رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«مصر ليست وطناً نعيش فيه بل وطن يعيش فينا»


7-1-2026 | 17:26

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

«أحرامٌ على بلابله الدوحُ

حلالٌ للطير من كلِّ جنس؟»

بيت شعر من أشعار أمير الشعراء، طيب الذكر، أحمد شوقي، يلخص حالة طائفة من مروّجى الإحباط فى الفضاء الإلكتروني، الذى يصب كالمطر الأسود فى الفضاء العام.

 

 

ما إن تذكر كلمة طيبة عن الوطن، حتى يتولوها بالإجهاض، الذى يترجم إحباطًا، وتحبيط معنويات، وتثبيط همم، ما يحزن المحبين لأغلى اسم فى الوجود.

أنت بتقول مصر، يبقى أنت اللى قتلت بابايا، على طريقة الجميلة شويكار، اللى يقول «بِمّ» على قلبه و«زِمّ»، لا يدعون فرصة لمن يقول قولًا جميلًا، أو يرى الوجود جميلًا.

ربنا ابتلانا بطائفة من المحبطين، لا يرون فيها جمالًا، وهؤلاء لا يرتضون ولا يرضون، وغادروا مربع الشكر منذ زمن، ولا يكتفون من الكيد والحطّ على رءوس المحبين الأصلاء المخلصين.

***

من مأثورات إمام الساخرين، طيب الذكر، الساخر العظيم أحمد رجب: «أمدح وطنى ويشتموني.. خيرٌ مليون مرة من أن أشتم وطنى ويمدحوني».. كله يهون فى محبة وطن يستحق.

والذاكرة تستدعى بيت الشعر الذائع فى العنوان أعلاه لأمير الشعراء أحمد شوقي، من قصيدته المعروفة بـ«سينية أحمد شوقي»، يقول: «أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس؟».

أمير الشعراء شوقي، كما الساخر الجميل أحمد رجب، كانا يردّان عن الموالين غلوّ الرافضين، تلطفًا لا أقول الكارهين، فإذا ما ارتأى صاحب منصة فضائية أو إلكترونية أو صحفية ما يراه، فله ما يراه، وقد تختلف معه، وترفض ما يخطه، وتكتب ما تراه (أنت) صوابًا، والاختلاف فى الرأى لا يفسد للود الوطنى قضية.

المنهج العاقل الراشد مؤدّاه: «رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب»، وهذه منسوبة للإمام الشافعي، وهناك أخرى عن الفيلسوف الفرنسى فولتير تقول: «قد أختلف معك فى الرأي، ولكنى مستعد أن أدفع حياتى ثمنًا لحقك فى التعبير عن رأيك».

مثل هذه القواعد الحوارية، للأسف، مفتقدة فى الحوار المجتمعي، وأكثر وضوحًا بين النخب المسيّسة. حوارات النخب ملؤها الترهيب، والتخوين، والتوصيف المهين، فهذا عميل، وهذا مرتشٍ، وهذا دولجي، وهذا كولجي، وهذا مخبر، وهذا جاسوس، وهكذا تتناثر الاتهامات كمياه النار، حارقة تشوى الوجوه.

لم تبرأ الساحة الحوارية الوطنية من أمراضها المزمنة والسارية، الاغتيالات المعنوية وصفة مجرّبة، فزاعة لكل صاحب رأى يعتقده صوابًا، وتجرأ وأعلنه على الناس.

نهج قنوات الإخوان العقور فى إشاعة سمعة المتصدّين لكذبهم البواح، يرهبون الموالين وحتى المعارضين بسلقهم فضائيًا وإلكترونيًا بألسنة حداد.

***

ومن قديم، ففى النصف الأول من القرن الثاني، نجد عبدالله بن المقفع يقول: «من وضع كتابًا فقد استهدف؛ فإن أجاد فقد استشرف، وإن أساء فقد استُقذف»، وروى عن أبى عمرو بن العلاء أنه قال: «الإنسان فى فسحة من عقله، وفى سلامة من أفواه الناس، ما لم يضع كتابًا، أو يقل شعرًا»، خلاصته، كما قال العميد طه حسين: «من ألّف فقد استهدف»!!

الاستهدافات صارت مشاعًا، وأكثرها شيوعًا تهمة «مطبلاتي»، وفى المعجم: طبّالة، طِبالة، حرفة الطبال، بمعنى يهوى الطِّبالة، ورغم تقدم فنون الموسيقى فما زالت للطبالة مكانتها، ولكنها فى الكتابة منكورة، وإذا تقرر اغتيال كاتب يصفه المهين الذى لا يكاد يبين بـ«المطبلاتي».

مثل طلقة واحدة بين العينين، فيخرّ صريعًا فى الفضاء الإلكتروني، كالقنبلة القذرة تُطلق فى أثر كل من يفكر مجرد التفكير فى الإشارة إلى منجز، أو لمعلَم، أو لقرار يُرتجى منه نفعًا!

من حزن السنين السوداء، نفر من المتنفذين إلكترونيًا عيّنوا أنفسهم من تلقاء أنفسهم «مراقبًا عامًا»، رقيبًا عتيدًا، مهمته البائسة عنوانها «أمسك مطبلاتي»، مثل «أمسك حرامي»، وكلتاهما وصف مكروه. ومن معانى القرآن الكريم كراهة أكل لحم الموتى، والأحياء أيضًا.

***

المحبون لأغلى اسم فى الوجود جدّ ممتحنين فى حبهم، لن يرضى عنهم الإخوان والتابعون، وكل حرف يكتبونه تحت المجهر، وكأنهم يحصون على الموالين أنفاسهم فى الصدور.

ربنا ابتلانا بطائفة من الحاقدين الذين يعمهون فى ظلام أنفسهم، الوطن فى معتقدهم حفنة من تراب عفن، وشعارهم المنكور «طز فى مصر»، كما قال كبيرهم الذى علمهم السحر، إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين ولا يستثنون منها صرحًا أو بناية.

خطورة هؤلاء فى مواليهم من الموالسين وطنيًا، مثلهم مثل المخاتلين فى فتنة مقتل عثمان بن عفان رضى الله عنه، ما أشار إليه الصحابى الجليل أبو هريرة رضى الله عنه: «الصلاة مع على أتم، والأكل مع معاوية أدسم»، فهم يصلّون معنا الجمعة، ويسهرون أمام شاشات رابعة وأخواتها، ويتلذذون بوجبة مسمومة مصنوعة فى أقبية مسحورة.

مخطط ترهيب الوطنيين ممنهج ومستدام، يلقفون كل محب من حلقه، يصادرون الكلمة الطيبة، ويبخسون كل منجز، وينامون على ثأر، ويستبطنون انتقامًا، وينقمون على وطن يعيشون فيه، ولا يفقهون قول بابا العرب، البابا شنودة الثالث، نيّح الله روحه:

«مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا».

    كلمات البحث
  • حرام
  • حلال
  • أمير
  • الشعراء
  • طائفة

أخبار الساعة

الاكثر قراءة