فى ظل تسارع الاضطرابات العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، عادت أسعار الأسمدة لتتصدر المشهد الزراعى، مثيرة حالة من الجدل بين اعتبارها أزمة تضغط على المزارعين أو انعكاسًا طبيعيًا لتحركات السوق العالمية، فمع الزيادات الملحوظة فى أسعار مدخلات الإنتاج الزراعى عالميا مدفوعة بارتفاع أسعار الغاز والتوترات الإقليمية، يبرز تساؤل محورى حول طبيعة ما يشهده السوق المحلى فى مصر: هل هو أزمة حقيقية أم نتيجة مباشرة لتفاعل السوق مع آليات العرض والطلب؟
والحقيقة أن هذه التساؤلات تكتسب أهمية خاصة فى ضوء إعلان الدولة تحقيق الاكتفاء الذاتى من الأسمدة إلى جانب تصدير الفائض، وهو ما يعكس قوة القطاع وقدرته على مواكبة المتغيرات الدولية، ويفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن سياسات التسعير ومدى تأثر السوق المحلية بالتقلبات العالمية.
وفى هذا الإطار، أكد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن ارتفاع أسعار الأسمدة يشكل عبئًا مباشرًا على المزارعين، فزيادة تكلفة مستلزمات الإنتاج الزراعى تنعكس سلبا على تكلفة الزراعة بشكل عام بما يؤدى إلى تآكل هامش الربح، ومنظومة الدعم الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة، وهنا يبرز مقترح التحول من الدعم العينى إلى الدعم النقدى بما يسهم فى الحد من أوجه القصور والفساد الإدارى المرتبط بآليات توزيع الأسمدة المدعمة، ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بصورة أكثر كفاءة وعدالة، كما يجب اتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة لتخفيف الأعباء عن الفلاحين، من بينها تطبيق قانون الزراعة التعاقدية وزيادة الدعم الإرشادى والمعنوى، إلى جانب ضخّ كميات كافية من الأسمدة فى السوق الحر للحد من ارتفاع الأسعار.
فى المقابل، طرح الدكتور محمد شطا، رئيس الإدارة المركزية لشئون المديريات بوزارة الزراعة والمشرف على ملف الأسمدة، رؤية مغايرة تستند إلى قراءة تفصيلية للأرقام والمعطيات، مؤكدا أن ما يُثار حول وجود «أزمة أسمدة» لا يعكس الصورة الحقيقية للسوق، وإنما يتطلب وضع المؤشرات الحالية فى إطارها الواقعى لفهم طبيعة التحركات القائمة، حيث إن هناك ثلاثة مستويات لأسعار الأسمدة؛ منها المدعم، والتصديرى، والسوق الحر، والأسمدة المدعمة لم تشهد أى زيادة على الإطلاق وتلتزم الدولة بتوفيرها لصغار المزارعين بسعر ثابت (نحو 270 جنيهًا للشيكارة)، قبل الأزمة وبعدها، لنحو 5 ملايين مزارع على مستوى الجمهورية، أما الارتفاع الذى حدث فيخصّ السوق الحر وأسعار التصدير فقط، وهى بطبيعتها مرتبطة بالأسواق العالمية.
وأوضح أن الغاز يمثل نحو 70 فى المائة من تكلفة إنتاج الأسمدة، ومع ارتفاع أسعاره عالميًا كان من الطبيعى أن ترتفع أسعار الأسمدة عالميًا، حيث تجاوز سعر طن اليوريا 800 دولار بعد أن كان فى حدود 500 دولار، وهذه الزيادة لم تمسّ الأسمدة المدعمة التى يحصل عليها الفلاح، وإنما تخص الأسمدة التى تذهب لرجال الأعمال والشركات الاستثمارية الكبرى العاملة فى القطاع الزراعى، والتى تتعامل مع السوق الحر وفقًا لآليات العرض والطلب، ورغم أن الزيادات التى شهدتها أسعار الأسمدة فى السوق الحرة تراوحت بين 50 و60 فى المائة مقارنة بالفترات السابقة، فإن هذه الارتفاعات لم تنعكس سلبًا على الفلاح، فى ظل التزام الدولة بتوفير احتياجاته من الأسمدة المدعمة بشكل منتظم.
وفيما يتعلق بما يُثار بشأن وجود نقص أو أزمات فى توافر الأسمدة، أكد «شطا» أن الموسم الشتوى الماضى يعد من أنجح المواسم الزراعية فى تاريخ مصر الحديث، حيث لم يشهد أى أزمات فى الإمدادات بل توافر فائض ملحوظ، والمخزون الحالى مع بداية الموسم الصيفى يقدر بملايين الشكائر داخل المخازن، وهو ما يعزز استقرار السوق خلال الفترة المقبلة، والحديث عن وجود أزمة لا يتجاوز فى معظمه كونه حالات فردية لا تعكس الصورة العامة، والدولة نجحت فى ضبط منظومة التوزيع عبر تطبيق آليات حوكمة متكاملة تعتمد على الميكنة من خلال كارت الفلاح، إلى جانب انتشار آلاف ماكينات الصرف داخل الجمعيات الزراعية، بما يضمن وصول الدعم بكفاءة وانتظام.
وأشار إلى أنه تم توزيع أكثر من 18 مليون شيكارة أسمدة خلال الموسم الماضى دون تسجيل أى حالات تسريب من الجمعيات، وفكرة السوق السوداء بالشكل القديم لم تعد موجودة، وأى ضبطيات تتم تكون نتيجة تصرفات فردية، فمثلا المزارع الذى يمتلك حيازة كبيرة (مثل 25 فدانًا) قد يحصل على عشرات الشكائر، وإذا لم يكن فى حاجة إليها قد يقوم ببيعها بنفسه فى السوق، وهو ما يمثل سلوكًا فرديًا وليس تسريبًا من داخل منظومة التوزيع. وفيما يخص المقترحات الداعية إلى تحويل الدعم من عينى إلى نقدى، رفض «شطا» هذا الطرح بشكل قاطع، موضحا أن صرف مبالغ مالية بدلا من توفير الأسمدة قد يخلق خللاً فى منظومة إتاحة مستلزمات الإنتاج، فالدولة حين توفر السماد تضمن استمرار الإنتاج، بينما قد لا توجه الأموال بالضرورة إلى النشاط الزراعى، لأن الدعم العينى يظل الضمان الأساسى لاستقرار العملية الإنتاجية واستمرارها.