لم تعد زيارة رئيس الجمهورية إلى الكاتدرائية المرقسية فى عيد الميلاد حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تحوّلت، مع مرور السنوات، إلى مشهد راسخ فى الوعى العام، ينتظره كثير من المصريين، ويتابع تفاصيله مسيحيون بمشاعر متباينة، تجمع بين التقدير والاهتمام والتأمل فى دلالاته الأوسع. فبين منْ يحرصون على متابعة الزيارة لحظة بلحظة عبر شاشات التلفزيون، ومنْ يفضّلون مشاهدتها لاحقًا، وبين منْ يحلمون بالمشاركة فى قداس كنيسة ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، تتشكّل رؤى مختلفة حول معنى الحضور الرئاسي، ودور الدولة فى ملف تقنين الكنائس، وأثر ذلك على الإحساس بالمواطنة. فى هذا السياق، ترصد "المصور" شهادات لمصريين مسيحيين من أعمار ومهن مختلفة، يعبّر كل منهم عن رؤيته الخاصة لهذه الزيارة، وما تمثّله له شخصيًا ووطنيًا. يرى ماهر بطرس فهيم، محاسب قانونى فى أواخر الخمسينيات من عمره، فى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى للكاتدرائية تقليدًا ثابتًا لم يعد مفاجئًا، لكنه لم يفقد رمزيته، بالعكس تزداد عاما تلو الآخر. يقول إنه اعتاد متابعة الزيارة عبر التلفزيون فى بثها المباشر، لا بدافع الفضول، بل بدافع الشعور بأن هذا المشهد بات جزءًا من طقس العيد نفسه بالنسبة له، فحضور الرئيس السيسى فى قلب الاحتفال الكنسى يحمل رسالة واضحة تتجاوز الكلمات، مفادها أن الدولة حاضرة، وأن العيد لم يعد شأنًا خاصًا بطائفة، بل مناسبة وطنية. ويضيف ماهر، أن ما يهمه ليس الخطاب الرسمى بقدر ما يهمه الاستمرار، فالثبات فى نظره، هو ما يمنح الزيارة معناها الحقيقي. ويشير إلى أن متابعة الرئيس لا تتوقف عند الكاتدرائية فقط، بل تمتد إلى الاهتمام بملف تقنين الكنائس، الذى يراه أحد الملفات الشائكة التى شهدت تطورًا ملموسًا خلال السنوات الأخيرة، ولا ينكر أن الطريق ما زال طويلًا، لكنه يقدّر وجود آلية واضحة تُعلن نتائجها بشكل دوري، معتبرًا أن تقنين الكنائس لم يعد وعدًا عامًا، بل مسار إدارى يتحقّق تدريجيًا فى عهد الرئيس السيسي. زيارة الرئيس السيسى للكاتدرائية ينظر نادر جرجس حنّا، مدرس تاريخ بالمرحلة الثانوية، إلى زيارة الرئيس من زاوية تربوية وثقافية، ويقول إنه لا يحرص دائمًا على متابعة الزيارة فى وقتها المباشر، لكنه يشاهدها غالبًا فى اليوم التالي، بعد أن تهدأ ضوضاء الاحتفال، ويصبح المشهد أكثر قابلية للتأمل بالنسبة له، وأهمية الزيارة تكمن فى كونها وثيقة حيّة تُضاف إلى تاريخ العلاقة بين الدولة والكنيسة فى مصر الحديثة. ويرى أن الأجيال الجديدة ستتعامل مع هذا المشهد باعتباره أمرًا طبيعيًا، وربما لا تدرك كم كان غيابه لافتًا فى فترات سابقة، ولذلك، يحرص أحيانًا على مناقشة طلابه فى معنى الرموز السياسية والاجتماعية، دون تحميل الحدث أكثر مما يحتمل، ودون إنكار عظيم أثره فى تعزيز الإحساس بالمشاركة الوطنية. وعن كنيسة ميلاد المسيح فى العاصمة الإدارية الجديدة، يقول نادر إنه ينظر إليها بوصفها علامة معمارية ورمزية فى آنٍ واحد، ولا يخفى رغبته فى حضور قداس العيد هناك يومًا ما، لكنه يدرك أن الاختيار يخضع لترتيبات كنسية وأمنية دقيقة، موضحا أن المشاركة فى هذا الحدث، حتى وإن كانت عبر الشاشة، تمنحه شعورًا بأن الكنيسة لم تعد محصورة فى نطاق جغرافى أو تاريخي، بل جزء من مشروع عمرانى جديد يحمل دلالات سياسية وثقافية فى عهد الرئيس السيسي. يتعامل "نادر" مع ملف تقنين الكنائس بعين المؤرخ، فيقارن بين ما كان وما هو قائم، ويؤكد أن الاعتراف الرسمى بالمشكلة ثم التعامل معها عبر لجان معلنة وقرارات دورية، يُعد تحوّلًا مهمًا وعظيما فى مسار الدولة المصرية، حتى وإن ظل التطبيق العملى متفاوتًا من مكان إلى آخر. من زاوية مختلفة، تتحدّث إيرينى وديع شحاتة، صاحبة مشروع صغير فى مجال المشغولات اليدوية، عن علاقتها بزيارة الرئيس للكاتدرائية، قائلة إنها تحرص على متابعة الزيارة فى وقتها المباشر كل عام، معتبرة أن هذا المشهد يمنحها شعورًا بالاطمئنان. لا تنظر إلى الحدث باعتباره سياسيًا فقط، بل إنسانى أيضًا، وترى أن الكلمات القليلة التى تُقال، وطريقة الاستقبال، والحرص على الحضور الشخصي، تحمل دلالة لا يمكن تجاهلها. وتشير إلى أن كنيسة ميلاد المسيح فى العاصمة الإدارية تمثّل لها حلمًا مؤجلًا، فقد زارتها أكثر من مرة فى أيام عادية، لكنها تتمنى أن تحضر قداس العيد فيها، لا من باب التميّز، بل من باب المشاركة فى لحظة تشعر أنها جامعة، وتؤكد أن اختيار الكنيسة لأشخاص بعينهم للحضور مع البابا والرئيس لا يثير لديها حساسية، بل تفهمه فى إطار التنظيم، معتبرة أن المشاركة الرمزية لا تقل قيمة عن الحضور الفعلي. وفيما يتعلّق بتقنين الكنائس، تتحدث إيرينى من واقع تجربة شخصية حيث شهدت قريتها تقنين كنيسة كانت تعانى أوضاعًا قانونية معقّدة لسنوات، وترى أن هذا الملف، رغم بطئه أحيانًا، أحدث فارقًا حقيقيًا فى حياة الناس، ليس فقط من الناحية القانونية، بل من حيث الشعور بالأمان والانتماء للوطن. كنيسة ميلاد المسيح يتعامل مينا فؤاد رزق، مهندس مدنى فى منتصف الثلاثينيات، مع زيارة الرئيس للكاتدرائية بعين عملية، ويقول إنه لا يحرص دائمًا على متابعتها لحظة بلحظة، لكنه يتابع مقاطع مختارة وتحليلات لاحقة، بالنسبة له الأهم من المشهد، هو ما يترتّب عليه من سياسات وإجراءات. ويعتبر أن كنيسة ميلاد المسيح فى العاصمة الإدارية تمثّل إنجازًا هندسيًا ومعماريًا قبل أن تكون رمزًا دينيًا، ويعبّر عن إعجابه بفكرة أن تكون الكنيسة جزءًا من تخطيط مدينة جديدة، لا إضافة هامشية لها، ويقول إنه لا يشعر بالحاجة الملحّة للمشاركة فى قداس العيد هناك، لكنه يقدّر فكرة وجود هذا الخيار، ويرى فيها رسالة ضمنية بأن الكنيسة جزء أصيل من المشهد الوطنى العام. وفى تقييمه لدور الدولة فى تقنين الكنائس، يتحدّث "مينا" بلغة الأرقام والوقائع، ويشير إلى أن الإعلان السنوى عن عدد الكنائس التى تم تقنينها، حتى وإن بدا للبعض إجراءً روتينيًا، يعكس التزامًا رسميًا بالملف، ويرى أن الأهم من التقنين هو استدامته، وربطه بخطط عمرانية واضحة، حتى لا تتكرّر الأزمات نفسها مستقبلًا. وتعد الأعياد المسيحية فى الوعى المجتمعى لحظات كاشفة لطبيعة المجتمع وتحولاته، ومرآة صادقة لعلاقة الإنسان بالزمن، فالعيد فى جوهره ليس حدثًا ثابتًا، بل تجربة تتشكّل وفق السياق الاجتماعى والاقتصادى والثقافى الذى يعيش فيه الإنسان، لذلك يختلف العيد من جيل إلى آخر، ليس لأن معناه تبدّل، بل لأن طريقة تلقّيه تغيّرت. يرى المقدس أنطوان فؤاد، المعلّم المتقاعد البالغ من العمر اثنين وسبعين عامًا، فى العيد ذكرى ممتدة أكثر منه يومًا محددًا. وبالنسبة له، كان العيد زمنًا يُنتظر، لا مناسبة تُستهلك، ويقول إن الاستعداد للعيد كان جزءًا أصيلًا من معناه، وإن الأيام التى تسبقه لم تكن أقل أهمية من يوم العيد نفسه، وكان الصوم والصلاة، والاشتراك الكنسي، تمهيدًا طبيعيًا لفرح هادئ لا يحتاج إلى مظاهر صاخبة. ويتذكّر كيف كانت الكنيسة محور الحياة الاجتماعية، وكيف كان العيد مناسبة للقاء الحقيقي، لا المجاملة السريعة، وكانت الزيارات تمتد لساعات، والحديث لا ينفد، والفرح يُقاس بالقرب لا بالكثرة، وفى رأيه لم يكن العيد قديمًا مرتبطًا بوفرة الإمكانيات، بل بندرتها، وهو ما منح الفرح صدقه وبساطته، ويؤكد أن ما يشعر به جيله اليوم ليس رفضًا للحاضر، بل شوق إلى ذلك الإحساس بالمعنى، الذى كان يجعل العيد مختلفًا عن باقى الأيام. كيف تغيرت الأعياد المسيحية؟ على مسافة زمنية أقرب، تقف الأستاذة مريم نبيل، الموظفة الحكومية والأم، التى تنتمى إلى جيل انتقالى عاش طرفًا من الماضى بكل دفئه ويعيش الحاضر بكل تعقيداته، وترى أن الأعياد المسيحية لم تتغيّر فجأة، بل تغيّرت تدريجيًا مع تغيّر نمط الحياة، فالعائلة التى كانت تجتمع تلقائيًا، أصبحت اليوم بحاجة إلى تنسيق مسبق، والوقت الذى كان متاحًا، صار موزّعًا بين العمل والالتزامات. وتروى أن العيد فى طفولتها كان مرتبطًا بالبيت أكثر من أى مكان آخر، وكان حضوره ملموسًا فى التفاصيل اليومية، أما اليوم، فقد صار العيد أقرب إلى محطة قصيرة وسط زحام الأيام، ورغم ذلك تحاول الحفاظ على جوهره داخل أسرتها، مدركة أن أبناءها يعيشون واقعًا مختلفًا تمامًا، فهم يسمعون منها عن أعياد سابقة وعن اللمة والإحساس بأن العيد كان حدثًا استثنائيًا، لكنهم لا يعيشون التجربة ذاتها. هذا التناقض ينعكس بوضوح على الأطفال، الذين يعيشون أعيادًا مليئة بالوسائل الحديثة للفرح، لكنهم يفتقدون شيئًا لا يستطيعون تسميته، ليس نقصًا فى اللعب أو الهدايا، بل شعور بأن الزمن نفسه يتباطأ من أجل العيد، يسمعون عن أعياد كانت البيوت فيها مفتوحة طوال اليوم، وكانت الزيارات غير محسوبة بالدقائق، وكان الفرح جماعيًا لا فرديًا. تقول مريم: يحلم الأطفال اليوم بعيد يشعرون فيه بالاختلاف الحقيقي، وقت أطول مع العائلة، واهتمام مباشر، وتجربة تُعاش لا تُوثَّق فقط بالصور، الفقد هنا ليس مادّيًا، بل وجداني، مرتبط بطبيعة الحياة الحديثة التى جعلت العيد أقرب إلى محطة سريعة منه إلى مساحة زمنية مفتوحة. يمثل المهندس جورج سامح، فى الثلاثين من عمره، صوت جيل الشباب الذى كثيرًا ما يُساء فهمه، ويرفض الفكرة القائلة إن الشباب ابتعدوا عن العيد، معتبرًا أن ما تغيّر هو لغة التعبير عن الفرح، لا الحاجة إليه، العيد بالنسبة له فرصة للهروب المؤقت من ضغوط العمل، وللقاء الأصدقاء، وللبحث عن تجربة تمنحه إحساسًا بالراحة. يرى "جورج" أن الفارق بين عيد الشباب وعيد الكبار يكمن فى الإيقاع، فالشباب يعيشون فى عالم سريع ويبحثون عن فرح يتناسب مع هذا الإيقاع، لا يعنى ذلك أنهم لا يقدّرون العمق، بل يجدون صعوبة فى التوقّف طويلًا، معترفًا بأن العيد يمر أحيانًا سريعًا، لكنه يظل ضرورة نفسية أكثر منه طقسًا تقليديًا. وتأتى ندى أشرف، الطالبة الجامعية ذات التسعة عشر عامًا، لتعبّر عن الجيل الأصغر من الشباب، وهى ترى فى العيد فرصة للخروج من الرتابة، لكنها تعى أن العيد لم يعد يحمل الثقل الذى كان يحمله فى الماضي، فهى تسمع كثيرًا من أهلها عن أعياد قديمة وتشعر بحنين إلى زمن لم تعشه، لا بدافع الرفض للحاضر، بل بدافع الفضول والرغبة فى الاختبار وتذوق ما كان فى أيام ماضية. وتركّز "ندى" على اللحظة وعلى الشعور السريع بالفرح، لأن الزمن لا يمنح فرصة أطول وإن بدوا أقل ارتباطًا بالأشكال التقليدية للاحتفال، فإنهم لا يفتقدون الرغبة فى الفرح، بل يبحثون عنها بوسائل مختلفة، مبتكرين طرقًا جديدة للتعبير عن العيد. وبين ذكريات الكبار وحنينهم إلى زمن أبطأ، وبين صغار يبحثون عن الفرح فى لحظة، وبين شباب يعيدون تشكيل العيد وفق إيقاعهم، وبين متابعة حضور الدولة فى الكاتدرائية وتقنين الكنائس، يتضح أن الأعياد المسيحية فى مصر لم تفقد معناها بل إنها باتت مساحة مشتركة للتلاقى بين الأجيال والدين والسياسة والمجتمع، تتجدد بمرور الزمن، وتكتسب أبعادًا اجتماعية ووطنية ومعمارية جديدة، محافظة على جوهرها الروحى وفى الوقت نفسه متفاعلة مع التحولات المعاصرة.