«مصر الكبيرة» عنوان يلخص الجولة الآسيوية الناجحة باقتدار، والمثمرة بامتياز، للرئيس عبدالفتاح السيسى فى كوريا وماليزيا وإندونيسيا على مدى ستة أيام. فالاستقبال الرسمى والشعبى كان فى أحسن صورة، وتتابعت مشاهد الترحيب العفوية بلا تكلف ولا تصنع فى الدول الثلاث، وتلاحقت محطات التقدير للقيادة المصرية بلا تجميل أو مبالغة، واستمرت أجواء الحفاوة الكاملة وحسن الضيافة الشاملة فى كل الأماكن وجميع الفعاليات، وتواصلت مشاهد الاحتفاء منذ لحظة الوصول إلى المطار وحتى لحظة الوداع بالصوت والصورة، فى رسالة واضحة مفادها أن القاهرة تأثيرها ممتد، وقوتها حاضرة، وصوتها مسموع.
كل مصرى أصيل كان فخورًا بالتقدير العظيم الذى حظى به الرئيس السيسى والوفد المرافق له، وشعر بالاعتزاز عندما رأى قادة النمور الآسيوية وهم يتنافسون فى إظهار الاحترام المتبادل للدولة المصرية، والتعامل بوقار مع قائدها على المستويين الإقليمى والدولى. وهذا ليس غريبًا على الرئيس السيسى، لأن سيرته الحسنة تسبقه فى كل البلدان، وحضوره القوى تفرضه مواقفه الواضحة فى جميع المحافل. ويعلم القاصى والدانى موقف الدبلوماسية المصرية النزيهة، ويدرك الشرق والغرب السياسة العادلة التى تتبناها القاهرة فى مختلف القضايا، وتعى الحكومات والشعوب معًا أن مصر على استعداد دائم لاستثمار المستقبل لصالح شتى الأطراف، وبما يدعم الأمن والسلام الإقليمى والعالمى. ولهذا، يكون القبول الواسع دائمًا من نصيب القيادة المصرية أينما ولّت وجهها أو حطت رحالها خلال جولاتها المتواصلة.
إن دلالات توقير مكانة القاهرة، وما تحظى به الدولة المصرية وشعبها ورئيسها من احترام وتقدير خلال هذه الجولة الآسيوية، عصية على الحصر وصعبة على العد، لكننى سأتوقف أمام بعض المشاهد المعبرة بلا شرح طويل أو تحليل عميق. ومنها المحطة الأولى فى قاعدة سول الجوية بكوريا الجنوبية، حيث كان فى استقبال الرئيس السيسى نظيره الكورى الجنوبى، الرئيس لى جاى ميونج، الذى سارع إلى مصافحته عند باب السيارة، وسط مراسم رسمية أسطورية، كما وصفها بعض المحللين ورواد مواقع التواصل الاجتماعى. ثم جاء مشهد غناء الأطفال الكوريين أغنية «فيها حاجة حلوة» ترحيبًا بالرئيس السيسى، وهو ما أثار إعجابًا شديدًا لدى المصريين بحسن تصرف الكوريين، عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعى وفى التجمعات كافة. كذلك، جاء تعليق الرئيس الكورى على زيارة الرئيس السيسى باستحضار مثل عربى معروف، وهو «الرفيق قبل الطريق»، تأكيدًا أن مصر وكوريا تسيران معًا على درب التعاون القوى. وقد وجد هذا الموقف صدى واسعًا أيضًا فى الأوساط المصرية، وظهر بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعى. وبالطبع، كانت الترجمة الفعلية للعلاقات القوية بين الرئيسين السيسى ولى جاى ميونج هى التوقيع على عدد من اتفاقيات التعاون ومذكرات التفاهم لتعزيز الشراكة الاقتصادية والتجارية بين البلدين، وما خفى كان أعظم ضمن مكاسب هذه الزيارة التاريخية.
ومن كوريا الجنوبية إلى ماليزيا، واصلت قارة آسيا الاحتفاء بالرئيس السيسى، فقد كان استقباله تاريخيًا يليق بمكانة مصر الكبيرة وقائدها الملهم وشعبها العظيم. وتقدم صفوف المستقبلين فى المطار بالعاصمة كوالالمبور رئيس الوزراء الماليزى أنور إبراهيم، وسط مراسم رسمية وشعبية رفيعة المستوى، أعقبها استقبال ملكى بالقصر الوطنى الماليزى «إستانا نيجارا». كما أهدى الملك السلطان إبراهيم الرئيس السيسى وسام «دارجاه أوتاما سرى ماهكوتا نيجارا»، المعروف بوسام التاج الوطنى الأسمى، تقديرًا للعلاقات المتميزة بين البلدين. وفى المؤتمر الصحفى المشترك، تحدث رئيس الوزراء الماليزى عن الحضور التاريخى لمصر وقوتها الناعمة فى وجدان الشعب الماليزى.
وفى إندونيسيا، حدث ولا حرج عن ضخامة الاحتفال بالرئيس السيسى، فقد استيقظت الدولة، شعبًا وحكومة، مبكرًا انتظارًا لقدومه، وبدأ الترحيب من السماء، باستقبال حافل منذ لحظة دخول الأجواء الإندونيسية، إذ رافقت المقاتلات الحربية التابعة لسلاح الجو الإندونيسى الطائرة الرئاسية احتفاءً بالزيارة، مع اصطفاف شعبى حاشد فى جاكرتا إكرامًا للرئيس ولمصر. ثم تضمنت مراسم الاستقبال عروضًا لافتة وحفاوة بالغة تعكسان عمق العلاقات التاريخية والتقدير الكبير الذى تكنه إندونيسيا لمصر ودورها الإقليمى والدولى.
وقد لخّص الرئيس السيسى مجمل مشاهد هذه الجولة الآسيوية ومكاسبها فور وصوله إلى مطار القاهرة الدولى، فى عبارات واضحة وكلمات كاشفة. فقد أوضح الرئيس أن حفاوة الاستقبال التى حظى بها خلال جولته الآسيوية تعكس المكانة الكبيرة التى تتمتع بها مصر، وأن الرسالة التى يحرص على توصيلها للمصريين هى أنهم شعب عريق وعظيم، وأن دولتهم تتمتع بمكانة كبيرة تستند إلى تاريخها الحضارى، فضلًا عن سياستها الخارجية القائمة على الاعتدال والاتزان، مؤكدًا ضرورة الاستمرار فى هذا النهج. كما أشار إلى أن قدرة الشعب المصرى على التحمل والصبر والعمل من أجل تحسين واقعه تحظى بتقدير الآخرين وتفهمهم. علمًا بأن الاستثمارات الكبيرة التى ضختها الدولة فى إنشاء بنية أساسية ضخمة ومتطورة أسهمت فى تهيئة البيئة اللازمة لاستيعاب الاستثمارات المختلفة، وفتح آفاق أوسع للتعاون مع الشركاء الدوليين. فالدول الثلاث لديها اهتمام بتطوير الشراكات مع مصر، فى ظل وجود إرادة سياسية محفزة لذلك، إلى جانب اهتمام المستثمرين بتوظيف قدراتهم وإمكاناتهم، مما يعكس تمتع الدولة المصرية بمقومات ومميزات نسبية.
وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة أن تستغل الحكومة الزخم الناتج عن هذه الجولة الآسيوية، وتوظيف نجاحات الدبلوماسية الرئاسية فى الترويج للفرص الاستثمارية فى العواصم الثلاث، بتحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى واقع فعلى لتحقيق نقلة فى توطين الصناعة وطفرة فى مجال الاستثمار. وهو ما نبه إليه الرئيس السيسى عندما وصف الجولة بأنها موفقة للغاية، وأكد تطلعه إلى التحرك سريعًا لتنفيذ ما جرى التفاهم بشأنه والتوقيع عليه، وتحويل الاتفاقات إلى خطوات عملية تعزز التعاون الاقتصادى والاستثمارى بين مصر والدول الثلاث. فهناك نحو 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت العديد من مجالات التعاون بين مصر والدول الثلاث، وفى مقدمتها العمل على زيادة حجم التبادل التجارى وتحقيق التوازن فى الميزان التجارى بين الجانبين، بما يدعم العلاقات الاقتصادية ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون المشترك.
والأمر المؤكد أن هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التى يواصل فيها الرئيس السيسى جولات صناعة الأصدقاء شرقًا وغربًا، من أجل تهيئة الأجواء لصالح شتى قطاعات الاقتصاد الوطنى، انطلاقًا من الدول الغربية، وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا، مرورًا بروسيا والصين والنمور الآسيوية، بالإضافة إلى تركيا، ووصولًا إلى الدول العربية ومختلف بلدان القارة السمراء. وبالطبع، تستهدف هذه التحركات الرئاسية ترسيخ مكانة القاهرة الإقليمية والدولية، وضمان احترام ثوابتها التاريخية فى حماية الأمن القومى المصرى والعربى، فى ظل ما تتمتع به من ثقة ومصداقية لدى القوى الدولية والعواصم كافة فى مختلف القضايا وشتى الملفات، نظرًا إلى سياستها الخارجية القائمة على الاعتدال والاتزان، مع الوضوح التام.
ويُحسب للجمهورية الجديدة نجاحها فى امتلاك القدرة الشاملة على المستويات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية فى سنوات معدودة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، مع التمتع بالحكمة والتحلى بالعقلانية فى إقليم مشتعل على الجبهات كافة. ولهذا، فإن مؤشر أصدقاء مصر فى صعود. وبينما ينشغل قادة الدول شرقًا وغربًا بالحروب ويتورطون فى الصراعات، تتنقل الطائرة الرئاسية المصرية بين العواصم الشقيقة والصديقة لتوقيع الشراكات الاستراتيجية والتفاهمات السياسية، ويقضى الرئيس السيسى أيامًا وليالى حافلة بالاستقبالات التاريخية والمراسم الأسطورية، شعبيًا ورسميًا، أينما حطت رحلته والوفد المرافق له، وتتصدر أخبار جولاته عناوين الصحف ووسائل الإعلام العالمية.
صناعة الأصدقاء سياسة يتقنها الرئيس السيسى ببراعة، وعبقرية يمارسها بمهارة. فهو يتحلى بصبر استراتيجى لا ينفد فى التعامل مع كل القضايا، ويتسم بهدوء الأعصاب فى كل الشدائد، ويتزين بالأخلاق الفاضلة فى كل المواقف، مما يجعل قادة العالم يقفون له احترامًا، ويحرصون على دعوته لزيارة بلادهم، مع تلبية دعوته لزيارة القاهرة، ويؤكدون فى جميع المحافل تشرفهم بصداقته على الهواء مباشرة، وليس فى اللقاءات المغلقة فقط. ومن هؤلاء الزعماء الرئيس الأمريكى ترامب، كما حدث فى قمة شرم الشيخ للسلام، والرئيس الفرنسى ماكرون خلال زياراته المتكررة للقاهرة، والرئيس الروسى بوتين، والزعيم الصينى شى جين بينج، وكل القادة العرب من الخليج إلى المحيط، ومختلف رؤساء الدول الإفريقية. وقد عبّر عن ذلك فى كلمات جامعة رئيس الوزراء الماليزي، أنور إبراهيم، خلال المؤتمر الصحفى مع الرئيس السيسى مؤخرًا، بالقول: «إنه شرف كبير لى أن أرحب بصديقى وأخى العزيز الرئيس السيسى، أنا أتعامل مع صديق عزيز».
وعبقرية دبلوماسية الجمهورية الجديدة تكمن فى بُعد نظرها، وقدرتها على قراءة المشهد الإقليمى والدولى بفهم تام وعقلانية كاملة. ففى مسرح العلاقات الدولية، لا مكان لصداقات دائمة، ولا مجال لعداوات أبدية، والموقف الصحيح يقتضى زيادة الأصدقاء وتقليل الأعداء بكل السبل، مع اللجوء إلى لغة المصالح المستدامة بين مختلف البلدان. بل إن الدرجة الكاملة فى السياسة الخارجية تتمثل فى تعدد العلاقات مع كل الدول وجميع التحالفات والتكتلات كافة، بما يخدم الأمن القومى وقوة الدولة. وكلما استطاعت القيادة السياسية تحويل الشركاء الإقليميين والدوليين إلى جدار صد استراتيجي، زادت من متانة الدولة وحصنت مصالحها، لأن شبكة العلاقات مع الأصدقاء فى المنطقة وخارجها، عبر الشراكات متعددة الملفات دبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا، تزيد من وزن الدولة وتحفظ هيبتها. وهذا ما يحدث على أرض الواقع منذ عام 2014، وتجنى مصر ثماره باعتبارها واحة للأمن والاستقرار فى هذه المنطقة المشتعلة، وقبلة للمستثمرين من شتى الدول.
والجولة الآسيوية بمثابة حلقة جديدة ضمن استراتيجية الرئيس السيسى لتوسيع خريطة الأصدقاء الاستراتيجيين، والتحرك المصرى وفق خطط مدروسة فى اتجاه التوازن الدولى، بلا انحياز إلى تحالف على حساب آخر، مع تحويل شرق آسيا إلى عمق استراتيجى جديد للقاهرة، وإتاحة الفرصة للدول الثلاث للاستفادة من موقعها بوصفها بوابة للقارة السمراء، إلى جانب التعاون مع شريك موثوق على المستويات كافة.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء