برهان ساطع على صواب سياسة الاتزان المصرية مع امتلاك القدرة على حماية الأمن القومى فى كل الظروف.

أما عن حرب غزة، وما أكدته من اتزان القرار المصرى فحدث ولاحرج، فبعد عامين من الإبادة الإسرائيلية، والجرائم ضد الإنسانية التى كشفت عورة الازدواجية الغربية والأمريكية، وفضحت بلطجة حكومة الاحتلال على رؤوس الأشهاد، وغياب القدرة الأممية على مواجهة مجرم الحرب نتنياهو وعصابته، بينما تمسكت مصر بثوابتها الوطنية، وأفشلت مخطط التهجير الذى أكد الرئيس السيسى استحالة حدوثه فى محافل دولية عدة وعلى رأسها قمة القاهرة للسلام عندما قال نصا: «أؤكد للعالم بوضوح ولسان مبين، وبتعبير صادق، عن إرادة وعزم جميع أبناء الشعب المصرى فردًا فردًا: إن تصفية القضية الفلسطينية، دون حل عادل، لن يحدث وفى كل الأحوال «لن يحدث على حساب مصر»، وهو ما تحقق كضوء الشمس، بتوقيع اتفاق إنهاء الحرب فى قمة شرم الشيخ للسلام، وحقق فيه المفاوض المصرى نصرا مبينا، والله يؤيد بنصره من يشاء.

حمى الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

    كلمات البحث
  • الرئيس
  • الدولة
  • السيسي
  • مصر
  • اليمن

أخبار الساعة

الاكثر قراءة