لا أعرف إذا كانت ترجمتى وكتابتى عن شاعرات وشعراء أفرو- أمريكيين، تجربة أم رحلة قطعتها مع عشرين شاعرة وشاعرًا، شاءت أقدارهم وموقعهم الجغرافى أن يعيشوا فى ظروف مختلفة اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا ونفسيًّا، هذا ما تعلنه د.سارة حامد حواس فى تقديمها لترجمتها لكتابها «فى قلبى قارة.. مختارات شعرية وسِير» الصادر عن مجموعة بيت الحكمة للثقافة، وتقدم فيه قصائد عشرين شاعرة وشاعرًا أفرو- أمريكيًّا، يختلفون فى الأصول والثقافات والأعمار والرؤى، مشيرة إلى خوضها هذه التجربة لتتعرف على سمات قارة داخل قارة، حيث ترى الشعراء بمنزلة قارة مستقلة تحمل داخلها لغتها وسماتها وخصائصها وأحلامها ومعاناتها الخاصة، ذاكرة شغفها الكبير الذى دفعها لدخول عالمهم والتقرب إلى أرواحهم من خلال قصائدهم التى جسدوا فيها ما يشعرون به، وما يواجهونه من صراعات وحروب داخلية من أجل البقاء على ذمة الشعر والإنسانية.
«فى قلبى قارة» الذى حرره وقدم له الشاعر أحمد الشهاوى ويراه كتابًا عن الإنسان وعن صوته، مهما كان لون جلده أو اسمه أو لغته، ولعل هذا ما يجعل الشعر خالدًا إذ يُذكرنا دائمًا بأننا واحد، يضم العديد من القصائد إلى جانب سير الشعراء الذين كتبوها، مما يدل على المجهود الذى بذلته المترجمة، إلى جانب المجهود المبذول فى الترجمة، فى البحث وراء هؤلاء الشعراء واقتفاء أثرهم ومعرفة ما خفى من حيواتهم التى عاشوها وراء ستار كتابة الشعر، خاصة أن معرفتنا بما وراء النصوص يساعدنا كثيرًا فى فهمها واستيعابها وربما يجعلنا نجيب بسهولة عما يظهر لنا من أسئلة ونحن نطالع هذه النصوص.
حيوات تئن وتفرح
سارة حواس التى لم تترجم فقط قصائد تنبض بروح المقاومة والحب والشجاعة، بل حيوات تئن وتفرح وتحب وتغضب وتتنفس، وكان الشعر ملاذ أصحاب هذه القصائد ومحطتهم التى يقيمون فيها ويشعرون بالحرية التى ظلوا يحلمون بها، تشير إلى أنها عاشت صراعاتهم وتجاربهم وأحلامهم المؤجلة، وقد ازدادت معرفةً بمعنى الحرية وقيمتها بعد اندماجها ودخولها عوالمهم الخاصة التى سلطت عليها الضوء وكشفت تفاصيلها الدقيقة ووضعتها للقارئ على طبق من إبداع ومحبة فى صفحات كتابها الذى تجاوز الأربعمائة وخمسين صفحة، تفوح شعرًا يحمل بين طيات أبياته وشطراته الآلام مثلما يحمل الأفراح، يحمل الآمال والطموح والتطلع إلى غد أفضل مثلما يحمل اليأس وفقدان الأمل، يحمل الدموع والآهات بجانب الابتسامات والضحكات، ويحمل الموت والرحيل بجانب ما يبعث على الحياة ويُبقى على قيدها، «فى قلبى قارة» جعلته سارة حواس قارة يسكن فيها عشرون شاعرة وشاعرًا لهم أثر حقيقى على خريطة الشعر الأفرو – أمريكى، رغم أن منهم من لم ينشر كتابًا شعريًّا واحدًا، مستندة إلى وجهة نظرها التى ترى أن الأثر الحقيقى سيدوم سواء بكتاب يحقق أعلى المبيعات أو بكتاب لم يبع طبعة واحدة، أو من دون كتاب على الإطلاق، فالأثر، وكلنا يدرك هذا جيدًا، قد تُحْدثه قصيدة واحدة، وربما بيت شعر واحد، وتاريخ الشعر العربى والعالمى يؤكد هذا بالطبع، ساعية لأن تبرز للقارئ العربى جوانب مختلفة ومتنوعة من شخصية هؤلاء الشاعرات والشعراء وكتاباتهم، خاصة أن حياتهم ثرية بجوانبها المتعددة، مشيرة إلى أن القصائد التى ترجمتها تنوعت بين الشعر الحر، والسونيتات، والهايكو والتانكا، واصفة لغة الشاعر الأفرو – أمريكى بالحزينة حتى لو تظاهرت بالفرح، وهناك نبرة مكسورة شعرت بها وهى تقرأ وتترجم هذه القصائد.
موسيقى للنجاة
«فى قلبى قارة» اختارت سارة حواس قصائد لبعض المهمشين المؤثرين ناقلة إياهم من الهامش إلى المتن ومن الظل إلى النور، لتثبت للزمن وللعالم كله أن الأثر الحقيقى باقٍ حتى لو أراد الجميع أن يدفنوه، ومثلما يقول «الشهاوى» يكون الشعر مقاومة هادئة، وموسيقى للنجاة، ونافذة على الذات والآخر فى آن، مشيرًا إلى أن ما يميز اختيار المترجمة هو وعيها بتنوع الأصوات، حيث لا تقدم صوت الغضب وحده، بل أيضًا صوت التأمل، ولا تنحاز إلى السياسى على حساب الجمالي، بل هى تجعل الجمال هو الطريق إلى الوعى، والوعى هو المعنى الأسمى للجمال، واصفًا «فى قلبى قارة» بأنه كتاب يُوسّع حدود الحس الإنساني، ويفتح أبواب الذاكرة على موسيقى جديدة، ستظل تتردد طويلًا فى قلوب الذين يعرفون أن الشعر هو الوجه الآخر للحرية، مؤكدًا أن المعنى الأعمق للترجمة هو أن تعيد للقصيدة روحها بلغتها الجديدة، وأن تجعل الآخر قريبًا، والبعيد مألوفًا، والمسكوت عنه مسموعًا، وأن سارة حواس جعلت الشعر مجالًا للحوار الإنسانى لا للترف الأكاديمى.
أصوات متنوعة
كذلك قدمت «حواس» فى «فى قلبى قارة» أصواتًا متنوعة، مشيرة إلى أن الشاعرات والشعراء السود دائمًا ما يساعدون بعضهم بعضًا من أجل إعلاء شأنهم ولا يتعاملون معًا من قبيل المنافسة بل بنازع من الأخوّة ذات الدم الواحد، مثلما رصدت هنا التهميش الذى لحق بهؤلاء الشعراء والشاعرات رغم ما قدموا من إنجازات، وبدلًا من أن يتم تقديرهم النقدى والمعنوى الذى يستحقونه هُمّشوا، ولا يرجع تهميشهم إلى تواضع شعرهم أو قلة موهبتهم، بل يرجع إلى لونهم الأسود وانتمائهم إلى إفريقيا، مؤمنة بأن الشعر لا يُشرح بل يُحس ويُؤول، واضعة فى كتابها هذا ثمرة حبها للترجمة، مقدمة لنا قصائد لجيمس ويلدون جونسون، بول لورانس دنبار، آن سبينسر، كلود مكاى، مارجريت ووكر، دودى راندال، مايا آنجلو، أميرى بركة، سونيا شانسيز، روبرت هايدن وغيرهم، منها قصيدة «اختطاف» للشاعرة «نيكى جيوفانى» التى رحلت فى العام 2024، وكانت تقول إنها لم تكن تحلم أن تنشر أو حتى أن تصير كاتبة، بل كان حلمها أن تكتشف شيئًا لم يفكر فيه أحد من قبل، وهى تعتقد أن هذا هو السبب فى كونها شاعرة:
هل سبق أن اختطفك شاعر؟
لو كنت شاعرة لاختطفتك
أودعتك فى عباراتى وإيقاعى
آخذك إلى شاطئ جونز
أو ربما إلى جزيزة كُونى
أو فقط إلى منزلى.
أغنى لك بين أزهار الليلك
أرشك بالمطر
أمزجك مع الشاطئ
لتكمل رؤيتى.
أعزف القيثارة لك
أمجّدك بأغنية حبي
أفعل أى شيء لأفوز بك
أغلفك بالأحمر والأسود والأخضر
وأريك لأمى بتباهٍ
نعم..لو كنت شاعرة لاختطفتك.