رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التسامح طريق السلام


7-1-2026 | 17:22

.

طباعة
بقلم: القس أندريه زكى

فى زمنٍ يزداد فيه الاحتقان، ويعلو فيه صوت العنف فى أماكن عديدة فى العالم، يعود سؤال السلام إلى الواجهة بإلحاح: كيف يمكن للإنسان أن يصنع سلامًا حقيقيًّا فى عالمٍ مثقل بالجراح؟

 

يقدم إنجيل متى فى الإصحاح الثامن عشر مدخلًا عميقًا للإجابة، حين يربط السيد المسيح بين التسامح والغفران، لا بوصفهما فعلين أخلاقيين منفصلين، بل باعتبارهما الطريق العملى لصناعة السلام واستعادة إنسانية العلاقات.

ينطلق التعليم من سؤال يبدو بسيطًا طرحه بطرس، تلميذ المسيح: « كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إلى أَخِى وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إلى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟». افترض بطرس أن الغفران له سقف، وأن التسامح يمكن تنظيمه بالأرقام. لكن رد المسيح جاء غير متوقع: «لاَ أَقُولُ لَكَ إلى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إلى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ». هنا لا يضع المسيح رقمًا جديدًا، بل يهدم منطق العدّ نفسه، وينقل الغفران من كونه استثناءً إلى كونه أسلوب حياة.

لكى يُترجَم هذا المبدأ إلى واقع ملموس، يروى المسيح قصةً أو مثلًا، لتبسيط الفكرة للمستمعين، فيحكى عن شخص أُعفى من دَيْنٍ هائل، لكن نفس هذا الشخص الذى أُعفِى عجز عن التسامح فى دَيْنٍ صغير له على أحد الأشخاص الآخرين. فى هذا المثل، لا يُقصد التركيز فقط على خطيئة عدم الغفران، بل على الأثر المدمر لغياب التسامح فى العلاقات الإنسانية. فالشخص الذى لم يَرحم، لم يدمّر غيره فقط، بل أغلق على نفسه باب السلام، وعاد أسيرًا للخوف والقسوة والعقاب.

التسامح، فى جوهره، ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الحق، بل هو قرار واعٍ بكسر دائرة العنف الرمزى والداخلى. والغفران ليس محوًا للذاكرة ولا تبريرًا للإساءة، بل هو تحرير للقلب من سجن الضغينة. ومن هنا، يصبح الغفران أداة لصناعة السلام، لا مجرد فضيلة شخصية. فسلام الإنسان الداخلى ينعكس حتمًا على محيطه، وغيابه يتحول إلى توتر وعداء ممتد.

وهنا تتجلى دلالة الميلاد. فالميلاد المسيحى ليس حدثًا احتفاليًا عابرًا، بل إعلان إلهى بأن السلام ممكن فى عالمٍ مضطرب. الطفل الذى وُلد فى مزود، فى سياق سياسى واجتماعى مضطرب، جاء حاملًا رسالة «السلام على الأرض»، والغفران والمصالحة.

إن ربط التسامح بالميلاد يضعنا أمام سؤال عملى مع دخولنا إلى عام جديد: كيف نريد أن يكون؟ هل نريد أن نظل مثقلين بحسابات الماضى، أم محرَّرين منها؟ فالسنة الجديدة ليست مجرد تبديل فى التقويم، بل فرصة لإعادة ترتيب الداخل. ولا يمكن للإنسان أن يبدأ جديدًا وهو يحمل أثقال خصومات قديمة، لأن ما لم يُغفر بالأمس، سيقيّد الغد.

التسامح إذًا ليس خيارًا هامشيًّا، بل ضرورة وجودية. فهو شرط لبناء سلام مستدام، سواء داخل الأسرة، أو فى المجتمع، أو حتى على مستوى الوطن. والتاريخ الإنسانى يعلّمنا أن المجتمعات التى عجزت عن التسامح، عجزت عن التعافي. أما تلك التى امتلكت شجاعة الغفران، فقد استطاعت أن تفتح مسارات جديدة للحياة.

من هنا، يصبح تعليم المسيح دعوة مفتوحة لكل إنسان: أن يتحول من متلقٍّ للغفران إلى صانع للسلام. فكما نطلب لأنفسنا بداية جديدة، نُدعى أن نمنح الآخرين فرصة للبداية. وكما نرجو أن يغفر الله لنا ما لا نُحصيه من أخطاء، نُدعى أن نكف عن إحصاء أخطاء الآخرين.

ومع ذكرى الميلاد والعام الجديد، يبقى السؤال مطروحًا بصدق: هل نريد حقيقيًّا مبنيًّا على التسامح والمصالحة والغفران؟ إن طريق السلام يبدأ من القلب، ويمر عبر التسامح، ويتجسد فى الغفران. هكذا فقط يتحول الميلاد من ذكرى، والعام الجديد من رقم، إلى حياة جديدة بالفعل.