رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«بابا المحبة»: تواضروس الثاني.. وسنوات من المواقف الوطنية


7-1-2026 | 17:23

.

طباعة
تقرير: أحمد جمعة

سنوات من المواقف الوطنية المشهودة، والانحياز للوطن مهما كانت الأحداث، وصد كافة المؤامرات التي تحاك لهدم النسيج المجتمعي، جعلت من قداسة البابا تواضروس الثاني بطركًا استثنائياً في عمر الكنسية المصرية، بوصفه أحد أبرز الرموز التي لعبت دورًا وطنيًا فاصلًا منذ عام 2012 وحتى الآن، وهي سنوات اختُبرت فيها صلابة الدولة المصرية، وتعرض نسيجها الاجتماعي لمحاولات تفكيك غير مسبوقة، قبل أن تشهد استقرارًا لأركان الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، وتنطلق معها الجمهورية الجديدة، وتأتي مواقف البابا تواضروس في إطار رؤية وطنية واعية، تنطلق من فهم عميق لطبيعة الدولة المصرية، ويُعلى من «المحبة» كشعار دائم في حديثه وتوجيهاته. في قلب العواصف التي ضربت مصر منذ عام 2012، وقفت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية مع البابا تواضروس الثاني موقفًا وطنيًا صلبًا، لا يتبدل بتبدل اللحظات ولا يخضع لحسابات السياسة الضيقة، متسلحة بتاريخ ممتد من الانحياز للدولة الوطنية، ومدركة أن بقاء الوطن مقدم على أي اعتبارات أخرى.. ولم يكن موقف الكنيسة يومًا منفصلًا عن المزاج العام للمصريين، بل معبر عنه، فقد اختارت أن تكون سندًا للاستقرار في زمن الاضطراب، وصوتًا للعقل في لحظات الاستقطاب الحاد. ومع تولي البابا تواضروس الثاني الكرسي المرقسي في نوفمبر 2012، دخلت الكنيسة مرحلة دقيقة من تاريخها وتاريخ البلاد، فرضت عليها أن تكون حاضرة في لحظة الخطر، وصريحة في لحظة القرار، وثابتة حين اهتزت كثير من المواقف. لم يسع البابا تواضروس إلى دور سياسي، ولم يتحدث يومًا بلغة السلطة، لكنه قرأ المشهد بعين رجل دولة، يعرف أن ما جرى بعد 2011 لم يكن صراع على الحكم، بل محاولة لاختطاف هوية الدولة المصرية نفسها.. ومنذ الأيام الأولى لحكم جماعة الإخوان الإرهابية، بدت ملامح القلق واضحة في خطاب الكنيسة، التي رأت مبكرًا محاولات لتديين السياسة، وتفكيك مفهوم الدولة الجامعة، وفرض منطق الغلبة بدلًا من منطق الشراكة الوطنية. وعندما تصاعدت الأزمات في 2012 و2013، وتزايد الاحتقان المجتمعي، لم تنكفئ الكنيسة على ذاتها، ولم تختبئ خلف جدران الأديرة، بل خرجت إلى المجال العام دفاعًا عن مبدأ الوطن لا مبدأ الجماعة أيا كانت هذه الجماعة، ليأتي موقفها واضحًا في دعم إرادة المصريين الذين خرجوا بالملايين في ثورة 30 يونيو، رفضًا لحكم فشل في إدارة الدولة، وسعى لاختزالها في جماعة وتنظيم. وفي اللحظة الفارقة من تاريخ مصر الحديث، ظهر البابا تواضروس في مشهد الثالث من يوليو 2013، إلى جوار رموز الدولة الوطنية، معلنًا دعم الكنيسة لخارطة الطريق، لا بوصفها انحيازًا لطرف، بل باعتبارها استجابة لإرادة شعبية جارفة، وخطوة ضرورية لإنقاذ الدولة من الانزلاق إلى الفوضى أو الحرب الأهلية.. ليؤكد حضوره رسالة واضحة بأن الكنيسة جزء أصيل من النسيج الوطني، وأنها لا تقف على الحياد حين يكون الوطن مهددًا. تعرضت الكنائس عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة لسلسلة من الهجمات الإرهابية غير المسبوقة، أُحرقت ودُمرت عشرات الكنائس والأديرة في محافظات عدة، في محاولة لمعاقبة الأقباط على موقفهم الوطني.. ورغم فداحة الجراح، جاء رد البابا تواضروس كاشفًا لعمق الرؤية الوطنية، حين أعلن بوضوح أن «وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن»، وأن دماء المصريين جميعًا أغلى من أي مبان، وأن الحفاظ على الدولة أولوية لا مساومة عليها.. وركز البابا على الصلاة من أجل سلامة البلد، مشدداً أن «همه الأول أن تبقى مصر آمنة» رغم الألم الذي عاشته الكنيسة. وقتها قال البابا: «حاولت التهدئة بكل محبة وكنت أحاول ألا يقوم أى شخص مسيحى بعمل أحمق فى وقت نسعى فيه لسلام وأمن مصر فى المرتبة الأولى، فأمن وأمان مصر فى المقدمة ولن يعوض، واستطعت احتواء الأمر». وعلى المستوى الدولي، لعب البابا تواضروس دورًا وطنيًا مهمًا في الدفاع عن صورة مصر، خاصة في السنوات التي أعقبت 2013، حين تعرضت الدولة لحملات تشويه واسعة، حيث حرص خلال زياراته الرعوية للولايات المتحدة وأوروبا، على تقديم رواية متماسكة عما جرى في مصر، بوصفها ثورة شعبية مكتملة الأركان، وأن مصر تواجه إرهابًا منظمًا يستدعي مساندة الدولة في مواجهته. خلال السنوات التالية، واصلت الكنيسة دعمها الصريح لمسار بناء الدولة، وساندت جهود مكافحة الإرهاب، ورفضت أي محاولات لإثارة الفتنة الطائفية.. وفي كل حادث إرهابي استهدف مسيحيين أو مسلمين، كان خطاب البابا تواضروس ثابتًا، مطلقا عبارته الشهيرة: «أنه حال أحرقت الجماعات الإرهابية الكنيسة سنصلي مع إخوتنا المسلمين في المسجد، وحال حرق المساجد سنصلي معًا في الشارع»، وهو خطاب قائم على المحبة والإيمان بالدولة، وثقة في مؤسساتها، وإصرار على وحدة الصف، ما دفع هذا الخطاب للعب دور محوري في إفشال مخططات الجماعات المتطرفة التي راهنت على جر البلاد إلى صراع طائفي. كما دعمت الكنيسة مسار الإصلاح وبناء الجمهورية الجديدة، وشاركت في كل الاستحقاقات الوطنية، من الانتخابات إلى الاستفتاءات، مؤكدة أن المشاركة السياسية واجب وطني، وأن العزوف يفتح الباب أمام قوى لا تؤمن بالدولة.. وفي المحافل الدولية، حمل البابا تواضروس صورة مصر الحقيقية، دولة التنوع والتعايش، مدافعًا عن قضاياها، وشارحًا طبيعة ما واجهته من إرهاب منظم استهدف الدولة والمجتمع معًا. الكنيسة في عهد البابا تواضروس لم تكن يوما منفصلة عن واقعها، بل تجاوبت معه، وحاولت تغييره متى استدعت الحاجة، ولعل تفاعل قداسة البابا مع قضايا المجتمع كاشفة عن اتصاله الوثيق بقضاياه، حيث حذر في أكثر من مرة من «السوشيال ميديا» معتبرا إياها «سلاح ذو حدين مثل السكين يمكن استخدامه بشكل صحيح او خاطئ»، مشددا على ضرورة توجيه برامج توعية للشباب حول الاستغلال الأمثل للوقت، مكررا أن «السوشيال ميديا فى حالة الاستخدام الخاطئ قد تدمر مجتمعات، وانه يجب ان يتم توعية الشباب ان السوشيال ميديا لا تجعل الإنسان يدخل السماء». وفي الأزمات الإقليمية التي تحيط بمصر، كان للبابا تواضروس موقف راسخ بمساندة التوجه الوطني للدولة المصرية، وهو ما تجلى في دعوة البابا كافة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، ودعاة السلام فى كل العالم إلى دعم الحق التاريخى للشعب الفلسطينى فى إقامة دولته، وبذل قصارى الجهد لإحلال السلام فى الدول والمناطق التى تعانى من التفكك والصراعات ويهددها مصير مجهول، مشددا على مساندة موقف الدولة المصرية الرافض للدعوة إلى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، لما فى ذلك من ظلم لهم، وإهدار للقضية الفلسطينية. وفي أعياد الميلاد، تظل للبابا تواضروس دعوة ثابتة: «نرفع قلوبنا من أجل سلام مصرنا الحبيبة، ومن أجل كل المتألمين والمجروحين، ونصلي من أجل أن يمنح الله السلام لكل العالم، ولكل أماكن الصراع والحروب»، مؤكدًا أن «مصر محروسة في قلب الله، ولدينا ثقة أنها ستعبر كل الأزمات، وستكون دائما في مقدمة الأمم».