قيام الحوثيين بضرب بعض المنشآت البترولية السعودية، وتحديدًا أنبوب «شرق وغرب» الذى يقوم بتصدير نحو 7 ملايين برميل يوميًا من النفط عبر قناة السويس أو أنبوب «سوميد»، يعنى المزيد من التأثير السلبى على الملاحة فى قناة السويس، وتوقف العمل فى أنبوب سوميد.
بل إن الآثار سوف تتجاوز ذلك، بالتأثير السلبى المفرط على تشغيل ميناء العين السخنة ومن قبلها ميناء سفاجا على البحر الأحمر.
وإذا ما توقفت الملاحة بشكل كامل نتيجة إغلاق باب المندب، وتوقف حركة الملاحة الدولية فى البحر الأحمر، فإن ذلك سيؤثر بالسلب على حركة الاستثمار فى المنطقة الاقتصادية بقناة السويس، خاصة الاستثمارات الصينية وغيرها من المشروعات التى يأتى إليها معظم الخامات والمكونات من المصانع الآن فى الصين أو من بقية دول جنوب شرق آسيا.
وإذا ما طال الصراع فى اليمن، بين الحوثيين وبقية القوى خاصة السعودية، وبشكل يؤدى إلى التحكم فى حركة الملاحة فى باب المندب ومن ثم الشلل التام للملاحة فى البحر الأحمر، سوف تكون الآثار خطيرة، ليس على مصر فحسب، بل على كافة دول العالم والتى سوف تدفع فاتورة هذه الأزمة، ليس على ارتفاع أسعار الزيت الخام والغاز الطبيعى فقط، بل على كافة مكونات التجارة الدولية، التى سوف تغير مسارها حتمًا، ما يعنى ارتفاع درجة المخاطرة، وبالتالى ارتفاع التكلفة على كافة دول العالم، ومن بينها مصر.
وعندما نقول سوف تكون هناك آثار خطيرة على كافة دول العالم، ومن بينها مصر، لأننا أصبحنا فى مشهد عبثى ما بين إغلاق مضيق هرمز، والشروع فى إغلاق باب المندب من قِبل الحوثيين.
هذا المشهد العبثى الذى لا يمكن أن نتنبأ بموعد نهايته، لأننى أعتقد أن صُناع هذا المشهد الخطير، سواء الرئيس الأمريكى ترامب وحكام إيران، وفى الخلف رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو، يخططون إلى ما هو أسوأ من ذلك.
وهذا التخطيط الغبى لم يؤدِ إلى سقوط العالم فحسب، لأن العالم لن يسقط بل سوف يدفع فاتورة هذا الذى يحدث، لأن الكل سوف يبحث عن خطط إنقاذ لكى لا يسقط، ولن تتوقف عجلة الحياة انتظارًا عما سيسفر عنه انتهاء هذا المشهد العبثى بين إيران وأمريكا، وبين الحوثيين والسعودية، ومحاولات إيقاف الملاحة فى البحر الأحمر؛ فالكل سوف يتحرك، الأمر الذى جعلنى أتساءل فى أول هذا المقال، «ماذا نحن فاعلون؟».
وهذا السؤال المشروع لأنه إذا ما توقفت حركة الملاحة فى البحر الأحمر نتيجة تحكم الحوثيين فى باب المندب، والذى نتمنى ألا يحدث لابد أن يكون لدى الحكومة المصرية رؤى وخطط بديلة للحفاظ على حيوية حركة الاقتصاد المصرى فى كافة المجالات، والتى نشهدها بوضوح فى السنوات الأخيرة.
وعندما نقول ذلك، فليس هذا من فراغ لأننا شهدنا الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة «البريكس» التى عُقدت مؤخرًا فى الهند، يلتقى كافة الرؤساء المشاركين فى هذه القمة، بمن فيهم الرئيس الإيرانى، للبحث عن مخرج لوقف هذا التصعيد الذى يضر بكافة دول العالم، كما شاهدنا الرئيس السيسى يلتقى يقيادات كبرى الشركات الهندية ليدعوهم للاستثمار فى مصر.
فى الوقت نفسه، أرى الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء وعددا من الوزراء يتحدثون عن خطط وتحركات قوية لجذب الاستثمارات، سواء فى المنطقة الاقتصادية بالسويس أو غيرها من المناطق اللوجستية فى أنحاء مصر المحروسة.
وهذا شيء جيد، لكن لم أرَ رئيس الوزراء وغيره من الوزراء يتحدثون عن خطط التحرك فى حالة إذا ما تم إغلاق الملاحة فى البحر الأحمر، وكيفية النجاة من الآثار السلبية التى يمكن أن تلحق بالاقتصاد المصرى، وكأن الحكومة لا تسمع ولا ترى هذا الذى يحدث الآن فى باب المندب والبحر الأحمر، وكيفية تفادى تلك الآثار السلبية.
وهنا نبادر بالسؤال: هل ستنتظر الحكومة حتى ينتهى هذا الصراع الذى يحدث فى باب المندب، وهل ستتحرك إلى مسارات أخرى فى اتجاه دول الشمال الإفريقى وفتح قنوات إلى داخل إفريقيا وهل ستتجه بخطوات أكبر إلى أوروبا وإلى المزيد من التعاون مع تركيا وروسيا؟ وهل ستزيد من الحركة التجارية بشكل أكبر مع أمريكا خاصة فى استيراد الغاز الطبيعى المسال؟.. تلك أسئلة عاجلة لابد من الإجابة عنها، لأن الذى يحدث الآن يحتم على الحكومة تنويع مصادر النمو فى الاقتصاد المصرى، كما أكد ذلك الرئيس السيسى فى قمة «البريكس»، وعندما يقول الرئيس السيسى ذلك، فلابد أن تتحرك الحكومة بخطط للحد من التأثيرات السلبية لتلك الأحداث التى تحيط بنا الآن.
وهنا نسأل الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء: ألم يحِن الوقت لإنشاء العديد من المناطق اللوجستية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، البعيدة عن الصراعات التى نشهدها الآن، لتكون مناطق صناعية لجذب الاستثمارات العالمية سواء الصناعية أو البترولية والتوسع فى إنشاء المزيد من صوامع الحبوب على البحر المتوسط لاستقبال واردات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، والعمل على إنشاء مناطق لوجستية بترولية لتخزين الزيت الخام، والذى من الممكن أن يأتى من دول إفريقية عبر شبكة أنابيب مع العديد من الدول الإفريقية المنتجة للبترول، وأعنى أن تكون هناك منافذ بترولية على البحر المتوسط للدول الإفريقية، سواء لتخزين الزيت الخام أم لتصديره.
وبالفعل يمكن ذلك، وأن يعمل المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية ويضع تصورًا لذلك، خاصة أننا نرى أن هناك مشروعات عملاقة لحفر شبكة أنابيب لتصدير الغاز الطبيعى إلى أوروبا عبر الجزائر والمندب، فلماذا لا نفكر فى ذلك؟
وهنا أدعو إلى إنشاء أكثر من ميناء بترولى على البحر المتوسط، لتخزين الزيت الخام وإعادة تصديره، وعدم الاقتصار على ميناء الحمراء، الذى سوف يضم منطقة تخزين لشركة «الفجيرة- العلمين» التى أتمنى ألا يتأثر مشروعها بالأحداث الجارية فى مضيقى هرمز وباب المندب.
إننى أرى أن يكون من الدروس المستفادة أمام رئيس الوزراء أن تكون هناك رؤى جديدة لإنشاء العديد من المناطق الاستثمارية على البحر المتوسط، سواء فى الشرق أو الغرب، وعدم سيطرة المشروعات العقارية على كامل سواحل البحر المتوسط.
إن هذه الأحداث، تحتم على حكومة الدكتور مصطفى مدبولى أن يضع رؤى جديدة لاستغلال سواحل البحر الأبيض المتوسط فى كافة المجالات، ولا سيما أنه من الممكن إنشاء مناطق استثمارية مع العديد من الدول الإفريقية والأوروبية أيضًا، لجذب الكثير من الاستثمارات.
ولا يعنى ذلك أن نقلل من شأن المنطقة الاقتصادية فى خليج السويس، التى قال عنها الدكتور مصطفى مدبولى إنها منصة مصر العالمية للصناعة، لكن هذا لا يمنع وفقًا لرؤية الرئيس السيسى، أن يكون هناك تنوع لمصادر النمو للاقتصاد المصري.
كما أن هذه الأحداث والتى أضرت بالصادرات البترولية للسعودية ودول الخليج العربى، يمكن أن تمكن المهندس كريم بدوى وزير البترول والثروة المعدنية من طرح لمد شبكة أنابيب، لنقل صادرات الزيت الخام السعودى والخليجى، وكذلك صادرات الغاز الطبيعى عبر شبكة أنابيب عبر مصر، وأعتقد أن مصر لديها من مشروعات البنية الأساسية البترولية التى تساعد على ذلك، ولا يمنع هذا أن يعلن المهندس كريم بدوى رؤى عاجلة لعدم تأثر تشغيل خط سوميد بالأحداث الجارية.
كما أدعو المهندس كريم بدوى أن يطمئن المصريين بشفافية، عن خطط تأمين مراكب التغييز بميناء العين السخنة فى ظل هذه الأحداث، ليس هذا فقط، بل عليه أن يعلن خطط توفير الغاز المسال المستورد على مدار العام والتى تأتى صادراته من أمريكا بنسبة 80 فى المائة.
وإذا كان صيف 2026 قد شهد نجاحًا كبيرًا فى توفير الغاز الطبيعى، سواء من الإنتاج المحلى أو المستورد؛ فلابدّ أن يعلن وزير البترول بشفافية خطط توفير الغاز الطبيعى، سواء المستورد أو من الإنتاج المحلى لصيف 2027 والأشهر القادمة حتى فى فصل الشتاء.
فى الوقت نفسه لابد أن يعلن الفريق كامل الوزير وزير النقل الخطط والرؤى التى تجنب تأثر الموانئ المصرية التى تقع على البحر الأحمر من الأحداث الجارية وهل سيحدث تكامل بين حركة الموانئ المصرية التى تقع على البحر المتوسط بالموانئ التى تقع على البحر الأحمر مثل ميناء العين السخنة وميناء سفاجا.
وهل سيركز الفريق كامل الوزير على تشغيل أكبر لكافة الموانئ المصرية التى تقع على البحر الأبيض المتوسط فى مثل هذه الظروف، حتى لا تتأثر إمدادات مصر من مختلف السلع.
لابد أن تكون هناك رؤى من جانب الفريق كامل الوزير، لكيفية إدارة الموانئ المصرية فى مثل هذه الأحداث التى تهدد حركة الملاحة الدولية، وتحديدًا حركة الملاحة فى باب المندب والبحر الأحمر.
عندما حدثت أزمة كورونا من قبل، والحرب الروسية- الأوكرانية، وحرب إيران مع أمريكا وإسرائيل؛ كان الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء يبادر بتشكيل لجان وزارية لإدارة الأزمات وبما يضمن الحفاظ على حيوية الاقتصاد المصرى وعدم حدوث أية أزمات فى الإمدادات، فهل يفعل ذلك مع اقتراب الأحداث فى باب المندب والبحر الأحمر من تهديد مصالح استراتيجية للاقتصاد المصرى، حتى لا يتأثر انطلاق جذب الاستثمارات سلبيًا، والتأثير السلبى أيضًا على الإمدادات فى السوق المصري؟.. وقبل هذا وذاك وفى مثل هذه الأحداث لا بديل عن زيادة الاعتمادات على إمكانات الداخل.
وأعنى بشكل مباشر أن تعلن الحكومة عن خطط عاجلة خلال أيام لإعادة النظر فى التركيب المحصولى للزراعة، خاصة أننا اقتربنا من موعد زراعة القمح وإعلان أسعار جاذبة لزيادة مساحة محصول القمح وغيره من المحاصيل الاستراتيجية.
لابد من هذا بشكل عاجل وأن نعطى أولوية مطلقة للاهتمام بالزراعة والتركيز على المشروعات التى تتوفر خاماتها محليًا، مثل المشروعات التعدينية.
إنه -كما قال الرئيس السيسى- لابد من تنويع مصادر النمو، وهذا فى حد ذاته سوف يجنبنا نسبيًا تأثيرات الأحداث العالمية.
الآن لا بديل عن تنويع مصادر النمو.. فهل نرى الخطط والرؤى التى تحقق ذلك عاجلاً؟