نحتفل في 3 مايو باليوم العالمي لحرية الصحافة، والذي يسلط الضوي على أهمية حرية الكلمة ودور الصحافة في تشكيل الوعي المجتمعي، إلى جانب تسليط الضوء على مسيرة الصحفيين والصحفيات الذين ساهموا في بناء هذا المجال وتطويره رغم التحديات الاجتماعية والمهنية عبر العصور.
ومن منطلق تلك المناسبة، نستعرض أبرز رائدات العمل الصحفي في مصر، اللواتي قدمن إسهامات بارزة ونجحن في كسر القيود المبكرة، وتركن بصمات واضحة في تاريخ الصحافة المصرية، وإليك التفاصيل:
جميلة حافظ:
تعد جميلة حافظ من أوائل النساء اللاتي اقتحمن مجال الصحافة في مصر، حيث لم تكتف بالكتابة في عدد من الصحف، بل سعت إلى تقديم مشروع صحفي مستقل يعبر عن قضايا المرأة ويعزز وعيها الاجتماعي والفكري.
أسست مجلة "الريحانة" عام 1907، والتي تعد أول مجلة نسائية تصدرها امرأة مصرية، كما تولت رئاسة تحريرها لتصبح بذلك أول رئيسة تحرير مصرية في تاريخ الصحافة النسائية، وقد جاءت فكرة إصدار المجلة من إيمانها بأهمية نشر الوعي بين السيدات ومواكبة الحراك الفكري الذي شهدته تلك الفترة، خاصة مع تصاعد الحركة النسائية في مصر.
أصدرت المجلة لأول مرة في 27 فبراير 1907 كمجلة أدبية اجتماعية شهرية تصدر من حلوان، وركزت على القضايا النسائية والتربوية والاجتماعية، ثم توقفت لفترة لأسباب مالية، قبل أن تعود كجريدة نصف شهرية عام 1908. ورفعت شعارًا وطنيًا يعبر عن توجهها الفكري وهو "مصر للمصريين"، في انسجام مع التيارات الوطنية السائدة وقتها.
أمينة السعيد:
تعد من أبرز رموز الصحافة النسائية في مصر والعالم العربي، حيث جمعت بين العمل الصحفي والنشاط النسوي والدفاع عن حقوق المرأة، وامتد تأثيرها لعقود طويلة داخل المؤسسات الصحفية.
ولدت عام 1910 بمحافظة أسيوط، ونشأت في بيئة داعمة للتعليم، ما ساعدها على الالتحاق بكلية الآداب، حيث حصلت على ليسانس اللغة الإنجليزية عام 1935، وخلال دراستها بدأت العمل في الصحافة، لتصبح من أوائل النساء اللاتي جمعن بين التعليم الأكاديمي والممارسة الصحفية في وقت واحد.
عملت في عدد من أبرز الإصدارات الصحفية مثل مجلة "الأمل"، و"كوكب الشرق"، و"آخر ساعة"، و"المصور"، قبل أن تتولى مناصب قيادية مهمة، من بينها رئاسة تحرير مجلتي "حواء" و"المصور"، إضافة إلى رئاسة مجلس إدارة دار الهلال عام 1976، لتكون من أوائل النساء اللاتي وصلن إلى هذه المناصب.
لعبت دورًا بارزًا في العمل النقابي، حيث شغلت عضوية نقابة الصحفيين لعدة دورات، ووصلت إلى منصب وكيلة النقابة، كما تولت موقع السكرتيرة العامة للاتحاد النسائي، ما جعلها صوتًا مؤثرًا في قضايا المرأة والمجتمع.
تركت إرثًا فكريًا مهمًا من خلال مؤلفاتها مثل "آخر الطريق"، و"الهدف الكبير"، و"وجوه في الظلام"، إلى جانب زاويتها الشهيرة "اسألوني" التي استمرت لعقود في مجلة "المصور"، وكانت مساحة لمناقشة القضايا الاجتماعية والإنسانية.
حصلت على عدد من الأوسمة والتكريمات، من بينها وسام الاستحقاق من الطبقة الأولى، ووسام الجمهورية، تقديرًا لمسيرتها الطويلة في خدمة الصحافة وقضايا المجتمع، قبل أن ترحل عام 1995.
-منيرة ثابت:
تعد من الرائدات اللاتي جمعن بين العمل الصحفي والنضال الوطني، حيث ارتبط اسمها بالدفاع عن حرية الرأي وحقوق المرأة في وقت مبكر من القرن العشرين.
ولدت عام 1906 بالإسكندرية، ودرست في مدارس متنوعة قبل أن تلتحق بمدرسة الحقوق الفرنسية في القاهرة، ثم حصلت على ليسانس الحقوق من باريس عام 1933، لتصبح أول امرأة مصرية تحصل على هذه الشهادة.
بدأت حياتها المهنية في مجال المحاماة، لكنها واجهت قيودًا كبيرة دفعتها إلى الاتجاه نحو الصحافة، حيث كتبت في عدد من الصحف منها "الصباح" و"أبو الهول"، وركزت على قضايا الاستقلال ورفض التدخل الأجنبي في الشأن المصري، كما تعرضت للمحاكمة وهي في سن صغيرة بسبب آرائها الجريئة، لتصبح من أوائل الأصوات النسائية التي واجهت السلطة بالكلمة.
أصدرت لاحقًا جريدتين باسم "الأمل"، إحداهما بالفرنسية والأخرى بالعربية، وكانتا تحملان توجهًا تحرريًا واضحًا يدعو إلى استقلال البلاد وتوسيع حقوق المرأة، بما في ذلك حقها في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.
ساهمت في تأسيس نقابة الصحفيين المصرية، واصبحت أول صحفية نقابية، وكان لها حضور بارز في المؤتمرات النسائية الدولية، حيث دافعت عن قضايا المرأة المصرية على المستوى العالمي.
وقد تركت مجموعة من المؤلفات والمذكرات التي توثق تجربتها النضالية والفكرية، قبل أن ترحل عام 1967.
فاطمة اليوسف:
واحدة من أبرز الشخصيات التي جمعت بين الفن والصحافة، وأسست مؤسسة صحفية مؤثرة امتدت آثارها حتى اليوم من خلال مجلة "روز اليوسف" الشهيرة.
ولدت عام 1898 في بيروت باسم فاطمة اليوسف، ثم جاءت إلى مصر في طفولتها، وبدأت حياتها الفنية على خشبة المسرح، حيث انضمت إلى فرق مسرحية كبرى، وحققت شهرة واسعة، خاصة في أعمالها المسرحية التي لاقت نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، ما منحها لقب "برنار الشرق".
بعد اعتزالها التمثيل، اتجهت إلى الصحافة، وأصدرت مجلة "روز اليوسف" عام 1925، والتي بدأت كمجلة فنية قبل أن تتحول تدريجيًا إلى مجلة سياسية ذات تأثير كبير في الحياة العامة المصرية.
لعبت دورًا مهمًا في دعم حرية التعبير وفتح المجال أمام أقلام جديدة داخل الصحافة.
لم تتوقف إسهاماتها عند المجلة فقط، بل أطلقت أيضًا سلسلة من الإصدارات الفكرية والثقافية، وأسهمت في ترسيخ مفهوم الصحافة كقوة مؤثرة في المجتمع، قبل أن تتوفى عام 1958، تاركة إرثًا صحفيًا وفنيًا كبيرًا.