أطفال فى كوريا الجنوبية ينشدون واحدة من أكثر الأغانى انتشاراً فى مصر.. وصغار فى ماليزيا تملأ عيونهم الفرحة وهم يلوحون بالعلم المصرى، مستقبلين الرئيس عبدالفتاح السيسى بالضحكات البريئة والسعادة الصافية، وانبهار إندونيسى أكدته مشاركة مختلف فئات الشعب الإندونيسى فى مراسم الاستقبال، تأثراً بالقوة الناعمة المصرية فى مختلف المجالات.
مشاهد عدة ربما لم تحظ بالاهتمام ذاته الذى كان من نصيب الاستقبال الكبير الذى حظى به الرئيس السيسى فى جولته الآسيوية الأخيرة، التى شملت كوريا الجنوبية وماليزيا، وكانت إندونيسيا محطتها الأخيرة.
الأغنية الوطنية.. الحضارة الفرعونية.. الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.. الحسين.. الأزهر الشريف.. وكذلك «سامية جمال».. جميعها مرادفات لقوة مصر الناعمة التى استطاعت أن تصل إلى «مشرق الأرض» لتبهر الجميع هناك دون استثناء، وتكشف للعالم أجمع المكانة التى كانت ـ وما زالت ـ تحظى بها «المحروسة» فى البلدان التى تعرف معنى «الحضارة».. العواصم التى تدرك جيدًا أهمية أن تكون «الجذور ضاربة فى عمق التاريخ».. والقيادات السياسية التى لا تخطئ فى تقدير الشخصية التى تزور بلدها.
الحضور الطاغى للقوة الناعمة المصرية لم يأتِ من فراغ، بل يمكن القول إنه نتاج سنوات طويلة من الإبداع المستمر فى جميع القطاعات. وإذا كان الاهتمام الرسمى بتقوية ركائز خيمة «القوة الناعمة» لم يكن بالقدر المطلوب فى سنوات عدة، بحجة أن «الموهبة المصرية» قادرة على الصمود والتجدد الذاتي، فإن ما شهدته مصر خلال السنوات العشر الماضية جاء ليضع إطارًا لـ«التجديد والتطوير». وكانت التوجيهات الرئاسية والنصائح الدائمة من الرئيس السيسى حاضرة فى أكثر من مناسبة، وبدأت أرض الواقع تشهد كثيرًا من المبادرات التى تصب جميعها فى صالح تقوية أواصر القوة الناعمة المصرية، لعل من بينها برنامج «دولة التلاوة»، الذى تجاوزت شهرته حدود مصر، وذاع صيته فى جميع البلدان العربية، بعدما صدحت «أصوات السماء» بآيات الذكر الحكيم، معلنة للعالم أجمع أن «القرآن قُرئ فى مصر»، وأن دولة التلاوة التى أقامها مشايخ «المحروسة» منذ عشرات السنين ستظل شامخة لسنوات عدة مقبلة.
«دولة التلاوة» لم تكن غائبة عن الحضور الرئاسى، فقد شهد الرئيس فى مارس الماضى ختام الموسم الأول للبرنامج، وجاءت كلمته لتكشف جزءًا كبيرًا من الاستراتيجية التى تتبناها «الجمهورية الجديدة» فيما يتعلق بـ«بناء القوة الناعمة»، إذ قال الرئيس السيسى فى جزء منها: «اسمحوا لى أن أتوقف بكل اعتزاز، أمام تجربة مصرية ملهمة، وهى «دولة التلاوة»، هذا المشروع الذى جسد بحق ريادة الشخصية المصرية، وبرهن على أن مصر كانت وستظل بلد الإبداع والعبقرية».
وإدراكًا منه أن النجاح يمكن استثماره فى مجالات أخرى، أشار الرئيس السيسى إلى أن نجاح تجربة «دولة التلاوة» يجب أن يكون دافعًا لتكرارها فى بقية المجالات، حيث قال: «إننا فى الدولة المصرية، إذ نحتفل بهذا النجاح، فإننا نتطلع إلى رؤية إبداعات مماثلة فى كافة العلوم والميادين، حتى نرى بعد «دولة التلاوة» ميلاد «دولة العلم» و«دولة الإبداع والاختراع» و«دولة الفصاحة»، لتظل مصر رائدة فى كل مجال كما هى رائدة فى دولة التلاوة».
التطلع الرئاسى إلى «تكرار التجربة» لم يتوقف عند الإشارة التى جاءت فى كلمة الرئيس خلال احتفالية ختام «دولة التلاوة»، فلم تكد تمر أيام قليلة على حديث الرئيس حتى جاءت مشاركته فى احتفالية «المرأة المصرية» لتكشف أن هناك مشروعًا رئاسيًا متعلقًا بالأمر، حيث دعا الرئيس إلى أهمية العمل على استكشاف المواهب بشكل متجرد فى كافة المجالات، بما فى ذلك الرياضة والفنون، موجّهًا بدراسة إطلاق برنامج «دولة الفنون والإبداع» على غرار برنامج «دولة التلاوة». وجاء هذا التوجيه فى إطار الجهود التى تبذلها الدولة المصرية فى مجال تعزيز الهوية الوطنية وبناء الإنسان، انطلاقًا من إدراكها الكامل أن «القوة الناعمة» إحدى أدوات تشكيل الوعى المجتمعى.