العالم كله أمام اختبار غير مسبوق، لذلك علينا التفكير بعقلية استراتيجية قليلًا لنتساءل: هل هى مجرد أزمة أمن بحري، أم أن قواعد الملاحة والتجارة الدولية أمام واقع جديد تم التخطيط له بدقة متناهية وتوسعية؟
فهذا باب المندب، نسخة جديدة من هرمز، وخطر الملاحة الدولية الذى يجعلك لا تعرف مَن مع مَن، ومَن ضد مَن، وماذا يريد الجميع؟!
بعدها نرى أسعار النفط تتحرك مع التوترات الجيوسياسية، ووفقًا لتطورات الوضع الميدانى فى المعارك، وليس على أساسيات العرض والطلب، لتضرب أسواق المشتقات فى مقتل مع خفض قدرات التكرير الإنتاجية، وتم خنق ملف الديزل، ثم ملف الأسمدة وكل متطلبات الزراعة، لنجد أن هناك 450 مليون شخص حول العالم مهددون بالجوع والفقر المدقع.
ويتساءل بنك جى بى مورجان عن سبب عدم رؤية الخبراء نهاية القصة، إذ لا أحد يستطيع بناء نماذج رياضية لأسعار الوقود وكل السلع، وهناك حيرة وترابط شائك أمام البنوك المركزية.
فهل هناك تدبير محكم حتى يتم الانزلاق فى التوترات الجيوسياسية، وتتسع الدائرة يومًا بعد يوم لتصل إلى مرحلة الانفجار السعري، وتغازل الأسواق العالمية والأسعار الوصول إلى مستوى 120 دولارًا لبرميل النفط، و250 دولارًا للديزل؟
بعدما رفع صندوق النقد الدولى لغة التفاؤل الحذر، فقد تراجع بعدما شاهد بعينه تطورات حركة التجارة العالمية والملاحة البحرية الدولية، التى تمثل خطرًا وجوديًا على كل الملفات الاقتصادية.
صدمة الطاقة والمرور الآمن من باب المندب إلى هرمز لم تنتهِ، وتزداد حدة التوترات، ويرى الخبراء أن هناك إشارات إنذار لا يمكن تجاهلها، فهناك ديون عالمية تلامس أعلى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية، وقد صعدت فوق 353 تريليون دولار.
الشتاء قادم، والمخزونات الاستراتيجية أصبحت ترى القاع.
ملف الطاقة فى الشتاء له وضع آخر مع العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران، والمنبوذ الاقتصادي، والحروب الحديثة التى استهدفت الممرات البحرية الدولية قصدًا وعمدًا.
ارتفعت المخاطر بسبب الحاجة إلى ملء الخزانات، التى تحتاج إلى عامين، كما قال المدير التنفيذى لشركة أرامكو، أمين الناصر، فى تصريحاته الأخيرة.
وبالرغم من عودة خط شرق-غرب ووجود طرق بديلة، فإن العالم يحتاج إلى بناء القدرة الاستردادية للمخزون الاستراتيجي، التى تراجعت بأكثر من نصف مليار برميل على إثر عمليات السحب لمواجهة تأثير أزمة هرمز وباب المندب على التجارة العالمية وحركة الملاحة الدولية.
وبناء على ما تقدم، فإن توصيف الأزمة يحتاج إلى شرح جيوسياسي، فالقصة لا تقف عند حدود حجم الإنتاج أو معادلة العرض والطلب التقليدية، بل تمتد إلى أزمة عميقة فى اللوجستيات.
خاصة أن جغرافية التخزين تغيرت مع خطر ممنهج للملاحة الدولية، فمع اختناق الممرات البحرية الحيوية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب السحب الاستراتيجى للدول المستهلكة، كلها عوامل جرّدت الأسواق من أهم شيء، وهو جودة امتصاص الصدمات.
وبنظرة رقمية نجد أن الخسائر التراكمية لهرمز بلغت 2.8 تريليون برميل من النفط منذ حدوث الحرب، خاصة أن المسارات اللوجستية يُعاد تغيير مساراتها وتشكيلها مرة أخرى، والمطلوب من المستهلك، طبقًا لخطة المستعمرين الجدد، أن يتكيف مع عصر حروب الطاقة المكلفة، التى تُرسم بعناية فائقة السرعة.
والذى يثير القلق والتوتر أن الأزمات لا تحدث منفردة، بل تتزامن؛ فحين تدرك الجبهات العسكرية وممرات الطاقة والحسابات الانتخابية والتحالفات الإقليمية وتتحرك فى التوقيت نفسه، يصبح الخطر الحقيقى هو أن تشعل شرارة فى جبهة سلسلةً من الردود لا تتوقف عند حدودها.
المستعمرون الجدد أمام نافذة تصعيد قد تعيد رسم موازين القوى فى الشرق الأوسط كله من خلال بوابات العالم، ألا وهى الملاحة الدولية.
الخلاصة أن الأجندة الاستعمارية الجديدة تبنى قوة ضاربة متعددة الخيارات للردع والتصعيد والعمليات العسكرية المباشرة، والممرات البحرية الدولية تنتظر الانتخابات النصفية الأمريكية، التى تنطوى على مقامرة استراتيجية بواقع جديد على الممرات البحرية الدولية التى تُستهدف فى صراع البقاء، وفى النهاية، مَن سيدفع؟ الاقتصاد العالمى لا يستطيع الصمود كثيرًا، وإلى حديث آخر.