عندما نقف على أعتاب عام جديد، نشعر وكأننا نقف بين شاطئين متقابلين: شاطئ عبرناه وتركنا عليه آثار أقدامنا بما حملته من أفراح مُبهجة وجراح موجعة، من لحظات انتصار مشرقة وانكسارات أثقلت أرواحنا… وشاطئ آخر ممتد أمامنا، لم تطأه أقدامنا بعد، لكنه يحمل فى طياته رجاءً خفيًا بأن تكون بدايته أطهر وأصدق وأكثر إنسانية. إن وداع سنة مضت ليس حدثًا عابرًا، لأن كل عام يرحل يأخذ معه جزءًا من ذاكرتنا، ومن صلواتنا، ومن تعب أيامنا. سنة 2025 طُويت صفحتها إلى الأبد، وانضمت إلى سجل الزمن، حاملة معها حلوها ومرّها، آلامها وآمالها، أفراحها وأتراحها، أغانيها ومراثيها. أما نحن فلا يزال أمامنا غدٌ جديد نتطلع إليه بشوق أن يكون أكثر إشراقًا، وأن يفتح لنا أبوابًا جديدة للنعمة والنضج والنمو. وها هى سنة 2026 تقف على الأبواب. لا تطلبوا من السنة أن تكون الأفضل… اطلبوا من أنفسكم أن تكونوا أنتم الأفضل فيها: الأفضل فى محبتكم، فى عطائكم، فى تسامحكم، فى قدرتكم على صناعة السلام. فالسنوات لا تتغير إلا بالأرقام، أما نحن فبإمكاننا أن نتغير، نتجدد، ننضج، ونصبح أشخاصًا أفضل فى أعماقنا. لقد كتب هومر رود هيبر كلمات شديدة الصدق حين قال: "ما الذى يثقل قلبى عند غروب الشمس؟.. إنها ليست الأعمال التى أعملها طوال النهار، بل الأشياء التى لم أعملها". كم من المرات عبرت أيامنا دون أن نقول كلمة حنونة كما نحتاج أو يحتاج غيرنا أن يسمعها؟ كم من رسالة كان يجب أن نكتبها ولم نكتبها؟ وكم من زهرة كان ينبغى أن نرسلها لمريض فتركنا الأمر حتى فات الأوان؟ كم من حجر كان بإمكاننا أن نرفعه عن طريق أخٍ لنا، لكننا انشغلنا؟ كم من لمسة حانية لم نمنحها؟ كم من مشورة طيبة كتمناها؟ وكم من فرصة ذهبية لنكون ملائكة رحمة لأحدهم… ضاعت لأننا كنا أسرى الانشغال؟ هذه الأمور الصغيرة، التى تبدو غير مهمة فى لحظتها، هى التى تثقل قلوبنا عند غروب كل يوم، وتجعلنا نشعر بأن حياتنا عبرت دون أن نملأها بالمعنى. وفى رسالة الوداع الشهيرة للروائى الكولومبى العظيم جابريل جارسيا ماركيز، وهو على فراش المرض، كتب يقول: "لو شاء الله أن يهبنى حياة أخرى، فإننى سأستثمرها بكل قواي… سأنام قليلًا وأحلم كثيرًا، لأنى أدرك أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعنى خسارة ستين ثانية من النور". يا لها من دعوة لليقظة! أن نفتح أعيننا على قيمة اللحظة، على نعمة اليوم الواحد، على جمال التفاصيل التى تمر أمامنا دون أن نتوقف لها. وتأتى كلمات مارى جين أريون لتذكرنا بقيمة اليوم العادى، الذى نستهين به: "يا يومى العادى، ليتنى أفطن إلى الكنز الذى فيك… لا تدعنى أميل عنك بحثًا عن غدٍ نادر الكمال… دعنى أضمك ما دمت فى متناولى، فقد يأتى يوم أفتش فيه عنك فلا أجدك." كم من الأيام العادية ظننا أنها لا تستحق الاهتمام، ثم اكتشفنا لاحقًا أنها كانت أجمل مما كنا نتصور! عزيزى القارئ… إن دقات قلب المرء تقول له: إن الحياة دقائق وثوانٍ. لكن الحكمة ليست فقط فى أن نضيف سنين إلى حياتنا، بل أن نضيف حياة إلى سنواتنا، ونورًا إلى أيامنا، ومحبة إلى قلوبنا. وقفة مع النفس… ماذا تعني؟ تعنى أن أسأل نفسى بصدق لا يعرف التجميل: هل كنت قريبًا من الله أم بعيدًا؟ هل كنت صانع سلام أم سبب جرح؟ هل رفعت معنويات الآخرين أم أثقلت قلوبهم؟ هل نطقت بكلمات تُحيى أم بكلمات تُطفئ الروح؟ أن أعترف بأخطائى دون أن أبررها… وأن أسلِّم الماضى لله القادر وحده أن يشفيه ويجدده. وأن أضع قلبى بين يديه وأقول : "قلبًا نقيًا اخلق فى يا الله." إن استقبال عام جديد ليس مجرد صوت مفرقعات ولا أمنيات تُكتب على بطاقات ملونة، بل هو لحظة مقدسة نقف فيها أمام الله وأمام ذواتنا. هو دعوة هادئة تقول لنا: اهدأ قليلًا… راجع الطريق… رتّب أفكارك… حرّر قلبك من الأثقال… وابدأ من جديد. لا تحمل ثِقَل الماضى إلى عامك الجديد. لا تسمح للإساءات أن تبقى ضيفًا فى قلبك. سامح… ليس لأن مَن أساء إليك يستحق، بل لأن قلبك يستحق أن يتحرر. اغفر… لأن الله غفر لك أولًا. عام جديد يعني: فرصة جديدة، نَفَسًا جديدًا، صفحة بيضاء، قلبًا قادرًا أن يحب من جديد. وعندما نشعر أن الأحداث تضغط علينا، وأن الضيق يُرهق أرواحنا، فلنتذكر كلمات الشاعر التركى العظيم ناظم حكمت، الذى كتب وهو فى سجنه: "أجمل الأنهار لم نرها بعد… أجمل الكتب لم نقرأها بعد… أجمل أيام حياتنا لم تأت بعد!" ما أجمل هذا الرجاء الذى يفتح نافذة على المستقبل، ويقول: القادم أجمل… طالما أن الله حاضر فى الطريق. عزيزى القارئ الكريم… بين يديك عام جديد، فاحمله بالمحبة، وزيّنه بالخير، واملأه بالسلام. ليكن عامًا تنمو فيه إنسانيتك، وتتسع فيه رحمتك، وتزداد فيه قدرتك على رؤية الله فى كل إنسان، وفى كل لحظة، وفى كل يوم. وكل سنة، وكل السنة، وأنتم بخير وسعادة وسلام