رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

م. عمرو صبحي يكتب: بصمة العين والعقود الموثقة.. ضرورة لحل أزمة خطوط المحمول


15-8-2026 | 13:58

.

طباعة
بقلم: المهندس عمرو صبحي خبير أمن المعلومات والتحول الرقمي
في ظل تسارع وتيرة التحول الرقمي الذي تشهده مصر، تبرز قضية خطوط الهاتف المحمول باعتبارها إحدى القضايا التي تستدعي مزيدًا من الضبط والتنظيم، لما قد تسببه ثغرات تسجيل الخطوط وتداولها من مخاطر تتعلق بانتحال الهوية والاحتيال والجرائم الإلكترونية.
فبينما تتجه الدولة نحو بناء منظومة رقمية متكاملة، لا تزال هناك تحديات مرتبطة بآليات تسجيل خطوط المحمول والتحقق من هوية المستخدم الفعلي. وقد يؤدي تسجيل خطوط ببيانات غير دقيقة، أو تداولها عبر قنوات غير رسمية، إلى استخدام أرقام في ارتكاب جرائم، بينما يجد أصحاب البيانات أنفسهم أمام أعباء قانونية وإجرائية لإثبات عدم صلتهم بها.

خطوط المحمول.. ثغرة تستدعي المعالجة لا تتوقف المشكلة عند مجرد امتلاك خط غير مستخدم من صاحبه الحقيقي، وإنما تمتد آثارها إلى جرائم الاحتيال الإلكتروني، وإنشاء الحسابات الوهمية، والابتزاز، وانتحال الهوية، فضلًا عن احتمالات استخدام خطوط مجهولة أو مسجلة ببيانات غير صحيحة في ارتكاب جرائم يصعب معها الوصول إلى المستخدم الفعلي .

الأكثر خطورة أن يجد مواطن نفسه أمام خطوط مسجلة باسمه دون علمه، ثم يضطر إلى الدخول في إجراءات متعددة لإثبات عدم ملكيته لها، في وقت يفترض أن تكون فيه منظومة التسجيل نفسها قادرة على إثبات هوية صاحب الخط منذ لحظة التعاقد.

ومن هنا، فإن معالجة المشكلة لا ينبغي أن تقتصر على حملات موسمية أو إجراءات ورقية، وإنما تحتاج إلى إعادة النظر في منظومة التسجيل والتحقق من الهوية بصورة أكثر شمولًا .

ماذا يفعل المواطن إذا اكتشف خطوطًا مسجلة باسمه؟ عندما يكتشف المواطن وجود خطوط محمول مسجلة باستخدام بياناته الشخصية ولا تخصه، فإن الخطوة الأولى تتمثل في الاستعلام عن جميع الخطوط المسجلة باسمه لدى شركات الاتصالات، ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإلغاء أي خطوط لا تخصه، مع الاحتفاظ بالمستندات التي تثبت ذلك.

كما ينبغي تقديم شكوى إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، وتحرير محضر رسمي في حال وجود شبهة استخدام بيانات المواطن دون علمه أو موافقته، خاصة إذا تبين استخدام أحد الخطوط في ارتكاب مخالفة أو جريمة .

وفي الحالات التي ترتب عليها ضرر فعلي، يمكن للمواطن الاستعانة بمحامٍ متخصص لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، مع الاحتفاظ بأرقام الشكاوى والمحاضر والمستندات المتعلقة بالواقعة.

لكن السؤال الأهم هنا هو: لماذا يتحمل المواطن كل هذه الإجراءات بعد وقوع المشكلة، بدلًا من منعها من الأساس؟ .

بصمة العين.. مقترح لتشديد التحقق من الهوية أحد الحلول التي يمكن بحثها لتطوير منظومة تسجيل خطوط المحمول هو الاعتماد على وسائل تحقق بيومترية أكثر تطورًا، ومن بينها تقنية التعرف على قزحية العين.

وتتميز البيانات البيومترية بقدرتها على ربط عملية التسجيل بالشخص نفسه، بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على مستندات يمكن فقدانها أو سرقتها أو إساءة استخدامها .

ومن هذا المنطلق، يمكن دراسة تطبيق نظام يعتمد على التحقق البيومتري عند شراء وتفعيل خطوط المحمول، بحيث لا يتم تفعيل الخط إلا بعد التأكد من هوية الشخص الذي يتعاقد عليه ومطابقة بياناته الرسمية.

#كيف يمكن تطبيق المنظومة؟ يمكن أن تقوم المنظومة المقترحة على عدد من الإجراءات، من بينها: .

1. توفير أجهزة تحقق بيومتري معتمدة في منافذ البيع الرسمية لشركات الاتصالات.

2. ربط منظومة التحقق بقواعد البيانات الحكومية وفق الضوابط القانونية والتقنية المعتمدة .

3. عدم تفعيل الخط قبل التحقق من هوية المتعاقد بصورة إلكترونية.

4. تأمين البيانات البيومترية وتشفيرها وفق أعلى معايير أمن المعلومات وحماية الخصوصية .

5. قصر بيع وتفعيل الخطوط على المنافذ المعتمدة وتشديد الرقابة على المخالفين.

ولا ينبغي النظر إلى البصمة البيومترية باعتبارها رفاهية تكنولوجية، وإنما باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في رفع مستوى الأمان، شريطة أن يتم تطبيقها وفق إطار قانوني واضح يضمن حماية البيانات الشخصية وعدم إساءة استخدامها .

العقد الموثق.. طبقة حماية إضافية

إلى جانب التحقق البيومتري، يمكن تطوير العلاقة التعاقدية بين المواطن وشركة الاتصالات من خلال عقد إلكتروني موثق يثبت بصورة واضحة هوية المتعاقد وملكيته للخط .

ولا ينبغي أن يقتصر الأمر على تسجيل بيانات بطاقة الرقم القومي أو الاحتفاظ بصورة منها، وإنما يمكن أن يتضمن العقد بيانات المواطن الكاملة، وبيانات الخط، وتاريخ التفعيل، ونوع الاشتراك، وإقرارًا صريحًا بالملكية، إلى جانب التوقيع الإلكتروني ووسائل التحقق البيومتري المعتمدة.

كما يجب أن يحصل المواطن على نسخة من العقد، ورقية أو رقمية، وأن تكون بيانات العقد متاحة له عبر منصة حكومية إلكترونية، بما يسمح له بالاطلاع على الخطوط والعقود المسجلة باسمه في أي وقت .

ويمنح هذا النظام طرفي العلاقة قدرًا أكبر من الحماية؛ فالمواطن يمتلك مستندًا واضحًا يثبت ملكيته للخط، وشركة الاتصالات تمتلك بدورها سجلًا موثقًا يحدد هوية المتعاقد الفعلي.

منصة قومية موحدة للاستعلام من الإجراءات المهمة أيضًا إنشاء منصة رقمية قومية موحدة تتيح للمواطن الاستعلام عن جميع خطوط المحمول المسجلة باسمه لدى مختلف شركات الاتصالات .

ويجب ألا تقتصر المنصة على الاستعلام فقط، وإنما تتيح للمواطن الإبلاغ عن أي خط لا يخصه، وبدء إجراءات الإلغاء أو الاعتراض إلكترونيًا، مع الحصول على رقم مرجعي يمكن من خلاله متابعة الطلب حتى الانتهاء منه.

مثل هذه المنصة ستنقل المواطن من مرحلة اكتشاف المشكلة بعد وقوعها إلى مرحلة الرقابة المستمرة على استخدام بياناته الشخصية .

مراجعة دورية وتطهير للبيانات تحتاج منظومة خطوط المحمول كذلك إلى مراجعة دورية للبيانات، بما يضمن التخلص من الخطوط غير النشطة أو التي تحتوي على بيانات غير مكتملة أو غير متوافقة مع قواعد التسجيل.

ويجب أن تتزامن هذه المراجعات مع آليات واضحة للمساءلة، سواء بالنسبة لمنافذ البيع التي تخالف قواعد التسجيل، أو لأي جهة يثبت تقصيرها في تطبيق إجراءات التحقق .

كما ينبغي تشديد العقوبات على بيع الخطوط أو تفعيلها بالمخالفة للقواعد، وعلى استخدام بيانات المواطنين أو تزويرها، بما يحقق الردع ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق المواطنين.

حماية البيانات جزء أساسي من الحل وفي الوقت الذي تبدو فيه تقنيات التحقق البيومتري والعقود الرقمية جزءًا من الحل، فإن تطبيقها يجب أن يراعي بصورة صارمة قواعد حماية البيانات الشخصية .

فجمع بيانات شديدة الحساسية مثل البيانات البيومترية يتطلب بنية أمنية قوية، وضوابط دقيقة لتحديد الجهات التي يمكنها الوصول إليها، وآليات واضحة للتخزين والتشفير والاستخدام، إلى جانب رقابة مستقلة تضمن عدم إساءة استخدام هذه البيانات.

فالهدف من تطوير منظومة التسجيل ليس استبدال ثغرة بأخرى، وإنما إنشاء منظومة تحقق آمنة تحمي هوية المواطن وتحافظ على خصوصيته في الوقت نفسه .

التحول الرقمي يبدأ من تأمين الأساسيات التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ فقط بالتطبيقات الذكية والخدمات الإلكترونية المتقدمة، وإنما يبدأ قبل ذلك بتأمين البنية الأساسية التي تقوم عليها هذه الخدمات.

ويمثل خط الهاتف المحمول أحد العناصر الرئيسية في الحياة الرقمية للمواطن، إذ يرتبط اليوم بالحسابات البنكية، والخدمات الحكومية، وتطبيقات التواصل، وخدمات الدفع الإلكتروني وغيرها من الخدمات التي تعتمد على رقم الهاتف في التحقق من الهوية .

ومن ثم، فإن تأمين منظومة تسجيل الخطوط يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الرقمي في الدولة.

المطلوب هو بناء منظومة متكاملة تجمع بين التحقق البيومتري، والعقد الإلكتروني الموثق، والمنصة القومية للاستعلام، والمراجعة الدورية، والعقوبات الرادعة، وضمانات حماية البيانات الشخصية .

هذه الإجراءات، إذا جرى تنفيذها ضمن إطار قانوني وتقني متكامل، يمكن أن تقلل بصورة كبيرة من فرص انتحال الهوية وإساءة استخدام بيانات المواطنين، وتعيد بناء الثقة في منظومة تسجيل خطوط المحمول.

فالقضية لم تعد مجرد مسألة تنظيمية تخص شركات الاتصالات، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة حماية الهوية الرقمية للمواطن .

والمواطن المصري يستحق منظومة تحمي بياناته وهويته، وتمنع تحميله تبعات خط لم يتعاقد عليه، وفي الوقت نفسه تضمن تحديد المسؤولية بصورة واضحة عندما يثبت استخدام خط في ارتكاب مخالفة أو جريمة.

بصمة العين، والعقد الموثق، والمنصة القومية، والمراجعة الدورية، والعقوبات الرادعة.. منظومة متكاملة يمكن أن تحول خطوط المحمول من ثغرة محتملة إلى عنصر أكثر أمانًا في منظومة الهوية الرقمية المصرية .

الاكثر قراءة