رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العالم يعيد رسم الخريطة الاقتصادية


13-8-2026 | 12:03

.

طباعة
بقلـم: د. وفاء على

خلف الأبواب الدبلوماسية تدور أحداث وقصص تبدأ عند الخريطة الاقتصادية العالمية، وتنتهى عند الخريطة السياسية والاقتصادية فى آن واحد. وتسعى القوى الكبرى إلى تعظيم نفوذها على الساحة الدولية، مستندةً إلى ما تمتلكه من قدرات عسكرية وترسانة صاروخية تضمن لها البقاء فى معادلة القوة بأقل تكلفة ممكنة.

 

وجاءت أزمة مضيق هرمز لتكشف عن ضريبة جديدة يدفعها العالم، هى ضريبة التوتر، خاصة فى ظل حالة اللاسلم واللاحرب التى تفرض نفسها على المشهد الدولى. ويبقى السؤال العالق: مَن يدفع الثمن؟

إنها اقتصادات الدول المطلة على الممرات البحرية، والدول النامية، ودول الخليج، بل إن أوروبا دخلت هى الأخرى على خط الألم الاقتصادى، لتتحمل تكلفة جيوسياسية متزايدة نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع كلفة وصولها.

ومع اقتراب الرواية من فصولها الأخيرة، إن صحت التوقعات، وإن كنت لست من أنصار هذا الاتجاه، فإن زمن التوتر فرض واقعًا جديدًا؛ إذ ارتفعت تكلفة التأمين على رحلة السفينة الواحدة من نحو 250 ألف دولار قبل اندلاع الحرب إلى ما يقارب 10 ملايين دولار، وفق تقديرات متداولة.

ويبرز هنا سؤال أكثر أهمية: هل يجرى الإعداد لمرحلة ما بعد «هرمز»؟ والإجابة، فى تقديري، نعم.

فلقد فقدت الأسواق العالمية، بحسب تصريحات لرئيس شركة أرامكو السعودية، نحو 2.6 مليار برميل من النفط منذ بداية الحرب الأمريكية الإيرانية حتى الآن. وهنا يفرض المشهد سؤالًا جوهريًا: هل يعيد العالم رسم خريطته الاقتصادية؟

لقد انتهى عصر الممرات البحرية الآمنة، وأصبحت الحروب الحديثة تستهدف حركة التجارة العالمية أكثر مما تستهدف المدن أو المنشآت العسكرية، بهدف إعادة تشكيل خرائط النفوذ الاقتصادى لصالح اللاعبين الرئيسيين فى الاقتصاد العالمي.

ومن «هرمز» إلى البحر الأسود، ومن بحر آزوف إلى باب المندب، يدخل العالم مرحلة جديدة عنوانها حرب الممرات بدلًا من حرب الجيوش، حيث أصبح الاقتصاد هو السلاح الأكثر تأثيرًا.

فاليوم تكفى طائرة مسيرة منخفضة التكلفة لتعطيل ممر تجارى تمر عبره مليارات الدولارات من حركة التجارة العالمية، فتتزايد مخاوف شركات الشحن والتأمين، ليس فقط من الصواريخ، وإنما أيضًا من الممرات الملغومة، وهو ما يدفع العديد من شركات الشحن العملاقة إلى تقليص أو تعليق التغطية التأمينية للناقلات، وفق بيانات شبكة CNBC الأمريكية.

وهنا تبدأ الأزمة الاقتصادية الحقيقية؛ إذ يُنقل نحو 80 فى المائة من تجارة العالم عبر البحار، وأى اضطراب فى مضيق واحد كفيل برفع أسعار النفط والغذاء والإلكترونيات، رغم تباعد القارات والأسواق.

ولا يتوقف الأمر عند مضيق هرمز، فحسب العديد من المحللين، يبرز مضيق بنما بوصفه ساحة جديدة للصراع الجيوسياسي. كما أن تغير المناخ وتراجع منسوب المياه قد يقلصان قدرة القناة على استقبال السفن، ما دفع شركات عديدة إلى البحث عن بدائل، من خلال إنشاء خطوط برية وأنابيب نقل جديدة بالقرب من الأسواق العالمية، رغم ارتفاع تكلفتها.

وهكذا أصبح اليقين الاقتصادى أغلى من تكلفة نقل السلع أو التأمين عليها.

ولم يعد أمام الدول سوى إعادة تشكيل استراتيجياتها الاقتصادية، وإلا فقدت قدرتها على المنافسة سريعًا. وفى هذا السياق، تنبه مجلة الإيكونوميست إلى ضرورة إعادة النظر فى مفاهيم الاقتصاد التقليدي، وأسواق التكنولوجيا، وأسعار الطاقة، ومعدلات التضخم، وحركة التجارة العالمية، لأن الطاقة أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا فى صياغة المعادلات السياسية والاقتصادية على مستوى العالم.

فالاقتصاد العالمى يقف اليوم على المحك، وفى مقدمته الاقتصاد الأوروبي، الذى يواجه تحديات غير مسبوقة بفعل موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مناسيب الأنهار، وفى مقدمتها نهر الدانوب، الأمر الذى انعكس سلبًا على قطاعات الطاقة والنقل والسياحة والزراعة، وفرض على أوروبا إعادة التفكير فى خريطتها الاقتصادية المستقبلية.

وفى المقابل، يقف مضيق هرمز أمام ترتيبات جديدة، بينما تؤكد التطورات الجيوسياسية أن الجغرافيا لم تعد وحدها صاحبة الكلمة، بل أصبح الاقتصاد هو المحرك الرئيس لصراعات النفوذ. كما أثبتت الأحداث أن الدبلوماسية لم تنجح فى تحييد ملف الطاقة عن التنافس الدولي، وأصبح الجميع يبحث عن مخارج استراتيجية فى عالم تغيرت فيه ملامح الاقتصاد.

ويبقى السؤال الأهم: ماذا نحن العرب فاعلون؟

فالاقتصاد العالمى يعيد رسم خريطته، ويتمركز اللاعبون الكبار عند مفاصل التجارة والطاقة والممرات البحرية، وأصبح لكل تصريح يصدر عن القوى الكبرى أبعاد سياسية واقتصادية تتجاوز كلماته. كما بات المستثمرون وصناع القرار حول العالم أكثر ميلًا إلى تجنب المخاطر، والبحث عن اليقين قبل أى شيء آخر.

الاكثر قراءة