حدثنا عن الأهمية الاقتصادية لزيارة الرئيس السيسى إلى كوريا الجنوبية؟
الارتقاء بالعلاقات المصرية الكورية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية يمثل خطوة مهمة نحو تعميق التعاون الاقتصادى بين البلدين، ويعكس رؤية طموحة وواعدة لمستقبل هذه العلاقات، لكن من الضرورى التمييز بين الطموحات المعلنة والنتائج الفعلية على أرض الواقع. فالإطار العام لهذه الشراكة يبدو مشجعًا، إلا أننا ما زلنا فى انتظار خطوات أكثر تحديدًا لترجمة هذه الرؤية إلى استثمارات ومشروعات اقتصادية ملموسة.
ولعل الأرقام توضح حجم الفرص والتحديات القائمة. فوفقًا لبيانات وكالة ترويج التجارة والاستثمار الكورية، بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين نحو 1.74 مليار دولار عام 2025، لكن الصادرات الكورية إلى مصر بلغت نحو 1.67 مليار دولار، مقابل 70 مليون دولار فقط من الصادرات المصرية إلى كوريا، وهذا الاختلال الكبير يعكس ضرورة الانتقال من العلاقات التجارية التقليدية إلى شراكة إنتاجية أكثر توازنًا.
ما الذى يحوّل هذه الشراكة إلى نقطة تحول اقتصادية فعلية؟
من وجهة نظرى، لن يتحقق التحول الحقيقى بمجرد الإعلان عن الشراكة الاستراتيجية، وإنما عندما ينجح البلدان فى توفير فرص اقتصادية مجدية لكل طرف، وهنا تقع على الجانب المصرى مسؤولية مهمة تتمثل فى تقديم فرص استثمارية تتمتع بمزايا تنافسية حقيقية، لا مجرد الاكتفاء بالترويج لحجم السوق المصرية أو موقعها الجغرافى. فالمستثمر الكورى يهتم باستقرار السياسات الاقتصادية، وتكلفة الإنتاج، وكفاءة البنية التحتية، وتوافر العمالة المؤهلة، وسهولة ممارسة الأعمال، وأعتقد أن هناك فرصًا واعدة للتكامل بين الاقتصادين، خاصة فى التصنيع والتكنولوجيا والصناعات الهندسية والإلكترونية والسيارات الكهربائية، كما أن الإعلان عن إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، والتوجه نحو إنشاء منطقة صناعية كورية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يمثلان فرصتين مهمتين، لكن نجاحهما يتوقف على وجود خطط تنفيذية واضحة ومشاركة فعلية من القطاع الخاص فى البلدين، والأهم فى تقديرى ألا يقتصر التعاون على جذب الاستثمارات الكورية، وإنما أن يمتد إلى نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر المصرية وتطوير الصناعات المحلية ودمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة العالمية، فالهدف ينبغى أن يكون تحويل مصر من مجرد سوق للمنتجات الكورية إلى قاعدة للإنتاج والتصنيع والتصدير.
ومتفائل بإمكانات هذه الشراكة، لكن النجاح الحقيقى لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بحجم الاستثمارات التى تدخل حيز التنفيذ، وفرص العمل التى تُخلق، والتكنولوجيا التى تُنقل، والقيمة المضافة التى يحققها الاقتصاد المصرى، عندها فقط يمكننا القول إن الشراكة الاستراتيجية أصبحت نقطة تحول اقتصادية حقيقية، وليست مجرد تطور فى العلاقات الدبلوماسية.
ما القطاعات الأوفر حظًا لتحقيق قيمة مضافة فى مصر؟
هناك فرص واعدة فى الزراعة الذكية وتكنولوجيا إدارة المياه، والصناعات الإلكترونية، وصناعة السيارات ومكوناتها، والنقل الذكى، والطاقة المتجددة، وبناء السفن، فضلًا عن الصناعات العسكرية والدفاعية التى حققت فيها كوريا تقدمًا ملحوظًا، وهناك بالفعل تجارب مهمة يمكن البناء عليها، مثل اتفاقية التعاون مع شركة هيونداى روتيم عام 2022، بقيمة نحو 656 مليون دولار لتوريد وتصنيع 320 عربة مترو، ومشروع التعاون مع شركة هانوا الكورية فى الصناعات الدفاعية بقيمة تقارب 1.7 مليار دولار، والذى يتضمن نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلى. وهذه نماذج يمكن تطويرها لتعميق المكون المحلى وخلق فرص عمل صناعية أكثر تخصصًا.
وكيف يمكن تحويل هذه الفرص إلى استثمارات إنتاجية وصادرات وفرص عمل؟
يتطلب ذلك خطوات مؤسسية واضحة، فى مقدمتها التفعيل الحقيقى لمجلس الأعمال المصرى الكوري، الذى أُعيد تشكيل جانبه المصرى فى أغسطس 2026، وتعزيز التواصل المباشر بين الشركات لتحديد مشروعات قابلة للتنفيذ. والأهم ضمان استقرار السياسات الاقتصادية ووضوحها وقابليتها للتنبؤ، كما أرى أن نجاح الشراكة الاقتصادية - كما سبق أن أشرت - لا يتوقف على حجم الاستثمارات وحده، وإنما على نوعيتها ومدى مساهمتها فى نقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات المحلية، وزيادة الصادرات، ودمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة العالمية، فالمستثمر الأجنبى لا يبحث فقط عن الحوافز والإعفاءات، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة اقتصادية مستقرة وقواعد واضحة يمكن الوثوق بها.
ما أبرز دروس التجربة الكورية لبناء قاعدة إنتاجية مصرية أكثر تنافسية؟
لا أعتقد أن المطلوب هو استنساخ التجربة الكورية، فلكل بلد ظروفه التاريخية والمؤسسية المختلفة، المطلوب هو الاستفادة من مبادئها الأساسية: الانتقال من حماية الإنتاج المحلى إلى بناء إنتاج قادر على المنافسة عالميًا، وربط الدعم الحكومى بالأداء الفعلي، والاستثمار فى رأس المال البشرى، وبناء مؤسسات اقتصادية كفؤة ومستقرة.
وفى الوقت نفسه، أعتقد أن التجربة الكورية تقدم دروسًا بالغة الأهمية لمصر، ليس فقط فيما يتعلق بالسياسات الصناعية، وإنما أيضًا بكيفية إدارة الاقتصاد وتحديد الأولويات التنموية، فعلينا أن نتذكر أن كوريا الجنوبية كانت من أفقر دول العالم فى خمسينيات القرن الماضى، وخرجت من الحرب الكورية باقتصاد مدمر، وكانت فى جوانب عديدة أقل تقدمًا اقتصاديًا من مصر آنذاك. ومع ذلك، استطاعت خلال عقود قليلة التحول إلى إحدى أهم القوى الصناعية والتكنولوجية فى العالم.
ومن وجهة نظرى، فإن أحد أهم الفروق بين التجربتين يتمثل فى فلسفة التصنيع، فبينما ركزت مصر لفترات طويلة على سياسة إحلال الواردات وحماية السوق المحلية، تحولت كوريا خلال الستينيات إلى استراتيجية تقوم على تشجيع الصادرات والمنافسة فى الأسواق العالمية، ولتوضيح حجم هذا التحول، كانت الصادرات الكورية تمثل نحو 1فى المائة فقط من الناتج المحلى عام 1960، ثم تجاوزت 10فى المائة بنهاية الستينيات، لتصل صادرات السلع والخدمات إلى نحو 45.8فى المائة من الناتج المحلى عام 2025، مقارنة بنحو 19.8فى المائة فى مصر، وهذا فارق مهم، لأن المنافسة الدولية تدفع الشركات إلى تحسين الجودة والإنتاجية والتطوير التكنولوجي، بينما قد تؤدى الحماية المستمرة إلى بقاء صناعات غير قادرة على المنافسة.
أما الدرس الثانى فيتعلق بدور المؤسسات والسياسات الصناعية. فالدولة الكورية لم تكتفِ بتقديم الدعم للصناعات، وإنما ربطته بأهداف واضحة للإنتاج والتصدير، ومن الأمثلة المهمة أن الحكومة كانت تعقد اجتماعات شهرية لمتابعة أداء الصادرات، بمشاركة المسؤولين وممثلى الشركات، وتعمل على معالجة العقبات التى تواجه المصدرين. وقد تجاوز متوسط النمو السنوى للصادرات الكورية 40فى المائة خلال الفترة 1962–1973، وارتفعت حصة المنتجات المصنعة من إجمالى الصادرات من نحو 27فى المائة إلى قرابة 90فى المائة. وهذا يوضح أهمية وجود مؤسسات قادرة على التنسيق والمتابعة والمساءلة، وليس مجرد وضع خطط صناعية على الورق.
وفى تقديرى، فإن أهم درس تقدمه كوريا لمصر هو أن التنمية الصناعية لا تتحقق بمجرد إنشاء المصانع أو ضخ الاستثمارات، وإنما من خلال رؤية اقتصادية طويلة الأجل، ومؤسسات قادرة على تنفيذها، وسياسات مرنة تُقيَّم بنتائجها لا بشعاراتها.
فى ضوء عملك على استراتيجية ترويج الصادرات، ما أبرز العوائق الهيكلية أمام زيادة الصادرات المصرية وتنويعها؟
من خلال عملى السابق على تطوير إطار لاستراتيجية ترويج الصادرات المصرية، أرى أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع تكاليف الإنتاج أو ضعف القدرة التنافسية، وإنما تمتد إلى طبيعة المؤسسات والآليات التى تُصاغ من خلالها السياسات التصديرية نفسها، فرغم ارتفاع الصادرات المصرية غير البترولية إلى نحو 48.6 مليار دولار عام 2025، فإن الواردات بلغت نحو 83 مليار دولار، بما يعكس استمرار التحديات الهيكلية التى تواجه الاقتصاد المصرى.
فإحدى المشكلات الأساسية هى أن وضع الاستراتيجيات التصديرية فى بعض القطاعات يتأثر بدرجة كبيرة بمصالح كبار المصدرين والشركات القائمة بالفعل، بينما لا تحظى الشركات الصغيرة والمتوسطة والمصدرون المحتملون بتمثيل كافٍ فى عملية صنع القرار، كما أن اختيار القطاعات ذات الأولوية لا يستند دائمًا إلى معايير اقتصادية شفافة، وهذا يضعف المنافسة ويحد من فرص دخول شركات جديدة والانتقال إلى منتجات أعلى قيمة مضافة.
كيف يمكن رفع القيمة المضافة للصادرات ودمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة العالمية؟
تظهر أهمية التحول إلى صادرات ذات قيمة مضافة إذا نظرنا إلى أحد المؤشرات الاقتصادية التى تقيس مدى تنوع المنتجات التى تصدرها الدول وتطورها، حيث احتلت مصر المرتبة 66 من بين 132 اقتصادًا وفق بيانات عام 2023، ولذلك، فإن المطلوب ليس مجرد زيادة حجم الصادرات، بل تطوير هيكلها الإنتاجى وتشجيع الابتكار والصناعات المغذية ودمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة العالمية، ويتطلب ذلك أيضًا إصلاح البيئة القانونية، خاصة سرعة الفصل فى المنازعات التجارية وإنفاذ العقود، وتبسيط الإجراءات الجمركية وضمان استقرار السياسات الاقتصادية.
كيف يمكن لمصر، بوصفها بوابة إلى إفريقيا، تعزيز التعاون الصناعى والتجارى مع كوريا؟
فيما يتعلق بإفريقيا، فإن الفرص لا تزال كبيرة، فقد بلغت الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الإفريقى نحو 7.8 مليار دولار فى 2024، لكن خمس دول فقط استحوذت على نحو 69فى المائة منها، وهو ما يكشف عن محدودية التنوع الجغرافى للأسواق التصديرية المصرية، وهنا يمكن بناء شراكات صناعية ثلاثية بين مصر وكوريا الجنوبية والدول الإفريقية، تقوم على الاستفادة من التكنولوجيا الكورية والقدرات الإنتاجية المصرية للوصول إلى الأسواق الإفريقية، خاصة فى إطار اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وفى النهاية، أرى أن التحدى الحقيقى ليس فقط فى زيادة الصادرات، وإنما فى توسيع قاعدة المصدرين، وتطوير منتجات أعلى قيمة مضافة، وبناء مؤسسات أكثر شفافية وكفاءة. والأهم أن هذا الإصلاح المؤسسى لا يتطلب بالضرورة إنفاقًا حكوميًا ضخمًا، وإنما يحتاج قبل كل شيء إلى رؤية اقتصادية واضحة وإرادة حقيقية لتنفيذها، فالمشكلة ليست دائمًا فى نقص الموارد، وإنما فى كيفية إدارتها وتوجيهها نحو الأنشطة الأكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة.
كيف تبنى الاقتصادات الناشئة قدرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية المتكررة؟
الحقيقة أن مهمة صانع السياسة الاقتصادية لا تقتصر على إدارة الظروف الطبيعية، وإنما تشمل أيضًا توقع المخاطر المحتملة والاستعداد لها قبل وقوعها. وهذا من أبجديات الإدارة الاقتصادية الحديثة، ومن هنا تأتى أهمية التخطيط القائم على السيناريوهات المختلفة، ووضع خطط طوارئ واضحة للتعامل مع احتمالات اضطراب إيرادات قناة السويس، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع السياحة والاستثمار، أو حدوث ضغوط مفاجئة على النقد الأجنبى. ولا يعنى ذلك أن الدولة تستطيع منع هذه الصدمات، وإنما أن تكون لديها القدرة المؤسسية والمالية على امتصاص آثارها وتقليل تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية.
وبالنسبة للاقتصادات الناشئة، فإن بناء هذه القدرة يتطلب تنويع مصادر الدخل القومى والعملات الأجنبية، وتعزيز القاعدة الإنتاجية والتصديرية، وتجنب الاعتماد المفرط على مصادر إيرادات شديدة التأثر بالتقلبات الخارجية، إلى جانب إدارة الدين العام بحذر وتكوين هوامش مالية ونقدية تسمح بالتدخل عند الضرورة، والأهم فى تقديرى هو أن تكون هناك مؤسسات قادرة على تقييم المخاطر بصورة مستمرة، والتنسيق بين السياسات الاقتصادية المختلفة، واتخاذ قرارات استباقية بدلًا من الاكتفاء بردود الأفعال بعد وقوع الأزمات، فالصمود الاقتصادى لا يبدأ عند وقوع الأزمة، وإنما يبدأ قبلها بسنوات من خلال جودة المؤسسات وكفاءة التخطيط الاقتصادى.
ما الأدوات اللازمة لتحويل الاستجابة للأزمات إلى استعداد مسبق؟
الاستعداد لا يتحقق بمجرد إدراك المخاطر أو امتلاك خبرات سابقة معها، وإنما من خلال تحويل المعرفة إلى قدرات مؤسسية وإجراءات عملية. فالدولة التى تتعلم من الأزمات ليست بالضرورة تلك التى تعرضت لأزمات كثيرة، وإنما تلك التى استطاعت تحويل هذه التجارب إلى مؤسسات وسياسات تجعلها أكثر استعدادًا للأزمة التالية.
ومن هذا المنطلق، أرى ضرورة إنشاء منظومة مؤسسية متكاملة للإنذار المبكر بالمخاطر الاقتصادية، تعتمد على مؤشرات مثل أسعار الطاقة والغذاء، وحركة التجارة العالمية، وتدفقات النقد الأجنبى، ومستويات الدين، والمخاطر الجيوسياسية، وينبغى أن يصاحب ذلك إعداد سيناريوهات وخطط طوارئ محددة، مع توزيع واضح للمسؤوليات بين البنك المركزى والوزارات والجهات الاقتصادية المعنية، واختبار هذه الخطط وتحديثها بصورة دورية.
كيف تقيّم دور المؤسسات المالية الدولية، وفى مقدمتها صندوق النقد، فى دعم الاقتصادات الناشئة؟
أعتقد أن نقطة البداية فى تقييم العلاقة بين الاقتصادات الناشئة والمؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولى، هى فهم طبيعة الدور الذى أُنشئت هذه المؤسسات للقيام به. فصندوق النقد ليس مؤسسة مسؤولة عن تحقيق التنمية الاقتصادية نيابة عن الحكومات، وإنما يتمثل دوره الأساسى فى دعم الاستقرار المالى والنقدى ومساعدة الدول على معالجة الاختلالات الاقتصادية، خاصة عندما تواجه أزمات تمويلية حادة. وبالتالى، من الخطأ التعامل مع برامج الصندوق باعتبارها بديلًا عن استراتيجية وطنية للتنمية.
والمشكلة فى تقديرى أن الخطابات العامة فى كثير من الدول النامية تنظر إلى هذه المؤسسات منذ البداية من منظور المؤامرة والتدخل الخارجى، ولا أرى أن هذا التفسير يساعدنا على فهم طبيعة العلاقة، فالأمر ليس بالضرورة مؤامرة، وإنما هناك تضارب طبيعى فى المصالح والأولويات بين الدول المقترضة والمؤسسات الدولية، التى تتأثر هياكل الحوكمة والتصويت فيها بدرجة كبيرة بالقوة الاقتصادية للدول المتقدمة، فبينما تسعى الدول النامية إلى تحقيق النمو وتوفير فرص العمل والحفاظ على الاستقرار الاجتماعى، تركز المؤسسات المقرضة على استعادة الاستقرار الاقتصادى وضمان استدامة المديونية والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية. وهذه الأهداف ليست متعارضة بالضرورة، لكنها قد تتطلب سياسات مختلفة، خاصة فيما يتعلق بسرعة الإصلاح وتوزيع تكلفته الاقتصادية والاجتماعية.
كيف يمكن تطوير برامج الإصلاح لتراعى ظروف كل دولة وتعزز قدراتها الإنتاجية؟
أرى أن تطوير برامج الإصلاح يجب أن يقوم على مراعاة الظروف المؤسسية والاقتصادية لكل دولة، بدلًا من الاعتماد المفرط على وصفات موحدة، كما ينبغى ألا تقتصر مؤشرات نجاح البرامج على خفض العجز أو استقرار سعر الصرف وزيادة الاحتياطيات، بل أن تشمل أيضًا تحسن بيئة الأعمال، وكفاءة المؤسسات، والاستثمار الخاص، والقدرة الإنتاجية والتصديرية، وفرص العمل.
وفى النهاية، أعتقد أن نجاح العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية لا يتحقق بمجرد الحصول على التمويل أو اجتياز مراجعات البرامج، وإنما بقدرة الدولة على استخدام الاستقرار الاقتصادى المؤقت لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، وأقل احتياجًا إلى برامج الإنقاذ مستقبلًا.
ما المؤشرات التى ينبغى أن يتجاوز إليها تقييم الإصلاح الاقتصادى لقياس أثره على الإنتاجية والصادرات وفرص العمل ومستوى المعيشة؟
أعتقد أن إحدى المشكلات الأساسية فى تقييم الأداء الاقتصادى هى أننا نختزل الاقتصاد أحيانًا فى مؤشرات التضخم وأسعار الصرف والاحتياطيات النقدية والعجز المالي. ورغم أهمية هذه المؤشرات لتحقيق الاستقرار الاقتصادى، فإن اقتصادات التنمية أوسع بكثير من ذلك، فالهدف النهائى للسياسات الاقتصادية ليس تحسين الأرقام فى حد ذاتها، وإنما تحسين حياة المواطنين ورفع مستويات رفاهيتهم، ولذلك، أرى أن تقييم برامج الإصلاح يجب أن يقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: الاستقرار الاقتصادى الكلى، والتحول الهيكلى من خلال زيادة الإنتاجية والصادرات والاستثمار الخاص، والتنمية البشرية من خلال تحسين الصحة والتعليم وجودة فرص العمل والحد من الفقر وعدم المساواة. كما ينبغى متابعة هذه المؤشرات بصورة دورية ومقارنتها بمؤشرات دول ذات مستويات تنموية وظروف اقتصادية مختلفة، حتى نتمكن من الحكم على مدى استدامة التحسن الاقتصادى.
ما الخطوات المؤسسية اللازمة لضمان استمرار إصلاحات مصر بعد انتهاء برنامج صندوق النقد؟
أعتقد أن ضمان استدامة الإصلاحات الاقتصادية بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى يمثل تحديًا مؤسسيًا وسياسيًا كبيرًا، وليس مجرد مسألة فنية تتعلق بالسياسات المالية والنقدية. فمن الصعب بناء برنامج اقتصادى وطنى حقيقى دون وجود مستويات كافية من الشفافية والمساءلة والمشاركة فى صنع القرار. كما أن أى برنامج اقتصادى جاد يجب أن يقوم على رؤية واضحة ومعلنة، يفهم من خلالها المواطنون والمستثمرون ومختلف الأطراف المعنية لماذا تتبنى الدولة سياسات معينة، وما أهدافها، وما تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وكيف سيتم تقييم نجاحها. وهذا يتطلب شفافية أكبر فى إدارة المالية العامة والدين والاستثمار الحكومى، ومؤسسات رقابية مستقلة وفعالة، وآليات واضحة لتقييم المشروعات والسياسات قبل تنفيذها وبعده.
ومن المهم أيضًا ألا ترتبط المساءلة الاقتصادية بمواعيد مراجعات صندوق النقد الدولى، بل أن تصبح جزءًا دائمًا من عمل مؤسسات الدولة، فالمراجعة الحقيقية للسياسات يجب أن تنبع من الداخل، من خلال البرلمان والمؤسسات الرقابية والمجتمع البحثى والقطاع الخاص، وليس فقط استجابة لشروط المؤسسات الدولية.
كيف تنتقل مصر من تدبير التمويل العاجل إلى توليد النقد الأجنبى بصورة مستدامة؟
أعتقد أن نقطة البداية هى التمييز بين إدارة أزمة النقد الأجنبى وبناء اقتصاد قادر على توليده بصورة مستدامة. فالحصول على قروض خارجية أو اجتذاب استثمارات استثنائية قد يساهم فى تخفيف الضغوط المالية والنقدية على المدى القصير، لكنه لا يعالج بالضرورة الأسباب الهيكلية التى تؤدى إلى تكرار هذه الأزمات، ولعل التجربة المصرية تقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فقد ساهمت صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار عام 2024 فى تخفيف الضغوط على النقد الأجنبى، لكنها تظل صفقة استثنائية لا يمكن تكرارها بصورة مستمرة. كما أن إيرادات قناة السويس انخفضت من نحو 6.6 مليار دولار فى السنة المالية 2023/2024 إلى 3.6 مليار دولار فى 2024/2025، وهو ما يكشف مدى تأثر بعض مصادر النقد الأجنبى بالصدمات الجيوسياسية الخارجة عن سيطرة الدولة.
ومن وجهة نظرى، فإن الحل المستدام يكمن فى تطوير القاعدة الإنتاجية والتصديرية، وليس مجرد البحث عن مصادر جديدة للتمويل. وهذا يتطلب الانتقال إلى صناعات أعلى قيمة مضافة، وتطوير الصناعات المغذية، وزيادة المكون المحلى فى الإنتاج، ودمج الشركات المصرية فى سلاسل القيمة العالمية. كما يجب الاهتمام بتصدير الخدمات، خاصة تكنولوجيا المعلومات والخدمات الهندسية والسياحة ذات القيمة المضافة المرتفعة، باعتبارها مصادر مهمة ومتنوعة للنقد الأجنبى، لكن تحقيق ذلك يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا. فالمستثمر المنتج يحتاج إلى سياسات اقتصادية مستقرة، وقواعد واضحة للمنافسة، وإجراءات تجارية وجمركية فعالة، وضمان القدرة على تحويل الأرباح والوفاء بالالتزامات الخارجية. كما ينبغى أن تتجه الحوافز الاستثمارية نحو المشروعات التى تخلق قدرات إنتاجية وتصديرية طويلة الأجل، بدلًا من التركيز على حجم التدفقات المالية وحده.
والأهم أن نفرق بين الاستثمار الذى يدخل إلى الاقتصاد لمرة واحدة، والاستثمار الذى يبنى مصانع وشركات وقدرات تكنولوجية تستطيع توليد إيرادات تصديرية لسنوات طويلة. فالأول قد يعالج أزمة سيولة مؤقتة، بينما يمكن للثانى أن يساهم فى معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد.
وفى النهاية، أرى أن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغى أن يُقاس فقط بقدرتها على توفير الدولار عند حدوث الأزمة، وإنما بقدرتها على بناء اقتصاد ينتج ويصدر ويولد النقد الأجنبى بصورة مستدامة. فالهدف الحقيقى ليس أن نصبح أكثر قدرة على تمويل العجز الخارجى، وإنما أن نطور اقتصادًا أكثر إنتاجية وتنافسية، وأقل احتياجًا إلى التمويل الاستثنائى والاقتراض المتكرر.
ما الأولويات الثلاث لمصر خلال السنوات الخمس المقبلة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على الصمود؟
أعتقد أن مصر تحتاج خلال السنوات الخمس المقبلة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية، ليس فقط لمواجهة الأزمات المتكررة، وإنما لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية وقدرة على تحقيق التنمية المستدامة. ومن وجهة نظري، هناك ثلاث أولويات أساسية ينبغى التركيز عليها.
الأولوية الأولى: الإصلاح المؤسسى الحقيقى. فكما أكدت فى أكثر من مناسبة، المشكلة فى مصر ليست بالضرورة نقص الموارد أو غياب الخطط الاقتصادية، وإنما فى كفاءة المؤسسات والقواعد التى تحكم النشاط الاقتصادى، والثانية: التحول من اقتصاد يركز على تدبير التمويل إلى اقتصاد قادر على توليد الموارد بصورة مستدامة، وهذا يتطلب إعطاء أولوية حقيقية للتصنيع الموجه للتصدير، وتطوير الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة.
والثالثة: الاستثمار فى رأس المال البشرى وتعزيز القدرة المؤسسية على مواجهة الأزمات. فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة دون تعليم وتدريب يرتبطان باحتياجات سوق العمل، وتوسيع المشاركة الاقتصادية للنساء والشباب، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية، وأخيرًا، أعتقد أن مصر لا تحتاج بالضرورة إلى مزيد من الاستراتيجيات والخطط المكتوبة، وإنما تحتاج لبناء اقتصاد ينتج ويصدر ويوفر فرص عمل جيدة، ويحقق تحسنًا ملموسًا فى حياة المواطنين، وهذه، فى تقديرى، هى الغاية الحقيقية من أى مشروع للتنمية الاقتصادية.