حذرت روسيا من أن أى دولة أوروبية تستضيف طائرات رافال الفرنسية القادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو فى حالة نشوب صراع، فى أقوى رد فعل من الكرملين حتى الآن على عقيدة «الردع الاستباقي» التى يتبناها الرئيس إيمانويل ماكرون، ويأتى هذا التحذير فى سياق حساس يشهد تحولات متسارعة فى ميزان القوى العالمي، خاصة فى ظل استمرار التوترات الأمنية فى القارة الأوروبية، هذا فضلا عن تصاعد التوترات بشأن أوكرانيا، وتوسيع نطاق التعاون الدفاعى الأوربي، وانهيار معاهدات الحد من التسلح، حيث أدى انتهاء صلاحية آخر معاهدة متبقية تحد من حجم الترسانات النووية الاستراتيجية الروسية والأمريكية فى فبراير إلى خلق فراغ فى مجال الحد من التسلح العالمي، فى وقت بلغت فيه التوترات الدولية أعلى مستوياتها منذ عقود بسبب حربى أوكرانيا وإيران.

فى هذا السياق، أوضح الدكتور أديب السيد، الخبير فى الشئون الروسية والدولية، أنه يومًا بعد يوم تزداد مخاطر حدوث مجابهة بين روسيا والدول الأوروبية التى تقودها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، على ضوء ثلاثة معطيات هامة: أولًا، إعلان فرنسا عن عزمها نشر قاذفات وصواريخ مزودة بذخيرة نووية فى أراضى دول أوروبية محاذية لروسيا مثل بولندا ودول البلطيق، ووضعها على مسافات قريبة من الأهداف الروسية. ثانيًا، إعلان الدول الأوروبية عن عزمها البدء عمليًا بتقديم قرض لأوكرانيا قدره 90 مليار دولار بهدف تمويل الحرب مع روسيا. وأخيرًا، إعلان الدول الأوروبية عن عزمها تزويد أوكرانيا بمائة وعشرين ألف طائرة مسيّرة خلال الأعوام القادمة، بعيدة المدى لضرب أهداف فى العمق الروسي.
وتابع «د. أديب» أن «الروس، دون مبالغة، يتحدثون فى الغرف المغلقة عن حتمية الصدام بين روسيا وأوربا؛ إذا لم يتم احتواء النزاع فى أوكرانيا قريبًا، وإذا لم يتم فتح قنوات اتصال حقيقية بين موسكو والعواصم الأوروبية، وخاصة باريس وبرلين ولندن، التى تحولت إلى رأس حربة فى الحرب ضد روسيا، ويثير القلق فى موسكو إعلان بريطانيا عن عزمها تعزيز قدراتها النووية، ووجود اتفاق مع واشنطن يتيح لها الوصول إلى المخزون النووى الأمريكي، إضافة إلى تزويد قواتها بصواريخ قادرة على حمل رءوس نووية، وزاد الأمور سوءًا إعلان ألمانيا رغبتها فى الحصول على أسلحة نووية بحجة تعزيز قدراتها الدفاعية، فى ظل استمرار النزاع فى أوكرانيا».
وأضاف أن «هناك عوامل غير مباشرة تساهم فى تصعيد التوتر، منها استهداف الإدارة الأمريكية لحلفاء روسيا مثل فنزويلا وإيران، وتهديد كوريا الشمالية، والتلويح باستخدام القوة ضد كوبا، ويضاف إلى ذلك تراجع اهتمام واشنطن بإيجاد تسوية للنزاع فى أوكرانيا، وتركيزها على الشرق الأوسط، وحرمان روسيا من أى دور فى المنطقة، إضافة إلى خسارة موسكو لحليفها فى الاتحاد الأوروبي، رئيس الوزراء الهنغارى فيكتور أوربان الذى لعب دورًا بارزًا فى إحباط محاولات الاتحاد الأوربى لتقديم مساعدات عسكرية ومالية إلى أوكرانيا، وعلى ضوء هذه المعطيات، ترى روسيا فى إعلان الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون نشر قاذفات استراتيجية وأسلحة نووية فى أوربا تطورًا خطيرًا يزيد من تدهور العلاقات التى بلغت أدنى مستوياتها منذ الحرب العالمية الثانية. كما لا يمكن لموسكو تجاهل رغبة الأوروبيين فى تشكيل قوة ردع نووى مشتركة أو «مظلة نووية»، تعتمد على القدرات الفرنسية والبريطانية، إلى جانب القدرات النووية الأمريكية المنتشرة فى أربع دول أعضاء فى حلف الناتو بما فى ذلك تركيا».
كما أشار «د. أديب» إلى أن «روسيا ترى فى التنسيق النووى البريطانى _ الفرنسى تهديدًا مباشرًا، وأن تصاعد التعاون النووى الأوربي، وسعى دول مثل ألمانيا واليابان لامتلاك أسلحة نووية، جاء نتيجة انهيار منظومة الحد من التسلح، خاصة بعد توقف معاهدة الأسلحة النووية الاستراتيجية، كما أن انسحاب واشنطن من عدة معاهدات، مثل معاهدة الدفاع الصاروخى واتفاقية السماء المفتوحة والاتفاق النووى مع إيران، جعل العالم أكثر عرضة لسباق تسلح نووى جديد، فى ظل إدراك دول عديدة أن السلاح النووى أصبح ضمانة لردع أى عدوان من قبل دول أخرى».

بدوره، أوضح الصحفى المختص بالشأن الفرنسي، خالد شقير، أن «معضلة السلاح النووى الفرنسي، ومن خلال ردّ روسيا العنيف، قد تأتى بنتيجة عكسية على غير ما يأمله الروس، حسب ما أكّد المحللون؛ إذ أشاروا إلى أنه سيدفع الدول الأوروبية إما للضغط على ماكرون لتوسيع الترسانة النووية بشكل كبير، أو التوجه نحو تطوير «قنبلة أوروبية» مشتركة لتجنب الابتزاز الروسي، وهذا لم يكن فى الحسبان بالنسبة للأوروبيين».
«شقير»، أشار إلى أن «أوربا التى خرجت من الحرب الباردة قبل ثلاثة عقود وهى تظن أن الإرهاب والهجرة هما أبرز تحدياتها، استيقظت فى ربيع 2026 على واقع جديد مرير فرضته ظروف الحرب الدائرة فى أوكرانيا، والتى لم تعد مجرد «صراع بالوكالة»، بل أصبحت ساحة لاختبار قوة الردع بين قوتين نوويتين (فرنسا – روسيا) فى قلب القارة، كما أن أوربا فى مرحلة التسلّح، وهذا ظهر من خلال ما يتم اتخاذه من قرارات داخل الاتحاد الأوربى وعلى الأرض، بعد أن أدركت الدول الأوروبية، مع تطور الحرب فى أوكرانيا، أنها مهددة من صديق وحليف قديم مثل روسيا، وزاد الطين بلة أنه منذ تولّى ترامب الحكم فى الولايات المتحدة الأمريكية أصبح كالشريك المخالف، والذى سبق أن اتهم أوروبا بأنها لا تدفع ثمن حمايتها».
وتابع: لهذا نجد أن أوربا تبدو مقبلة على مرحلة من «التسلّح الإجباري» و«العسكرة الاقتصادية»، والقارة العجوز تتحول ببطء إلى قلعة حصينة، ولكن ثمن هذه التحصينات سيكون باهظًا، وستدفعه الأجيال القادمة دينًا وحربًا ودماءً. ونظرًا لصعوبة الأجواء الملبدة بالغيوم، ليس فقط مع الروس ولكن مع الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، فإن أوربا أمام اختبار صعب للغاية.