مع تراجع الحضور العلنى لجماعة الإخوان المحظورة بعد 30 يونيو 2013، لم تختفِ الجماعة من الفضاء العام، بل أعادت تموضعها. كان التحول الأبرز هو الانتقال من المنصات المعلنة التى تحمل شعار الجماعة واسمها الصريح، إلى ما يمكن تسميته بـ«المنصات الخفية»، أو «الجيوش الرمادية» المنتشرة صفحاتها ومنصاتها فى مواقع التواصل الاجتماعى، وتحديدًا فيسبوك.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد ملاحظة عابرة، بل أصبحت نمطًا ممنهجًا يمكن رصده وتحليله عبر أدوات الرصد الرقمى ومتابعة الخطاب الإعلامى.
أولاً: ما هى المنصات الخفية؟
المنصات الخفية هى صفحات ومجموعات على فيسبوك لا تحمل أى دلالة تنظيمية مباشرة. أسماؤها تكون عامة، بل تكون جاذبة، وقد عمدت الجماعة إلى استخدام أسماء فنية كوميدية إلى جانب أسماء أخرى لا ترتبط بأى منهجية ظاهرية للجماعة الإرهابية، وقد رصدتُ شخصيًا طائفة من تلك الأسماء، منها:
مهاب الرزل، عبدالفتاح القصرى، المعلم بيومى، الباز أفندى
زكى ليشع، الخديوى عبده باشا، ميدان، مزيد، ثورة الشعب،
مجلة ميم، المجلس الثورى المصرى.
هذه الأسماء منتقاة بعناية لتخاطب وجدان المواطن العادى، وتستقطب الباحث عن المعلومة الخدمية أو المتنفس الاجتماعى أو اللقطة الفكاهية الكوميدية المغلفة بالبُعد السياسى أو الاقتصادى.
لا تجد فيها شعار «رابعة» ولا آية قرآنية كخلفية ولا صورة لأى قيادى فى الجماعة، فهى تستتر خلف مسميات صفحات اجتماعية أو فنية أو ساخرة.
لكن عند تحليل المحتوى على مدى زمنى، يظهر الخيط الناظم، فالصفحة التى تبدأ بنشر أسعار الخضار، تنتهى بنشر خبر مفبرك عن انهيار احتياطى القمح، والمجموعة التى تبدأ بنكتة اجتماعية، تتحول إلى بث ممنهج لليأس من أى إصلاح.
ثانيًا: آلية العمل - ثلاث مراحل
تعمل هذه المنصات وفق استراتيجية إعلامية واضحة تعتمدها حركات الإسلام السياسى فى حالة الانحسار، وتقوم على ثلاث مراحل:
1- مرحلة التسلل وبناء الثقة: من خلال إنشاء صفحة ونشر محتوى محايد تمامًا، لجمع المتابعين.
فى البداية ثمة متابعون وهميون، ثم تعزيز التفاعل عبر منشورات «صباح الخير» و «دعاء اليوم» وأخبار الطقس. الهدف هنا هو بناء جمهور كبير غير مسيَّس.
2- مرحلة خلط السم بالعسل: بعد الوصول إلى رقم معين (50 ألف متابع مثلا)، يبدأ حقن المحتوى، خبر حقيقى عن زيادة سعر سلعة، يُتبع بتعليق تحريضي: «ولسه.. اللى جاى أسود». خبر عن مشروع قومى، يُتبع بتشكيك: «كلها لقطة للتصوير والديون بتزيد». لا يتم هنا الدفاع عن الإخوان مباشرة، بل يتم تبنى خطاب «المواطن المطحون» الذى لا ينتمى لأى تيار.
3-مرحلة التوجيه وإدارة الإحباط: وهذه هى المرحلة الأخطر التى يُصنَع فيها الإحباط كحالة عامة. وفيها لا تُنتَقد سياسة بعينها، بل تُجلَد الذات الوطنية، فكل إنجاز يُحول إلى فشل، وكل أزمة عالمية تُنعَت بأنها فشل محلى حصري، وكل أولئك تُستخدم فيه تقنيات «Whataboutism» و«الأخبار المجتزأة» و «الصور والفيديوهات القديمة على أنها حديثة». والهدف ليس إقناعك بعودة الجماعة، بل إقناعك بأن لا شيء يستحق الأمل، وبالتالى الانكفاء والعزوف عن المشاركة، والاستعداد لأى فوضى فى المستقبل!
ثالثًا: السمات المشتركة التى تفضحها
رغم التخفي، هناك بصمات رقمية لا تخطئها العين الفاحصة:
أ- الفحص الزمني: عند وقوع أى حدث كبير (تعويم، حادث قطار، خناقة عقب مباراة بين الأهلى وبيراميدز،....)، تجد عشرات الصفحات التى لا يفترض أن تربطها علاقة، تنشر نفس الصياغة بنفس الأخطاء الإملائية فى نفس اللحظة، الأمر الذى يكشف وجود غرفة عمليات مركزية ترسل «اسكريبت» موحد للكتائب الإلكترونية!
ب- المصادر المجهولة: دائما تبدأ المنشورات بعبارات: «عرفت من مصدر موثوق»، «صديق لى فى الوزارة أكد لي»، «تم حذف الخبر بعد دقائق»، هى تمنح المنشور هالة السبق الصحفى دون أى قابلية للتحقق.
ج- استهداف الفئات الأكثر تضررا: يكون التركيز على شرائح تضم: «أولياء الأمور»، «أصحاب المعاشات»، «شباب الخريجين». وتُخاطب كل فئة بلغتها وآلامها، ثم توجيه غضبها نحو الدولة ككل، وليس نحو حل مشكلتها الجزئية.
د- إثارة النعرات الإقليمية (الجهوية) بين أبناء الوطن الواحد: من أخطر الأدوار التى تلعبها هذه المنصات، إحياء النعرة بين أبناء المحافظات، أو بين الريف والمدينة، عبر منشورات مثل «هو كل الاهتمام بالقاهرة وإحنا فين»، لتفتيت الكتلة الوطنية الصلبة.
رابعًا: لماذا فيسبوك تحديدًا؟
فيسبوك لا يزال هو المنصة الأكثر شعبية وانتشارًا فى مصر، خاصة فى الأقاليم والقرى، حيث لا يزال تأثير تويتر محدودًا. كما أن خوارزميات فيسبوك تفضل المحتوى الذى يثير الغضب والجدل، وهو ما يخدم تماما صناعة الإحباط. فمنشور يقول «الدنيا بايظة» سينتشر أكثر من منشور يقول «تم افتتاح مصنع جديد». الجماعة تدرك هذه الخوارزمية وتستثمر فيها.
إن مواجهة هذه المنصات لا تكون بالحجب فقط، فالحجب يصنع منها بطولة. المواجهة تكون بكشف الآلية للمواطن. عندما يعرف المواطن فى ديرب نجم أو فى دكرنس أو أسوان أن الصفحة التى يتابعها لمعرفة سعر الأرز، هى فى الحقيقة منصة تدار من خارج الحدود بهدف بث اليأس فى نفسه، سيفقد الثقة فيها تلقائيًا.
المعركة اليوم لم تعد معركة شعار مرفوع فى ميدان، بل معركة وعى فى مواجهة منصات تلبس ثوب المواطن البسيط، بينما هى فى حقيقتها أدوات حرب نفسية منظمة.
إذن، فالمطلوب، الآن وفى كل وقت، إعلام وطنى مهنى ورشيد لا ينكر وجود الأزمات، بل يشرحها بشفافية ويقدم حلولها، ومواطن واعٍ يسأل ويفكر دائمًا قبل أن يشارك: مَن المستفيد من نشر هذا الإحباط الآن؟