فى لحظة فارقة من مسار الاقتصاد المصري، لم يعد شعار «صُنع فى مصر» عبارة ترويجية، بل تحول إلى مشروع دولة ورهان وطنى على الصناعة بوصفها قاطرة النمو الحقيقي. فبين طموح الوصول إلى 145 مليار دولار صادرات، وخطط واضحة لتوطين الصناعات الاستراتيجية وفتح أسواق عالمية جديدة، تقترب مصر بثبات من إعادة رسم خريطة وجودها الصناعى إقليميًا ودوليًا.
ومع عام 2026 الذى تضعه الحكومة كنقطة تحول مفصلية، تتسارع الخطوات من البنية التحتية إلى المجمعات الصناعية، ومن نقل التكنولوجيا إلى دعم المنتج المحلي، ليصبح الحلم أقرب إلى واقع ملموس؛ منتج مصرى قادر على المنافسة، وصادرات تتجاوز الأرقام التقليدية، واقتصاد يستند إلى التصنيع لا الاستيراد.
الجهود المبذولة فى هذا السياق تجسدت فى حزمة من القرارات والإجراءات التحفيزية الهادفة لدعم القطاع الصناعي، فى مقدمتها منح «الرخصة الذهبية»، إلى جانب إنشاء وتطوير وتوفير المرافق لنحو 17 منطقة صناعية فى مختلف محافظات الجمهورية. غير أن التحول الأبرز تمثل فى إطلاق «الاستراتيجية الوطنية للصناعة» منذ أكثر من عام، والتى تمتد حتى عام 2030، وتستهدف تحقيق جملة من الأهداف، على رأسها رفع مساهمة القطاع الصناعى فى الناتج المحلى الإجمالى إلى 20 فى المائة بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 14 فى المائة حاليًا. ويتزامن ذلك مع التوسع فى إقامة المدن والمجمعات الصناعية، وتوفير بيئة صناعية متكاملة لتحقيق أعلى مستويات الجودة، فضلًا عن جهود الدولة فى نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الحديثة.
وقبل تدشين هذه الاستراتيجية، وعلى مدار نحو عقد من الزمان، شرعت مصر فى تنفيذ مسار شامل للتنمية الصناعية، أسهم فى تقدمها 11 مركزًا فى مؤشر تنوع الصناعات المحلية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، لتحتل المركز الـ34 عالميًا عام 2024، مقارنة بالمركز الـ45 فى عام 2021. ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الفرعية لمؤشر الابتكار العالمي.. ويأتى هذا التقدم بالتزامن مع إشارات إيجابية من وكالة «فيتش»، التى أكدت أن المنتجات المصرية المصنعة محليًا باتت أكثر تنافسية فى الأسواق الخارجية، ما دفع العديد من الشركات إلى التوسع فى وجودها الصناعى داخل السوق المصرية.
من جانبه، يرى المهندس عمرو أبوفريخة، عضو المجلس التصديرى للصناعات الهندسية أن توجه الدولة نحو توطين الصناعات يعد خطوة محورية، موضحا أن الحكومة استثمرت فى بناء بنية تحتية قوية منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكم عام 2014، وهو ما جعل مصر من أبرز الدول الإفريقية فى مجالى الطرق والموانئ، وبدأت نتائجه تنعكس بوضوح فى زيادة الاستثمارات الأجنبية بقطاع الصناعة، مشيرا إلى أن الاستثمارات التى ضختها الدولة خلال السنوات العشر الماضية أسهمت فى ربط المدن الصناعية بكل احتياجاتها عبر شبكة طرق ونقل عملاقة وبنية تحتية متطورة.
ويشير إلى أن الدولة نجحت فى تعميق سياسة التوطين وجذب الاستثمارات الأجنبية من خلال تحقيق ربط فعّال بين محافظات الصعيد والمدن الساحلية، بالتوازى مع استثمارات ضخمة فى الموانئ أسهمت فى استقطاب كبرى الخطوط الملاحية العالمية، متوقعا وصول حجم الصادرات المصرية إلى نحو 150 مليار دولار بحلول عام 2031، منوها إلى أن الصادرات مرشحة للنمو بمعدل يصل إلى 20 فى المائة سنويًا خلال السنوات الخمس المقبلة، فى ظل اقتراب الصادرات المصرية من مستوى 53 مليار دولار بنهاية العام الجاري.
ويلفت إلى أن مصر تعمل على سد احتياجاتها من خامات قطاع المنسوجات، متوقعًا تحقيق اكتفاء ذاتى يصل إلى 90 فى المائة من هذه الخامات خلال السنوات العشر المقبلة.
ويوضح بلال شعيب الخبير الاقتصادي، أن الدولة المصرية تتحرك بخطى ثابتة وواضحة المعالم فى ملف الصناعة بشكل عام، وصناعة السيارات بشكل خاص، بدليل اتجاه الدولة لبدء تصدير السيارات فى 2026 وإنتاجها محليا، وفق حديث الفريق كامل الوزير، لافتًا إلى أن مصر تعمل على أن تكون بوابة الدخول للسوق الأفريقية، وبالتالى ستعيد تجربة دول رائدة فى صناعة السيارات والإطارات، مثل ماليزيا وكوريا والصين واليابان.
ويضيف أن الدولة وضعت حلولا جذرية وسارعت إلى توطين الصناعة الوطنية خاصة السيارات، للتخلص من الخلل الهيكلى فى الميزان التجاري، الناتج عن ارتفاع قيمة الفاتورة الاستيرادية لمصر، التى تجاوزت حاجز 90 مليار دولار سنويا، فى حين أن حجم صادراتنا لا تتجاوز 40 مليار دولار سنويًا.
ويوضح شعيب أن حجم استيراد مصر من السيارات يتخطى حاجز 5 مليارات دولار سنويًا، بما يعادل 10 فى المائة من حجم الفاتورة الاستيرادية، وقد بدأت الدولة فى توطين صناعة السيارات من خلال رعايتها لإقامة شراكات تجارية بين المستثمرين المحليين والعالمين، وكان من أهم نتائج زيارة رئيس مجلس الوزراء الماليزى الأخيرة لمصر، افتتاح مصنع للسيارات بالتعاون مع علامة تجارية عالمية، ومستثمر محلى يعمل فى توزيع نفس العلامة.
من جانبه، يرى المهندس محمد البهى، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات، أن خطة الحكومة لزيادة الصادرات المصرية إلى 145 مليار دولار عام 2030 قابلة للتحقيق، إذ بدأت الحكومة منذ سنوات بعدد من الإصلاحات لخدمة الصناعة والتوسع الرأسى والأفقي، لافتا إلى أن التيسيرات لا تمثل حلًا جذريا، بقدر ما تعد تأجيلا زمنيًا قصير المدى بالنظر إلى واقع الصناعة الحالى بمصر وما يواجهه القطاع من تحديات معقدة.
ويوضح أن المشروع الصناعى يمر بمراحل متعددة تتطلب وقتًا وسيولة مالية كبيرة، بدءًا من الدراسات الفنية والتصميمات، مرورا بأعمال الإنشاءات وتوفير الآلات والمعدات والخامات، وصولا إلى تشكيل الهيكل الإدارى وتشغيل العمالة وتدريبها، ثم الدخول فى مراحل الإنتاج والتسويق واستخراج التراخيص والسجلات اللازمة لاسترداد التكلفة الاستثمارية.
يصف علاء السقطى، رئيس الاتحاد اتحاد مستثمرى المشروعات الصغيرة والمتوسطة، عام 2025 بأنه عام الطفرة الإنتاجية الحقيقية للصناعة المحلية، مؤكدًا أن الإنجازات المحققة على أرض الواقع تتجاوز بكثير ما تعكسه الإحصاءات الرسمية، موضحا أن نمو الصناعة المحلية لم يعد مجرد أرقام فى تقارير، بل أصبح واقعًا ملموسًا على أرفف المحال التجارية والمراكز الكبرى، حيث أصبح لكل منتج مستورد تقريبًا بديلا مصريا منافسا فى الجودة والسعر، ما يعكس تحسنًا نوعيًا فى قدرات المصانع المحلية، مشيرا إلى أن عام 2025 شهد اتجاهًا قويا من العلامات التجارية العالمية إلى تأجير خطوط إنتاج داخل مصانع مصرية لتصنيع منتجاتها محليًا، وهو ما يعبر عن ثقة متزايدة فى البنية الصناعية المصرية.
ويتوقع السقطى أن يشهد عام 2026 قفزة أكبر فى نسب التصدير الصناعي، خاصة نحو الأسواق العربية والأفريقية، إلى جانب توسع العلامات العالمية فى التصنيع التعاقدى داخل مصر بدلًا من الاستيراد، وزيادة الاستثمارات فى التكنولوجيا الصناعية وخطوط الإنتاج الحديثة، مع تحسن مؤشرات التشغيل وخلق فرص عمل مستدامة، وتحول مصر إلى مركز إقليمى للصناعات متوسطة التكلفة فى عدد من القطاعات.