رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

استراتيجية «التوطين والتطوير».. الصناعة «مصرية» والخبرة «كورية»


15-10-2026 | 13:48

.

طباعة
تقرير: رحاب فوزى

شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر وكوريا الجنوبية عهدًا صناعيًا جديدًا، وسط مؤشرات إيجابية بقدرة الاستثمارات على تحقيق نمو مستدام ونقل التكنولوجيا وخلق فرص عمل جديدة.

 

بداية من الإلكترونيات والأجهزة المنزلية وصولًا إلى الطاقة النظيفة وإنشاء منطقة اقتصادية كورية بقناة السويس، حققت الاستثمارات الكورية الجنوبية فى مصر قفزة ملحوظة، مدفوعة بتقارب العلاقات بين الدولتين، وتوجه القاهرة نحو توطين الصناعة وزيادة الصادرات، إلى جانب سعى الشركات الكورية إلى الاستفادة من الموقع الجغرافى لمصر باعتبارها نقطة اتصال بين الأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية بحسب تصريحات د. محمد فريد وزير الاستثمار، مؤكدًا أن مصر تتطلع إلى توسيع الاستثمارات الكورية الصناعية فى مصر، بما يدعم برامج توطين الصناعات المتقدمة، وفى مقدمتها صناعة السيارات والإلكترونيات والبتروكيماويات والطاقة الجديدة والمتجددة، فضلًا عن تعزيز التعاون الاقتصادى والاستثمارى والصناعى والتكنولوجى، وتوسيع نفاذ الصادرات المصرية إلى السوق الكورية.

وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت الاستثمارات الكورية الجنوبية فى مصر 736.3 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالى 2025-2026، مقابل 77.2 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من العام المالى السابق، بزيادة بلغت 853.8 فى المائة، وتعكس هذه الأرقام ارتفاعًا كبيرًا فى تدفقات الاستثمار خلال الفترة المذكورة، لكنها لا تعنى بالضرورة أن إجمالى رصيد الاستثمارات الكورية المتراكمة فى مصر وصل إلى هذا المبلغ؛ إذ يجب التمييز بين التدفقات خلال فترة محددة وإجمالى الاستثمارات القائمة، بحسب تصريحات د. محمد عوض، رئيس الهيئة العامة للاستثمار.

أكد رئيس هيئة الاستثمار، أن ارتفاع الاستثمارات الكورية من 288 مليون دولار خلال العام المالى 2023-2024 إلى 413 مليون دولار خلال العام المالى 2024-2025، والشركات الكورية العاملة فى مصر تحقق إنتاجًا سنويًا يتجاوز 1.5 مليار دولار، وتصدر نحو 80 فى المائة منه إلى 47 دولة فى إفريقيا والشرق الأوسط، فضلًا عن توفير أكثر من 6 آلاف فرصة عمل مباشرة، وتوضح هذه المؤشرات أن أهمية الوجود الكورى لا تقتصر على ضخ رؤوس الأموال، بل تمتد إلى الإنتاج والتصدير والتشغيل، وهى عناصر تكتسب أهمية خاصة فى ظل سعى مصر إلى زيادة مواردها من النقد الأجنبى وتوسيع قاعدتها الصناعية.

أضاف محمد عوض، أنه تتنوع مجالات الاستثمار والتعاون الكورى فى مصر بين الإلكترونيات والأجهزة الكهربائية، والصناعات الهندسية، والكابلات، والكيماويات، والصلب، والملابس الجاهزة، إلى جانب النقل والطاقة والتكنولوجيا، وتبرز شركات مثل سامسونج وإل جى ضمن الشركات الكورية العاملة فى السوق المصرية، فيما تشمل مجالات التعاون الأوسع مشروعات النقل والسكك الحديدية والصناعات الدفاعية والطاقة.

«مصر وكوريا الجنوبية قامتا بتوسيع التعاون فى مجالات التحول الرقمى والذكاء الاصطناعى والتدريب الفنى، وتجاوزت محفظة مشروعات التعاون التنموى الجارى تنفيذها مع الجانب الكورى 1.3 مليار دولار، وتشمل مجالات متعددة، من بينها النقل والتعليم والتدريب المهنى والطاقة والتحول الرقمي»، بينما أضاف رئيس هيئة الاستثمار، أنه من المهم التمييز بين الاستثمارات التجارية المباشرة، ومشروعات التعاون التنموى والتمويل الميسر؛ فهذه المحفظة لا تمثل إجمالى الاستثمارات الكورية المباشرة فى مصر.

بالتزامن مع تحركات سياسية واقتصادية تستهدف توسيع نطاق التعاون، وإقامة شراكات صناعية تتجاوز الأنشطة التقليدية إلى قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعات المتقدمة، أشار د. أيمن غنيم، أستاذ إدارة الأعمال، الخبير الاقتصادى، إلى أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تتصدر المشهد بوصفها إحدى المناطق المرشحة لاستقبال توسعات صناعية كورية جديدة، فى ضوء موقعها الجغرافى، وقربها من الموانئ، وإمكانية استخدامها قاعدة للإنتاج والتصدير إلى أسواق متعددة. وفى أكتوبر 2026، جدد الرئيس عبدالفتاح السيسى دعوة مصر لإقامة منطقة صناعية كورية متكاملة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، خلال اجتماع مع ممثلى 23 شركة كورية كبرى فى سيؤول.

أوضح غنيم أن هناك فرصًا أكبر للتعاون بين الدولتين خلال المرحلة المقبلة، من أجل توطين الصناعة والانتقال من مرحلة التجميع إلى التصنيع، حيث إن زيادة إنتاج المكونات محليًا بدلًا من الاكتفاء بالتجميع، سيدعم سلاسل الإمداد المحلية ويرفع القيمة المضافة، بحسب غنيم.

وفى يناير 2026، وقّعت مصر وكوريا الجنوبية إعلانًا مشتركًا لدفع مسار التفاوض بشأن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة، كما ناقش الجانبان سبل دعم دخول الشركات الكورية إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لكن استمرار النمو ليس مضمونًا تلقائيًا؛ إذ سيتوقف على تنفيذ المشروعات المعلنة، وقدرة الشركات على التعامل مع تكاليف التمويل والتشغيل، ومدى استقرار القواعد المنظمة للاستثمار، وحجم المكون المحلى والصادرات التى ستنتجها المشروعات الجديدة.

وتأتى تلك القفزة فى حجم تدفقات الاستثمارات الكورية خلال النصف الأول من العام المالى 2025-2026 كمؤشر مهم على اتساع فرص التعاون بين مصر وكوريا الجنوبية، غير أن قياس نجاح هذه الشراكة لن يعتمد على قيمة التدفقات وحدها، بل على قدرتها على إنشاء طاقات إنتاجية مستدامة، وتوفير وظائف نوعية، وزيادة الصادرات، ونقل التكنولوجيا إلى الاقتصاد المحلى، بحسب غنيم.

مطالب وتحديات تواجه رواد الأعمال الكوريين

أما على مستوى مجتمع الأعمال الكورى، فكشفت المناقشات الرسمية عن اهتمام بفرص توسع رواد الأعمال الكوريين فى مصر؛ ففى يناير 2026، عقد وزير التجارة والصناعة والموارد الكورى الجنوبى اجتماعًا مع ممثلى شركات كورية تعمل فى مصر، من بينها «سامسونج»، و«إل جي»، و«هيونداي»، و«هانوا إيروسبيس»، بينما تناول الاجتماع مطالب تتعلق بالتمويل وتبسيط الإجراءات الإدارية، مع بحث وسائل معالجة المعوقات التى تواجه الشركات.

وفى ديسمبر 2025، ناقشت لجنة مصرية كورية لتنمية الأعمال والاستثمار، بمشاركة الهيئة العامة للاستثمار وممثلين عن الجهات الحكومية والشركات الكورية، التحديات التشغيلية وسبل تحسين إجراءات التراخيص والخدمات المقدمة للمستثمرين، وتكشف هذه المناقشات عن جانب أساسى من مستقبل الاستثمار، فالموقع الجغرافى والحوافز وحدهما لا يكفيان، إذا لم يصاحبهما وضوح فى الإجراءات، وسرعة فى التراخيص والتخليص الجمركى، وإمكانية التنبؤ بالتكاليف وشروط التشغيل.

العلاقات التجارية بين مصر وكوريا الجنوبية شهدت نقلة نوعية؛ فبينما تتركز الواردات المصرية فى الآلات والمعدات والأجهزة والسيارات ومكوناتها، إلى جانب المنتجات الوسيطة، تتنوع الصادرات المصرية لتشمل المنتجات الغذائية والزراعية وعددًا من السلع الصناعية. غير أن الفرصة الحقيقية لا تقتصر على زيادة حجم التبادل التجارى، بل تمتد إلى بناء شراكة اقتصادية وإنتاجية أكثر تكاملًا، من خلال توظيف التكنولوجيا والخبرات الصناعية الكورية فى دعم القدرات التصنيعية المصرية، للانتقال من مرحلة التجميع إلى التصنيع بأيادٍ مصرية.

 
 

الاكثر قراءة