وتستهدف مصر زيادة حجم التجارة إلى شراكات إنتاجية واستثمارية تقام داخلها، بما يسمح بنقل خبرات متقدمة فى الصناعة والتكنولوجيا واللوجستيات والطاقة والتحول الرقمى، ويتم توطينها وزيادة المكون المحلى وخلق فرص العمل، وفى المقابل يتم استخدام الموقع الجغرافى المصرى للنفاذ إلى الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية كمنصة للتصدير. لتتحول العلاقات بين مصر وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا إلى شبكة من الشراكات الإنتاجية والتكنولوجية واللوجستية.
وفى هذا السياق، قال الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادى، أستاذ التمويل والاستثمار، إن «الجولة الرئاسية التى شملت كوريا الجنوبية ومملكة ماليزيا وجمهورية إندونيسيا، تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية شديدة الأهمية، تمثل نمطاً جديداً للعلاقات الدولية على الجانب الشرقى من العالم، كما أن الجدوى الاقتصادية من الجولة الرئاسية تمثل ملفاً محورياً يحمله الرئيس للترويج وتسويق الأوضاع الاقتصادية وجذب فرص استثمارية جديدة، فالمحطة الأولى من الجولة فى كوريا الجنوبية شهدت توقيع العديد من الاتفاقات ذات الأولوية الاستراتيجية، على رأسها إقامة منطقة صناعية كورية متكاملة داخل الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية بقناة السويس».
«د. مصطفى»، أضاف أن التبادل التجارى بين مصر وكوريا الجنوبية سجل ما يقارب 900 مليون دولار خلال الأشهر الـ8 الأولى من 2026، وسعت الحكومة المصرية إلى مضاعفة هذه الأرقام وزيادة حجم التبادل مع الجانب الكوري، والانفتاح على كوريا الجنوبية يهدف إلى تلبية احتياجات السوق المحلية وتوطين الصناعات الحديثة ونقل التكنولوجيا وتدشين الابتكار، وخاصة فى قطاعات السيارات والإلكترونيات والبتروكيماويات والصناعات الدوائية والذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى وبناء السفن إلى جانب مجالات الزراعة والتصنيع الغذائي».
«بدرة»، أكد أن «هذه الخطوات تفتح آفاقاً واسعة أمام القطاع الخاص، فتسعى كوريا الجنوبية للاستفادة من المزايا التفضيلية التى تمنحها الدولة المصرية فى المنطقة الاقتصادية للتوسع والاستثمار فى القارة الإفريقية بعد النجاح الذى حققته قمة «العلمين_ إفريقيا» التى تمت إقامتها على الأراضى المصرية مؤخراً»، لافتًا إلى أن «الجولة الرئاسية خطوة استشرافية مستقبلية تكشف عن مستقبل واعد لتعزيز التعاون الاقتصادى وتنسيق الجهود المشتركة بين مصر وكل من ماليزيا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية لاستكمال مستهدفات التنمية».
بدورها قالت الدكتورة سهام عبد الغني، خبير مالى متخصص فى التمويل المبتكر؛ إن «المقياس ليس عدد الاتفاقيات الموقعة، بل عدد المصانع التى ستعمل فعلاً على الأرض. وللمالية العامة مصلحة مباشرة فى ذلك، فكل دولار استثمار مباشر يدخل البلاد يقلل الحاجة إلى تمويل خارجى جديد، ويخفف الضغط على الموازنة بقدر ما يحل محل اقتراض حكومى أو يزيد الإيرادات، فى وقت تلتهم الفوائد ما يتجاوز 60 فى المائة من الإيرادات».
«د. سهام»، أوضحت أنه «كان هناك توجه رئاسى إلى تنويع الشراكات والانفتاح على القوى الاقتصادية الصاعدة، وهى خطوة بعيدة الأثر اقتصادياً وسيادياً، فالرئيس عبد الفتاح السيسى يوسع أمام مصر دائرة الأسواق والمستثمرين والتكنولوجيا، ويحمى استقلال قرارها الاقتصادى حين لا يتركز اعتمادها على شريك أو سوق أو عملة واحدة»، مشددة على أن «مصر بحاجة إلى نقد أجنبى مستدام، يأتى من صادرات أو من استثمار ينتج لمصر ولغيرها، وهذا بالتحديد ما تستهدفه الجولة الرئاسية؛ فكوريا شريك صناعى ارتقت العلاقات معه إلى شراكة استراتيجية بـ12 اتفاقية ومذكرة، وماليزيا وإندونيسيا بوابتان إلى آسيان وسوقان كبيرتان للتمويل الإسلامي».
وتابعت: الاتفاقيات هى الخطوة الأولى التى تمهد الطريق لبناء المصانع، ويُقيّم بعدها المستثمر العائد والمخاطر، وفى مقدمتها تحويل الرهان الأكبر وهو تحويل الشراكة المصرية الكورية إلى طفرة استثمارية وصناعية مستدامة، تتجاوز نمو التجارة إلى توطين الإنتاج وزيادة الصادرات.
وعن حجم الشراكة «المصرية _ الكورية»، أشارت إلى أنه «خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بلغت الصادرات المصرية إلى كوريا 58 مليون دولار مقابل واردات بقيمة 816 مليون دولار، ما يكشف عن فرص كبيرة لزيادة القيمة المضافة المحلية، ورغم أن صادراتنا اقتربت من مليارى دولار فى 2022 بدعم من الغاز، فإن التحدى اليوم هو بناء قاعدة تصديرية أكثر تنوعًا واستدامة».
كما لفتت إلى أن «الاستثمارات الكورية البالغة 736.3 مليون دولار فى النصف الأول من العام المالى 2025/2026 تعكس زخمًا يمكن البناء عليه، إلى جانب فرص التعاون مع شركات كبرى مثل «بتروناس» الماليزية، كما تمثل مشاركة 23 شركة كورية فى المائدة المستديرة مع الرئيس فى «سول، ودعوته لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فرصة لتحويل الشراكة إلى مشروعات محددة وجداول تنفيذ واضحة».
«د. سهام»، نوهت إلى أنه «يمكن أن يرتفع العجز التجارى مؤقتًا مع استيراد الآلات والمكونات اللازمة للتصنيع، قبل أن تبدأ الصادرات والإنتاج المحلى فى تحقيق عوائد أكبر. لذلك، يجب تقييم المشروعات وفق صافى أثرها على النقد الأجنبي، فالاستثمار الأجنبى لا ينشئ التزامًا مباشرًا على الحكومة بسداد أصل التمويل، بخلاف الاقتراض السيادي، بينما يتطلب خفض الدين العام مباشرةً توجيه موارد فعلية إلى الخزانة، وتزداد العوائد التنموية حين ترتبط الحوافز بأهداف قابلة للقياس، مثل التصدير وإحلال الواردات ونقل التكنولوجيا».
وبحسب «د. سهام»، فإن «الأرباح وسرعة التراخيص تأتى عبر التمويل المبتكر، فالضمانات (Guarantees) والتمويل بالعملة المحلية (LocalCurrency Financing) وتقاسم للمخاطر (Risk Sharing) تغيّر حسابات المستثمر، وتخفف فى الوقت نفسه عبء الاقتراض وفوائده على الموازنة، وهنا تتوفر فرص تحوله إلى مكاسب ملموسة جيدة، لأن عناصر النجاح الأولى متوفرة متمثلة فى شراكة استراتيجية معلنة مع كوريا، وزخم استثمارى كورى ظاهر فى الأرقام، وسوابق تنفيذ فى التصنيع والتمويل. ومن شأن سرعة التنفيذ أن تضاعف المكسب».
«د. سهام»، انتقلت بعد ذلك للحديث عن حجم الاستفادة المتوقعة على المستوى التجارى والاستثمارى والشركات الكبرى، وقالت: أن الرهان الأكبر هو تحويل الشراكات المصرية مع كوريا الجنوبية وتركيا وماليزيا إلى طفرة استثمارية وصناعية مستدامة، تتجاوز نمو التجارة إلى توطين الإنتاج، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتكشف التجارة مع كوريا عن فرص واضحة؛ إذ بلغت صادراتنا إليها 58 مليون دولار مقابل واردات بقيمة 816 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026. وفى المقابل، تتيح الشراكات مع تركيا بقاعدتها الصناعية، وماليزيا بخبراتها الاستثمارية، فرصًا لتعزيز الإنتاج المحلى والاندماج فى سلاسل القيمة العالمية.
وتابعت: كما توفر الاستثمارات الكورية، ومشاركة 23 شركة كورية فى المائدة المستديرة مع الرئيس فى سول، وطرح إنشاء منطقة صناعية كورية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب فرص التعاون مع شركات مثل «بتروناس» الماليزية، أرضية للبناء عليها، أما ماليزيا فبلغ التبادل التجارى 718 مليون دولار خلال 2025، بينما سجل 495 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، منها صادرات مصرية بقيمة 68 مليون دولار وواردات بقيمة 427 مليون دولار. وقدر التبادل التجارى مع إندونيسيا بـ2.38 مليار دولار خلال 2025، منها صادرات إندونيسية إلى مصر بقيمة 1.94 مليار دولار مقابل صادرات مصرية بنحو 439.8 مليون دولار. وفى النصف الأول من 2026، سجلت البيانات الإندونيسية صادرات إلى مصر بنحو 1.09 مليار دولار، مقابل واردات من مصر بنحو 647.7 مليون دولار.
وبحسب «د. سهام»، فإن «الدلالة الأهم فى التبادل التجارى لا يتوقف على حجمه وحده، ففى النصف الأول من 2026، لم تتجاوز صادراتنا نحو 7.5 فى المائة من وارداتنا من كوريا الجنوبية، ما يعكس فرصة لتعزيز القدرة التصديرية وتوطين الصناعات المرتبطة بالآلات والأجهزة الكهربائية والسيارات ومكوناتها واللدائن والحديد والصلب، لكن العجز التجارى الثنائى ليس خللًا فى ذاته؛ فالأهم هو أثر التجارة على التوازن الخارجي، ومدى مساهمة الواردات فى رفع الإنتاجية والتصدير مستقبلًا، ومن هنا فإن المعالجة لا تكون بتقييد الاستيراد عشوائيًا، بل بتعميق التصنيع المحلى وربط الاستثمارات بنقل التكنولوجيا وإحلال الواردات وزيادة الصادرات، كما يستحق ائتمان المورّد (Supplier Credit) والتسوية بالعملات المحلية (LocalCurrencySettlement) الدراسة ضمن أدوات إدارة التمويل التجاري، مع تقييم تكلفة التمويل ومخاطر العملة وشروط السداد؛ فهذه الأدوات قد تحسن إدارة السيولة، لكنها لا تلغى العجز التجارى أو الحاجة إلى النقد الأجنبي».
وشددت على أن «نجاح الجولة الرئاسية اقتصادياً لا يُقاس بحجم الاستثمارات أو التجارة وحدهما، بل بصافى أثر المشروعات على النقد الأجنبي، مع احتساب الصادرات، وإحلال الواردات، واحتياجات الاستيراد، والأرباح المحولة للخارج، فالاستثمار الأجنبى المباشر لا يفرض على الحكومة التزامًا مماثلًا لسداد أصل القرض السيادى وفوائده، وإن كانت له تكاليف ومخاطر أخرى.
والأهم هو ربط الحوافز بنتائج قابلة للقياس فى التصدير، ونقل التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلى، والهدف ليس جذب مزيد من الاستثمارات فحسب، بل تحويلها إلى إنتاج وصادرات ونقد أجنبى مستدام، بما يدعم النمو ويخفف الضغوط التمويلية على الاقتصاد.
وعن إسهام الجولة الرئاسية فى زيادة الصادرات المصرية وتقليص الفجوة التجارية قالت «د. سهام» أن الفجوة التجارية مع شريك بعينه ليست هدفًا فى حد ذاتها؛ الأهم هو زيادة قدرة مصر على التصدير وجذب استثمارات ترفع القيمة المضافة محليًا، فخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بلغت صادراتنا إلى كوريا 58 مليون دولار، تصدرتها نفايات صناعة الأغذية وأغذية الحيوانات بـ22 مليونًا، ثم الوقود والزيوت المعدنية بـ18 مليونًا، بما يكشف فرصة لتنويع الصادرات وزيادة مكونها الصناعي.
كما أكدت أن «الاستفادة من الشراكات الآسيوية تتوقف على أربعة مسارات، أولها مدى النفاذ إلى الأسواق؛ فيمكن لمفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع كوريا أن توسع فرص المنتجات المصرية، بينما بحثت مصر وإندونيسيا استكشاف بدء مفاوضات اتفاق تجارة تفضيلية واتفاق تجارة حرة، ومع ماليزيا، يمكن أن يسهم تيسير إجراءات اعتماد الحلال والاعتراف المتبادل بالشهادات، إذا تم الاتفاق عليهما رسميًا، فى دعم صادرات الأغذية المصرية، والثانى الاستثمار المنتج؛ فالمكسب الأكبر أن تتحول مصر إلى منصة إنتاج وتصدير للشركات الآسيوية، من خلال توطين التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي، خاصة فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. مروراً بالمسار الثالث وهى التنافسية؛ فلا تكفى الاتفاقيات وحدها؛ فسعر الصرف وكلفة المدخلات والتمويل واللوجستيات والإجراءات الإدارية عوامل حاسمة فى قدرة المنتج المصرى على المنافسة. والمسار الأخير تمويل الصادرات وإدارة المخاطر عبر دراسة ائتمان التصدير بضمان جزئي، وربط بعض المشتريات الكبرى بفرص تصديرية مقابلة، حيثما كان ذلك مجديًا ومتوافقًا مع القواعد المنظمة».
وبيّنت أن «نجاح الجولة لا يُقاس فقط بحجم التجارة أو الاتفاقيات، بل بقدرتها على جذب استثمارات منتجة، وتنويع الصادرات المصرية، وفتح أسواق جديدة بصورة مستدامة، وبوصف مصر مشترياً كبيراً، يمكنها ربط المشتريات الكبرى بالتزامات مقابلة بتوسيع نفاذ منتجاتها (ما يعرف بالمقابل التجاري، Counter-trade)، وإتاحة ائتمان تصدير (Export Credit) بضمان جزئي، على أن يُحتسب الضمان التزاماً محتملاً (Contingent Liability) بسقف وتسعير»، مضيفة أن «الجولة الرئاسية لا تقتصر على جذب استثمارات جديدة، بل تمتد إلى إمكانية توظيف الشراكات الآسيوية فى تطوير هيكل التمويل العام، وخفض تكلفته ومخاطره، وتخفيف الاعتماد على الاقتراض السيادى التقليدي، وهو ما يمكن أن يتحقق مع كوريا الجنوبية من خلال تمويل الصادرات والاستثمار الصناعي، ودراسة ائتمان الصادرات وتمويل الموردين للمعدات والتكنولوجيا الكورية، وربطها بمشروعات إنتاجية داخل مصر، مع ضمانات جزئية حيثما تكون مجدية. والهدف هو جذب استثمارات تحل محل الواردات أو تزيد الصادرات، مع تجنب تحويل كل تمويل للمشروعات إلى دين حكومى مباشر».
وأكملت: تعاون مصر مع ماليزيا من خلال الصكوك والتمويل الإسلامى المستدام، يمكن الاستفادة من خبراتها فى التمويل الإسلامى لدراسة صكوك مرتبطة بأصول أو تدفقات نقدية لمشروعات مؤهلة، وتمويل أخضر أو مختلط يجمع التمويل التنموى ورأس المال الخاص. ويتوقف خفض التكلفة على هيكل الصفقة، ومخاطر المشروع، والضمانات، لا على اسم الأداة وحده، أما إندونيسيا فعبر الاستثمار المشترك والتمويل بالعملة المحلية. يمكن بحث تمويل المشروعات الإنتاجية المشتركة، وتسوية بعض المعاملات التجارية بالعملات المحلية حيث تسمح القواعد والسيولة المتاحة، ودراسة أدوات التحوط لتقليل مخاطر العملة. أما مقايضة الدين بالاستثمار (Debt-for-Investment Swap)، فتحتاج أولًا إلى التحقق من وجود مديونية ثنائية مؤهلة وشروط تسمح بإعادة هيكلتها؛ فلا تُفترض قابليتها للتطبيق لمجرد وجود شراكة اقتصادية».
«د. سهام»، اختتمت حديثها قائلة بأن هناك مسار مشترك يمكن البناء عليه مع الدول الثلاث عبر المؤسسات متعددة الأطراف: الضمانات الائتمانية الجزئية (Partial Credit Guarantees)، والتمويل الأخضر، والتمويل المختلط، وإصدارات السندات فى أسواق آسيوية، مع دراسة التمويل الاصطناعى بالعملة المحلية (Synthetic Local Currency Financing) فقط إذا توافرت أدوات تحوط بتكلفة ومخاطر مقبولتين، وقد أثبتت مصر إمكانية الوصول إلى هذه الأسواق؛ إذ أصدرت سندات باندا مستدامة بقيمة 3.5 مليار يوان فى 2023 بدعم من ضمانات بنك التنمية الإفريقى والبنك الآسيوى للاستثمار فى البنية التحتية، ثم أصدرت سندات ساموراى مستدامة بقيمة تقارب 500 مليون دولار فى 2026 بضمان ائتمانى جزئى من بنك التنمية الإفريقي».