رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المواطن كيو آر كود «QR Code»


28-8-2025 | 14:12

.

طباعة
بقلم: إيمان رسلان

منذ أسابيع قليلة، كنت فى زيارة بالساحل الشمالى لإحدى القرى الشهيرة، التى يُطلق عليه «الساحل الشرير»، ومع كل خطوة منى يطلب «qr كود» والذى يتغير يوميا. وقبلها، كنت أصطحب حفيدتى إلى أحد النوادى الجديدة، وكان الدخول أيضا «qr كود» ومعها بصمة الوجه، وقبلهما كنت فى الجامعة لإنهاء بعض الأوراق، وفوجئت أن كل ورقة تُقدم لا بد لها من دخول منفصل على «qr كود»، وليس الدخول مرة واحدة مجمعة.. وفى أغلب الأماكن الآن التى تجلس بها فى المقاهى، أقصد -الكافيهات- تجد «المنيو» أُلغى وأصبح بالـ«qr كود»؛ فقررت توخيًا للحذر أن أعمل «qr كود» لنفسى، واضعة على شعرى، كتاج مكتوب عليه: «مواطن بلا كود» والكود لله. وخوفا من أن يأتى يوم العقاب، فأجد نفسى المطلوب منى «qr كود»، وهذا صحيح، فالباركود صحيفة أسماء حديثة، فكل إنسان معلّق من باركوده.

 

أخذتنى وقائع التشابه بين الباركود، أى دليل الاستخدام والمنشأ، والرقم الذى يسجل على كل منتج من الملابس، إلى الأدوات الصحية والمنزلية والدوائية، قبلها فى النشرة التى تُوزع معها، إلى القول بأننى أصبحت أنا الأخرى من معشر الإنسان مخترع التكنولوجيا، فأصبحت منتجا مستحدثا بالباركود، أى مواطن باركودى تماما.

ولكن المدهش جدا هو استحداث وتغيير «الباركود يوميا» وكأنى سأتغير خلال الليل؟!، وهذا ما حدث معى فى الساحل، فيوميا يتغير الباركود، وطبعا «س،ج» بقى، ولا يعتد بأى شيء آخر، حتى لو كان كارنيه الدخول نفسه.

ويواجهنا منع حاسم قاسم بالقول، وبكلام من فصيلة «من غير باركودك يا باى باى»، وباركودك قديم مرّ عليه 24 ساعة وأصبح خارج الصلاحية ومنتهى الاستعمال يا مواطنة، وكله كلام بابتسامة مهذبة من العاملين بشورت وفانلة وباركود وأنا مثلهم بشورت وفانلة وموبيل، وذلك للحد من استعمال الشاطئ إلا للمالك. أما حماته مثلا فيمكن لا تدخل ولن نقول الأصدقاء، يعنى سيادتك تشترى وحدة وتقعد بالباركود بتاعك تغنى ظلموه لأن الزيارات محدودة وبإذن باركودى مسبق للبلاج، طيب يا أهل الخير والتسويق ومكالمات أنصاص الليالى، هل أشترى مكانا وأتواجد به كمان، أم أغنى ظلموه بالباركود، واتغير يا ميينز؟

حاولت أتتبع القصة والأصول الشاطئية للعمر الافتراضى الباركودى، وأصل وفصل وابن مين فى الدنيا وبحارها ودولها لقصة ومزاج تغيره اليومى، وما هى الدعاوى أو المبررات الشرعية أو الاستجمامية لها؟

فوجدت أنها موضة، ابتكرتها إحدى القرى الشهيرة بعد أن اشترتها، ثم بالضرورة، وبمحاولات التقليد لهذا النمط المستحدث، قلدنا هذا السلوك فأصبحت كل القرى تفعّل باركود يوميا. الغريب أننا شعب عشرى، ويحب اللمة والعزوة في الأقارب والأحباب، ولسنا شعبا من مختلف الجنسيات، فيجب أن نضع الضوابط للتعامل ومعرفة الأصل والوافد -أقصد المالك- وأفصله عن أمه وأخيه، هذه البدع التى بدأت بكارنيه، والآن تطورت لشيفرة يومية متغيرة، خوفا من من يأخذ مالك وأسرته مثلا شوية رمل فى جيبه فتنهى القرية أو يحول موجة تجرى وراء الموجة، وتصبح من الازدحام موجتين وراء موجتين، ويخلص البحر والهوى هواى ابنيلك باركود عالى مع الاعتذار لحبيبى عبدالحليم حافظ وحينما توغلت فى الأسئلة -الله يقطعها- وجدت إجابات أن العدد والازدحام كبير على البحر، أو أن المستأجرين زاد عددهم، يعنى كبار المطورين والرأسماليين يبيعون بالملايين، وكمان لا يريدون زيارات أو تفعيل حق المالك في تأجير مسكنه وعجبى وبحجة أن الشاطئ محدود المساحة. والمدهش أن الملاك، أصحاب المصلحة، لا يعترضون، فهل هذه سمات الملاك الجدد من الرأسمالية الجديدة والفيو تطوير عقارى ومحاولة تغيير نمط اللمة والعطلة والعلية تحت أسماء وأوهام التميز والتفرد؟، فمثل هذه الأنماط التى تتوغل الآن عبر ربما ثقافات مختلفة، فإنها تزيد من تعميق الفردية والانعزالية التامة والتى تكرسها أيضا تطور التكنولوجيا.

لا أخفى أن فكرة الباركود نفسها هى فكرة متطورة من الكارنيه للدخول لأماكن محددة ولأعضاء فقط. أى منع الغرباء والمتطفلين، ولكن تغييره اليومى المستمر يحمل مضامين أخرى، تشبه ما نراه فى الأفلام من دخول المناطق الحساسة، فهل أصبح البحر والقرى التى نمتلكها مناطق حساسة؟، بالتاكيد لن أتكلم عن الحق الإنسانى فى البحر أو النيل، وأن هذا له ضرورة نفسية وفكرية للإنسان، كما كتب د. عاطف معتمد أستاذ الجغرافيا فى مقال له مؤخرا، وأن الحق فى البحر والنيل مثل الحق فى الهواء، ولكن توقفت عند تعبير كتبه أن البحر يدعو إلى التفكير، فهذا حقيقى تماما، فهل المقصود كسر حدود التفكير والتأمل وخاصة فرضية اللانهائية والحقيقة أن فكرة الكيو ار كود تحمل ضمنيا جدل العلم والفلسفة والأفكار والتغيرات المستقبلية وحدود الملكية الخاصة والعامة بين المواطن بالكود أو الكيو ار كود، أو ومواطن QR code.. اللهم يجعل كلامنا خفيف ومبروك ومدخول كمان على حاملى الباركود وسنينه.

 

الاكثر قراءة