فى ظل التحولات الجذرية التى يشهدها العالم فى القرن الحادى والعشرين، وفى عالم متغير يهيمن عليه الصراع على الموارد، والمعلومات، والسيطرة التقنية، لم يعد الفضاء الخارجى مجرد ساحة مفتوحة للاستكشافات السلمية والعلمية، بل تحول إلى ساحة جديدة للصراع والتنافس بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، مع تزايد إدراك الدول لأهميته الاستراتيجية. ويبقى السؤال: إلى أى مدى تزيد الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية من خطر نشوب حرب نووية؟ وما الذى يمكن فعله للتخفيف من هذا الخطر؟
لم يعد الفضاء صامتًا، بل أصبح ساحة متوترة لتحركات جديدة من قبل الدول. فبدلًا من البث المعتاد، شاهد الأوكرانيون لقطاتٍ لاستعراض موجات من الدبابات والجنود والأسلحة تُبث من موسكو. أظهرت هذه الهجمات السيبرانية القوة العسكرية الروسية، وأن ساحة معركة القرن الحادى والعشرين تمتد إلى ما هو أبعد من البر والبحر والجو، بل أيضًا إلى الفضاء الإلكترونى والخارجي.
يُسلط اختطاف قمر صناعى يُقدم خدمات تلفزيونية لأوكرانيا، مؤخرًا من قِبل قراصنة، الضوء على التهديد المتزايد للحرب السيبرانية فى الفضاء. لذلك عادت قضية تسليح الأقمار الاصطناعية إلى الواجهة بقوة، وما يرتبط بذلك من تهديدات، منها مهاجمة الأقمار الأخرى، والتدخل فى الاتصالات، وحتى تنفيذ عمليات عسكرية من الفضاء.
يُعد استهداف قمر صناعى وسيلة فعالة لإحداث شلل واسع دون إطلاق رصاصة. ويمكن تنفيذ ذلك عبر اختراق أنظمة الحماية البرمجية أو قطع الاتصالات بين القمر والأرض. وقد يكون لتعطيل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية آثار مدمرة، إذ تؤثر على كل شيء بدءًا من نظام تحديد المواقع العالمى “GPS” وصولًا إلى العمليات العسكرية وسلاسل التوريد الاقتصادية. والأعداد المتزايدة من الأقمار الصناعية فى المدار، التى تصل إلى أكثر من 12 ألفًا، تجعل الفضاء نقطة ضعف حرجة للأمن القومى للدول، وهدفًا رئيسيًا لأى طرف يتطلع إلى تقويض اقتصاد الخصم أو استعداده العسكرى – أو لتوجيه ضربة نفسية مثلما فعل المتسللون عندما قاموا باختطاف إشارات التلفزيون فى أوكرانيا.
ولذلك تصاعدت التهديدات والمخاطر من عودة تسليح الأقمار. ويُعد أحد المخاوف الرئيسية هو تطوير الأسلحة النووية الفضائية، حيث إن هناك تقارير تُفيد بأن روسيا تطور سلاحًا مُضادًا للأقمار الاصطناعية قادرًا على حمل رؤوس نووية، والذى تقول الولايات المتحدة إنه سينتهك معاهدة الفضاء الخارجى لعام 1967. ويمكن لهذه الأسلحة أن تجعل المدار المنخفض غير قابل للاستخدام لفترة طويلة. وإذا استُخدم، فستكون التأثيرات مدمرة، فمن المحتمل أن تكون الولايات المتحدة وحلفاؤها عرضة لاضطرابات اقتصادية وعسكرية كبيرة. ومن شأن مثل هذا السلاح أن يُطلق العنان لسباق تسلح فضائى جديد. كما تُدخل إمكانية استغلال الموارد فى الفضاء – مثل استخراج المعادن من القمر والكويكبات – عنصرًا جديدًا من المنافسة. ويتزايد السباق لتأمين هذه الموارد مع سعى الدول إلى استغلال تقنيات ومصادر طاقة جديدة. فالقمر غنى بالهيليوم-3، وهو وقود محتمل للاندماج النووي، مما يجعله هدفًا جذابًا للصراعات المستقبلية.
تسعى الولايات المتحدة، والصين، وروسيا إلى وضع خطط لمبادرات فضائية، بما فى ذلك محطات نووية على القمر. ومن المرجح أن يُسرع الوجود المتزايد للذكاء الاصطناعى من وتيرة هذه المنافسة. وإذا كانت نهاية الحرب الباردة قد أوقفت زخم السباق الفضائى لفترة، فإن التوجهات الحالية تشير إلى عودة حادة للمنافسة مدفوعة برؤية تحول استغلال الموارد الفضائية من فكرة خيالية إلى هدف استراتيجى ملموس. وبلا شك كانت الهيمنة الأمريكية فى الفضاء بارزة لعقود بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي. وقد أُنشئت قوة الفضاء الأمريكية فى عام 2019 لحماية المصالح الأمريكية فى الفضاء والدفاع عن الأقمار الصناعية من هجمات الخصوم. والآن هى تُركز على شن حرب فى الفضاء، وهناك سببان لذلك: النمو الهائل فى اعتماد الجيش الأمريكى على الأقمار الصناعية، وتكثيف التهديدات الفضائية. بينما زادت الصين من إطلاق أقمارها الصناعية ثمانية أضعاف منذ عام 2015، متجاوزةً روسيا فى العمليات الفضائية. وقد سبق للدولتين، إلى جانب الهند، اختبار أسلحة مضادة للأقمار الصناعية فى الفضاء. ففى عام 2021، أجرت روسيا واحدة من أبرز تجارب الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية وأكثرها إثارة للجدل، وذلك بتدمير قمرها الصناعى السوفيتى القديم فى مداره.
وفى هذا السياق، حلل الدكتور أشرف سنجر، خبير السياسات الدولية بقطاع أخبار الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، لـ«المصور» أن الاختراق الذى حدث فى أوكرانيا أمر كبير، وهذه تُعد حربًا نفسية استطاعت فيها موسكو أن تنقل رسالة مباشرة إلى كييف بأنها قادرة على أن تدخل قرصنة مباشرة على القمر الصناعى الأوكراني.
وأضاف أن التأثير النفسى كبير وعظيم فى هذه المعركة. فالمعارك السيبرانية أدانها ما فعلته موسكو بالقرصنة وبث مباشر لعرض عسكرى لها، بينما الأكثر تأثيرًا هو الدمار الذى يمكن أن يلحق بالبنية التحتية، كتعطيل الطائرات، وإيقاف مصادر الطاقة، ومحطات الوقود، وذلك ينجم عنه خسائر بمليارات الدولارات. وأشار الدكتور سنجر إلى أن الدول تسعى لتطوير البنية السيبرانية الأمنية للحفاظ على معلومات الدولة وعدم إمكانية اختراق الخوادم ومراكز المعلومات التى تتحكم فى مفاصل الدولة. وهذه العملية مكلفة، والحماية السيبرانية أصبحت معقدة، وتتطلب بالتأكيد عملًا شاقًا ومحكمًا فى هذا الشأن.
وفيما يخص الاتفاقات الدولية التى تُجرم منْ يقوم بالعمليات السيبرانية، أوضح الدكتور سنجر أنه حتى الآن لم نسمع بأن هناك اتفاقية دولية يمكن أن يترتب عليها عقاب لمن يهاجم الخوادم أو يقوم بعملية سيبرانية على دولة أخرى. فالعمل السيبرانى أصبح مجالًا مفتوحًا بين الدول، صغيرها وكبيرها، فى هذا الفضاء المتسع الذى أصبح ساحة حرب قادمة بلا شك وساحة معركة جديدة بين القوى العالمية، باعتبار أن أدوات الصراع تغيرت من الحروب المباشرة إلى استخدام الهجمات السيبرانية بما لها من تأثير كبير وضار على اقتصاد الدولة وأمنها.
وتحدث الأستاذ طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن أمن الفضاء أصبح بالفعل ساحة لهذه المعارك الجديدة بين القوى العالمية، ولم يعد البر والبحر والجو فقط، وإنما امتد إلى الفضاء الخارجى وتلك الهجمات السيبرانية. لذلك تبحث الدول عن تقنيات دفاعية جديدة، وقوات فضائية، وتعاون فى مجال الحماية السيبرانية.
فقد حدث أكثر من مرة الدخول على محطات وبث صور، وهذا يدل على الاختراق الأمني. وأضاف أن هذه الحرب السيبرانية حرب جديدة، وأتصور أن العالم عليه أن يضع قوانين مستجدة تنظم هذه العلاقات. فالهجمات فى الفضاء الخارجى أصبحت تسبب الكثير من الأضرار، خاصة أن العالم يعتمد على الأقمار الصناعية فى المراقبة والملاحة والأمور العلمية والاستكشافات، فتحول ذلك إلى ساحة للحرب ومجال للتنافس. أتصور بالفعل أن هذه هى المعركة الجديدة بين القوى العالمية.
