رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

د. طارق فهمى: «الاستدارة شرقًا» تعزز نفوذ القاهرة


15-10-2026 | 13:20

الدكتور طارق فهمى.. أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

طباعة
حوار: أحمد جمعة

«مصر تصنع الأصدقاء وتنوع الشراكات».. بهذه العبارة يلخص الدكتور طارق فهمى، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، دلالات الجولة الآسيوية الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسى، التى شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، فى تحرك يعكس توجهًا مصريًا نحو توسيع دوائر العلاقات الدولية، وعدم الاكتفاء بالشراكات التقليدية.

ويرى «فهمى»، فى حواره مع «المصور»، أن الجولة تمثل خطوة جديدة فى مسار «الاستدارة شرقًا»، وبداية ما يصفه بـ«الإحياء الثانى للعلاقات المصرية الآسيوية»، عبر فتح آفاق أوسع للتعاون الاقتصادى والتكنولوجى، بالتوازى مع تعزيز التنسيق السياسى بشأن القضايا الإقليمية، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية.

وبينما تتجه القاهرة إلى تنويع خياراتها فى عالم مأزوم، يحلل «فهمى» دلالات التوقيت، وأهمية العلاقات الشخصية بين القادة فى بناء الثقة، وما تعكسه الحفاوة التى حظى بها الرئيس السيسى من رسائل بشأن مكانة مصر ودورها، مؤكدًا أن صناعة الأصدقاء لا تنفصل عن بناء المصالح المشتركة وتوسيع مجالات التعاون.. فإلى نص الحوار:

 

ما دلالة جولة الرئيس عبد الفتاح السيسى الآسيوية الأخيرة، التى شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا؟

الزيارة لا يمكن النظر إليها باعتبارها زيارة منفردة إلى كوريا الجنوبية أو ماليزيا أو إندونيسيا، وإنما تعكس اهتمام مصر بدائرة جديدة، أو بالأحرى دائرة قديمة يجرى تجديدها فى السياسة الخارجية المصرية، تتمثل فى «الاستدارة شرقًا». ويمثل هذا التوجه استراتيجية وضعتها مصر، على غرار اهتمامها بدائرة شرق المتوسط، إذ تُعد هاتان الدائرتان من أهم دوائر السياسة الخارجية المصرية.

وبالتوازى مع ذلك، تواصل مصر تنمية علاقاتها وتعزيزها مع إفريقيا، ومع الدوائر التقليدية للسياسة الخارجية المصرية التى أُرست دعائمها منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. لكن ما نشهده اليوم فى آسيا يمكن وصفه بأنه الإحياء الثانى للعلاقات المصرية الآسيوية.

وهناك تقدير كبير للرئيس السيسي، الذى يستغل هذه الزيارة لتأكيد ثوابت السياسة الخارجية المصرية ومحدداتها. فعلى سبيل المثال، تحدث الرئيس خلال المؤتمرات الصحفية بهذه الجولة عن القضية الفلسطينية ومبدأ حل الدولتين، والعلاقات المشتركة، ومجالات التعاون خلال الفترة المقبلة، كما تحدث عن نهر النيل باعتباره شريان حياة، وهى العبارة التى تكررت خلال الزيارات الثلاث للدول الآسيوية. وبالتالي، هناك تأكيد على ثوابت السياسة الخارجية المصرية من خلال هذه الزيارات، وهو ما يعكس بوضوح الأهداف التى تسعى مصر إلى تحقيقها من هذا التحرك.

ما دلالة أن تأتى الزيارة فى هذا التوقيت؟

فى تقديرى، جاءت الزيارة فى توقيت مناسب. فمن ناحية، كانت هناك تحركات مصرية تجاه إفريقيا؛ ففى الأسبوع الماضى، كانت مصر حاضرة فى المشهد الإفريقى، مع اجتماع الأطراف الإفريقية فى العلمين، والآن يتجه الاهتمام المصرى نحو آسيا، مع التركيز على دول كبرى ومؤثرة. وقد استقبلت مصر الرئيس الصينى، وأجرت اتصالات مع الجانب الهندى، كما شاركت فى اجتماعات مجموعة بريكس، وهو ما يعكس اتساع نطاق التحركات المصرية على صعيد السياسة الخارجية. وتُترجم هذه التحركات من خلال الدبلوماسية الرئاسية والدبلوماسية المهنية، اللتين تعملان فى التوقيت نفسه لتعزيز الحضور المصرى وتوسيع نطاق العلاقات مع مختلف الدوائر الإقليمية والدولية.

إلى أى مدى تحتاج مصر إلى تنويع العلاقات والشراكات بين الشرق والغرب؟

كما ذكرت، تعكس الجولة الآسيوية للرئيس السيسى اهتمامًا مصريًا بتنفيذ استراتيجية التحرك شرقًا، بهدف تعزيز العلاقات مع دول تربط مصر بها علاقات سياسية وتاريخية مهمة امتدت على مدار الفترات الماضية. ويأتى تنفيذ هذه الاستراتيجية من خلال التوجه شرقًا، بما يؤسس دوائر جديدة للسياسة الخارجية المصرية فى عهد الرئيس السيسي، وهو أمر بالغ الأهمية.

فمن المهم أن تنفتح مصر على دوائر جديدة فى مجال السياسة الخارجية، سواء من خلال تعزيز علاقاتها فى منطقة شرق المتوسط، أو عبر التوجه نحو الشرق وبناء شراكات أوسع مع دوله. وأعتقد أن هذه الاستراتيجية مكنت الدولة المصرية، خلال الفترة الماضية، من طرح رؤيتها ومقارباتها للتعامل مع مختلف القضايا، سواء على المستوى الثنائى أو فيما يتعلق بالقضايا العربية، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية.

كما أن الحفاوة الكبيرة التى استُقبل بها الرئيس السيسى خلال هذه الجولة تعكس أهمية الدور المصرى، ومكانة مصر، ومصداقية التحركات الدبلوماسية المصرية؛ فالدبلوماسية المصرية تتمتع بدرجة كبيرة جدًا من الحضور والتأثير على المستويين الإقليمى والدولي.

عند هذه النقطة تحديدًا، كيف يمكن قراءة مبدأ «صناعة الأصدقاء»، وليس الاكتفاء ببناء الشراكات فقط، خاصة فى ظل الاستقبال والحفاوة الكبيرين اللذين حظى بهما الرئيس السيسى خلال جولته الأخيرة؟

الحقيقة أن الرئيس السيسى يتمتع بعلاقات جيدة مع رؤساء عديد من الدول، وليس الأمر مقتصرًا على الدول الثلاث التى شملتها جولته الآسيوية الأخيرة. فمنذ توليه المسؤولية وحتى اليوم، اتبع الرئيس نهجًا دبلوماسيًا هادئًا، ولم يتبنَّ سياسة تقوم على مهاجمة الرؤساء أو الدول، وهو ما أسهم فى تعزيز مصداقيته واكتسابه صداقات وعلاقات شخصية مع عدد كبير من قادة العالم.

وهناك رؤساء دول تربطهم بالرئيس السيسى علاقات صداقة شخصية، ولا ينبغى الاستغراب من ذلك. فعلى سبيل المثال، يُعد الرئيس البرازيلى لولا دا سيلفا، الذى يخوض فى بلاده استحقاقات انتخابية، من أصدقاء الرئيس السيسي، وكذلك رئيس الكونغو. وهناك أيضًا علاقات صداقة مع رئيس بوروندى، الذى زار مصر للمشاركة فى القمة التى عُقدت الأسبوع الماضى.

أما فيما يتعلق بالدول الآسيوية التى شملتها الجولة الأخيرة، فهناك خلفية مهمة للعلاقات المصرية مع هذه الدول ينبغى أخذها فى الاعتبار، وهنا يجب الإشارة إلى دور الأزهر الشريف، الذى يحظى بتقدير كبير فى هذه الدول، بالنظر إلى مكانة مصر الدينية والثقافية، فضلًا عن الدور التنموى الذى تضطلع به مصر فى مجالات مختلفة، وهو ما يعزز حضورها وعلاقاتها مع هذه الدول.

كما أن اختيار الدول التى شملتها الجولة لم يكن عشوائيًا، بل يرتبط بأدوار سياسية واستراتيجية تؤديها كل دولة. فإندونيسيا، على سبيل المثال، تشارك فى مجلس السلام، ومن المقرر أن ترسل قوات، وبالتالى فإن لها دورًا فى هذا الإطار، وهو ما يجعل التواصل معها مهمًا فى ضوء التحركات المرتبطة بهذه الملفات. وماليزيا لها دورها أيضًا، لا سيما فيما يتعلق بالترويج للقضايا والسياسات العربية فى المحافل المختلفة. وعلى الرغم من أن ماليزيا ليست من الدول الكبيرة من حيث المساحة، فإن حجم الحضور الإسلامى فيها، باعتبارها دولة ذات أغلبية مسلمة، يمنحها أهمية خاصة، فضلًا عن التحركات التى تقوم بها على المستويين الإقليمى والدولى.

أما كوريا الجنوبية، فتمثل حالة مختلفة، إذ تتداخل فى العلاقات معها أبعاد سياسية واقتصادية واستراتيجية وأمنية متعددة، إلى جانب ملفات أخرى يرتبط بعضها بخلفيات تاريخية وبمسار العلاقات بين البلدين خلال فترات سابقة.

وبالتالي، فإن الحديث عن الصداقة هنا لا ينفصل عن طبيعة العلاقات بين الدول، ولا يمكن النظر إلى صداقات الرؤساء باعتبارها علاقات شخصية منفصلة عن السياق السياسي. فهذه الصداقات تأتى نتيجة لمكانة الدولة وموقعها والتقدير المتبادل بين قيادتى البلدين، فضلًا عن المصالح المشتركة التى تجمعهما. ومن ثم، فإن العلاقات الشخصية بين الرؤساء تمثل أحد أوجه العلاقات الثنائية، وتستند فى جانب مهم منها إلى طبيعة الروابط القائمة بين الدولتين.

إذا كان هذا البعد السياسى حاضرًا خلال الجولة، فما أبرز الملفات الاقتصادية التى برزت أيضًا؟

فى تقديري، يتقدم البعد الاقتصادى على البعد السياسى فى هذه الجولة. فقد جرى التأكيد مجددًا على مجالات ريادة الأعمال والتنمية المستدامة والابتكار، إلى جانب وجود لجان مشتركة ومجالس أعمال مشتركة بين مصر وهذه الدول، وهو ما يعكس الحضور القوى للملفات الاقتصادية والاستثمارية خلال الزيارات الثلاث.

وبطبيعة الحال، هناك مجالات ثنائية تتسم بالتطابق والتوافق فى الرؤى بين مصر وهذه الدول، ويرتبط جانب منها بمنظومة التعاون القائمة فى إطار العلاقات الثنائية. لكننا نتجه اليوم إلى الدخول فى مجالات تتجاوز الأطر التقليدية للتعاون، أو يمكن وصفها بأنها مجالات جديدة ومختلفة، تقوم على منظومة أكثر تطورًا فى مسار العلاقات بين الجانبين، سواء فى مجالات الذكاء الاصطناعى أو ريادة الأعمال أو التنمية المستدامة، إلى جانب مجالات أخرى، ويأتى ذلك بالإضافة إلى مجالات التعاون التقليدية، وفى مقدمتها الاستثمارات والاستفادة من الخبرات التى تمتلكها هذه الدول، بما يسهم فى تطوير العلاقات الاقتصادية وتعزيز المصالح المشتركة.

وفى الوقت نفسه، يحضر البعد السياسى بقوة فى هذه الزيارات واللقاءات، وأعتقد أن التأكيد على الموقف المصرى والمواقف العربية الداعمة للقضية الفلسطينية، ورفض الممارسات التى تقوم بها دولة الاحتلال الإسرائيلى، يمثل أمرًا بالغ الأهمية.

وبطبيعة الحال، هناك حرص من جانب هذه الدول أيضًا على الانفتاح على مصر فى المجالات الاستثمارية. وتستفيد مصر من الخبرات التى تمتلكها هذه الدول، وكذلك من خبرات دول رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» عمومًا، فى عدد من المجالات الاقتصادية والتنموية. لكن الأهم فى هذا السياق هو التأكيد على ضرورة تعزيز العلاقات وتوطيدها وتنميتها بصورة كبيرة، بما يخدم المصالح المصرية ويوسع نطاق التحرك المصرى على المستويين الإقليمى والدولى.

كان لافتًا أيضًا حضور القضية الفلسطينية على جدول أعمال الرئيس السيسى خلال هذه الجولة.. كيف تقرأ ذلك؟

من خلال تحليل مضمون تصريحات الرئيس السيسي، يتضح أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة بقوة، مع التأكيد على دعم حقوق الشعب الفلسطينى ومساندة القضايا العربية. وهذا الأمر يعزز مصداقية التحرك المصرى فى الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطينى من ناحية، وفى تأييد القضايا العربية من ناحية أخرى.

وأعتقد أن الأهم فى المرحلة الحالية هو الانفتاح على مواقف هذه الدول والعمل على كسب تأييدها، خصوصًا أن الدبلوماسية الرئاسية لعبت دورًا كبيرًا فى عرض وتسويق المواقف المصرية بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وفى مقدمتها القضية الفلسطينية والقضايا العربية.

وعلى مستوى العلاقات الثنائية مع هذه الدول، قطعت مصر شوطًا كبيرًا للغاية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الرئيس السيسى زار هذه الدول فى بدايات فترة حكمه، وشهدت تلك الزيارات تأكيد أهمية تطوير العلاقات معها وتعزيز التعاون فى مختلف المجالات، واليوم، يتجدد هذا التوجه فى إطار ما يُوصف فى المرحلة الحالية من العلاقات المصرية الآسيوية بأنه «الإحياء الثاني» للعلاقات مع هذه الدول، بما يعكس السعى إلى تجديد هذه العلاقات وتوسيع نطاقها، والبناء على ما تحقق خلال المراحل السابقة.

الاكثر قراءة