«خمسة قطاعات استراتيجية تسهم بنسبة 64 فى المائة من النمو المتوقع فى الناتج المحلى الإجمالى خلال العام المالى 2026-2027»، رهان حمله بيان الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية، جاء ليؤكد التحولات الهيكلية التى يشهدها الاقتصاد المصرى، ويتصدر هذه القطاعات قطاع الصناعات التحويلية بنسبة 29 فى المائة، وبفارق كبير جاء فى المرتبة الثانية قطاع تجارة الجملة والتجزئة 11.3 فى المائة، وفى المرتبة الثالثة قطاع السياحة بنسبة 9.3 فى المائة، ثم قطاع التشييد والبناء فى المرتبة الرابعة بنسبة 7.2 فى المائة، ليأتى قطاع الزراعة بنسبة 7 فى المائة فى المرتبة الخامسة والأخيرة.
القطاعات الخمسة من أكثر القطاعات مساهمة فى الناتج المحلى الذى من المتوقع أن يسجل ما يقارب 24.5 تريليون متوقعة فى العام 2027-2026، وصولاً إلى 36.8 تريليون متوقعة بنهاية الخطة متوسطة المدى 2030-2029.
معدلات النمو، التى تحدث عنها بيان «التخطيط»، تكشف حالة من المعاناة الناتجة عن حالة استمرار عدم اليقين بسبب الصراعات فى منطقة الشرق الأوسط، ولهذا السبب وضعت الحكومة المصرية ما يمكن وصفه بـ«السيناريو المتحفظ»، فى خطة العام المالى المقبل والخطة متوسطة المدى، ليسجل الاقتصاد نموًا بنسبة 5.2 فى المائة للعام المالى المقبل.
استهداف ارتفاع معدلات النمو بالقطاعات الخمسة يكشف عن سياسات الهيكلة الاقتصادية المتنوعة التى تجمع بين القطاعات الإنتاجية والخدمية، وفى الوقت ذاته تؤكد على سياسات التحول نحو اقتصاد حقيقى قائم على الإنتاج والتصدير، تقديرات معدلات النمو الاقتصادى المصرى من المتوقع أن تستهدف 5.4 فى المائة خلال العام الحالى وصولاً إلى 6.8 فى المائة فى العام المالى « 2030-2029» بنهاية الخطة متوسطة المدى.
هناك مؤشرات تؤكد نجاح مستهدفات الحكومة وصحة رهانها، فقطاع الصناعات التحويلية سجل نموًا بنسبة 14.5 فى المائة فى الربع الأول من 2026-2025، فارتفع معدل النمو فى صناعة السيارات بـ50 فى المائة، والمواد الكيمياوية بـ44 فى المائة، والمنسوجات بـ37 فى المائة، والأثاث بـ34 فى المائة، وفى قطاع تجارة الجملة والتجزئة سجل معدل نمو بـ 6 فى المائة فى الربع الثانى من 2026-2025، أما قطاع السياحة فسجل 13.8 فى الربع الأول من نفس العام.
الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادى، فى تعقيبه على بيان «القطاعات الخمسة»، أكد أن «الاقتصاد المصرى اقتصاد متنوع، ولديه العديد من الأنشطة، وبالتالى استهداف قطاعات بعينها والتخطيط على ارتفاع معدلات الإنتاجية بها توجه جيد».
«أنيس»، ضرب مثالاً بالقطاع الزراعى، وقال: على مدار العقود الماضية، كان هناك ارتفاع فى الواردات الزراعية من السلع الأساسية، ورغم ذلك لم تعد كافية من الزيادة السكانية، وهنا عندما يتم التخطيط لزيادة الرقعة الزراعية وزيادة رأسية لحجم إنتاجية الفدان، وتطوير التكنولوجيا المستخدمة فى الزراعة والرى أمر مطلوب، لكن بشرط أن يكون له مردود ينعكس بشكل واضح على خفض أرقام واردات السلع الأساسية من الخارج، وفى الوقت ذاته الصادرات الزراعية تزيد من السلع ذات القيمة المضافة العالية، كالفواكه، والنباتات العطرية والطبية وغيرها من المحاصيل.
أما فيما يخص قطاع الصناعة الذى يمثل العمود الفقرى للنمو الاقتصادى المستهدف كالصناعات غير البترولية وصناعة السيارات والمواد الكيمياوية والمستحضرات الدوائية والملابس الجاهزة والأثاث، فقال الخبير الاقتصادى: «القطاع تأثر سلبًا بشكل كبير على مدار الأعوام الماضية، بسبب الأزمات المتلاحقة التى تمت مواجهتها كجائحة كورونا وحرب روسيا أوكرانيا وحرب غزة وأخيرًا حرب إيران، لهذا لا بد من إعادة الاهتمام بالصناعات التحويلية أمر مهم».
كما لفت إلى أن «قطاع الصناعات التحويلية قادر على تنمية الاستثمار الأجنبى المباشر الذى يستهدف التصدير، وهو ما ينعكس على سدّ الفجوة التمويلية الدولارية، وفى الوقت ذاته له عوائد مستدامة من الصادرات، لذا يجب الاهتمام بقطاع الصناعة وتحسين بيئة الأعمال به عبر الإصلاحات التنظيمية والتشريعية، حتى يتم توسيع الطاقة الإنتاجية، والعمل على مرونة سلاسل الإمداد المحلية به، حتى تصبح لدينا القدرة على التحويل إلى توسع الإنتاج إلى صادرات فعلية».
وفسر «د. محمد» أهمية قطاع الصناعات التحويلية، بأنه «يمثل القاطرة الاستراتيجية لتوطين الصناعة وإحلال الواردات وتعزيز الصادرات وتنوع هيكل الصادرات ورفع القيمة المضافة له، وتوفير فرص عمل».
وعن قطاع السياحة نوه بأنه قطاع مهم، لأنه يقدم خدمة ذات عوائد دولارية، وهو قطاع مناظر لقطاع الصادرات، فالاهتمام به أمر مطلوب من أجل زيادة نسبته فى معدلات الإنتاج وبالتالى النمو الاقتصادى.
كذلك، طالب «أنيس» بإدخال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ضمن القطاعات المستهدفة، قائلًا: «استبعاد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات من القطاعات الخمسة أمر غير مفهوم أو مبرر فى ظل تحول رئيسى فى العالم إلى خدمات وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وباعتبار قطاع الاتصالات هو القطاع الأكثر نموًا، كما أنه مؤثر فى العديد من القطاعات الأخرى كقطاع الصناعة والزراعة لاستخدام التقنيات الذكية لزيادة حجم الإنتاجية.
كما أشار إلى ضرورة أن يكون لنائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، وهو المنصب الذى تم استحداثه بشكل جديد فى التغيير الوزارى الأخير، ولجنة وزارية للمجموعة الاقتصادية والذى تم تشكيلها مؤخرًا، دور فى تقديم الخطة الاقتصادية بشكل كامل بكافة أطرافها، سواء المالية والتخطيط والتمويلات، ليكون النقاش معمقًا وحتى تتم إدارة المشهد بشكل ناجح.
بدوره، قال الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادى: إن «الاقتصاد المصرى من أكثر الاقتصادات تنوعًا فى المنطقة، وذلك لتنوع قطاعاته، بما يمتلكه من قطاعات اقتصادية ثقيلة تاريخيًا كالقطاع الصناعى والزراعى، لكن هذه القطاعات تحتاج إلى إنفاق وتطوير للبنية التحتية الخاصة بها، بالإضافة إلى تطلعاته لمزيد من التنوع فى العديد من القطاعات الاقتصادية».
وتابع «جاب الله»: فى مجال الصناعات التحويلية الدولة المصرية نجحت فى ضخّ مئات التريليونات فى مجال البنية التحتية وتهيئة بيئة الاستثمار، الأمر الذى يدفع القطاع إلى آفاق بعيدة ونجح إلى الوصول إلى معدلات نمو بلغت نحو 18 فى المائة فى فترة ما قبل الحرب فى إيران، لا يزال يتم التركيز على هذا القطاع بصورة كبيرة وتشجيع القطاع الخاص على التوسع فى أنشطته.
ولفت الخبير الاقتصادى، إلى أن «الاهتمام بالصناعات التحويلية توازى معه الاهتمام بالقطاع الزراعى وهو قطاع تاريخى كالصناعات التحويلية، وحتى إن القطاع الزراعى أظهر صلابته فى جائحة كورونا، عندما ساعدت منتجاته فى الحدّ من الواردات وفى التصدير للدول العربية».
«د. وليد»، فى سياق حديثه، لم يتجاهل الإشادة بالاهتمام بالقطاع الزراعى فى الفترة الماضية، عبر عمليات التوسع الأفقى فى الرقعة الزراعية، باستهداف مليون ونصف المليون فدان زراعى، وتطوير المستلزمات الزراعية عبر الزراعات المعالجة وراثيا وتطوير منظومة الرى، ومن المتوقع أن ينعكس بشكل كبير فى حجم الإنتاجية ومزيد من التوسع فى القطاع الزراعى خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن «الأمر لا يتوقف على القطاعات الصناعية والزراعية ولكن يمتلك الاقتصاد المصرى قطاعات أخرى هى أسهل فى تحقيق معدلات النمو، كقطاع التشييد والبناء المصرى الذى حقق طفرات كبيرة هى بحق طفرات تاريخية، فله دور مهم فى امتصاص العمالة وفى الوقت ذاته يجذب الكثير من المستثمرين المحليين والأجانب، ورغم حجم التوسع فيه فإنه لايزال قطاعًا جاذبًا، وهنا المطلوب تحفيز نموه».
وعن قطاع السياحة، قال «جاب الله»: القطاع السياحى المصرى بدأ يجنى ثمار جهود كبيرة بُذلت خلال السنوات الماضية، حيث انعكست مشروعات البنية التحتية على تسهيل الانتقال وتقديم تجربة سياحية ممتعة، خاصة بعدما تمت إضافة أماكن سياحية جديدة كالمتحف المصرى الكبير ومتحف الحضارات وطريق الكباش بالأقصر، وعودة القاهرة لأن تكون واجهة سياحية عبر حالة التطوير الكبيرة بكافة أطرافها.
كما أكد أن «التحولات التى تعد جذرية فى الأماكن الأثرية والسياحية والفندقة، جميعها نجحت فى تحقيق فارق واضح لزيادة معدلات السياحة المصرية.
ولم يغفل «د. وليد» قطاع الجملة والتجزئة الذى قال عنه إن «القطاع ينمو بطبيعته بحكم زيادة السكان، التى تبلغ 110 ملايين مواطن ومقيم، وهو قطاع كبير يدفع هذا القطاع بصورة كبيرة لتحقيق معدلات نمو»، مضيفًا أن «هناك قطاعات يمكن الاهتمام بها ستُحدث أثرًا فى النمو الاقتصادى ومنها قطاع الاستخراجات البترولية والثروة المعدنية كالسولار والبترول وهو قطاع مهم، وقطاع الخدمات وهو قطاع تاريخى ومهم، وأيضا قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذى يشهد تناميًا بشكل ملحوظ، ودخل قناة السويس من المتوقع أن يعود لسابق عهده بعد استقرار الأوضاع العالمية».