كانت أمنية أبيه، أن يجعل منه وكيلاً للنيابة.. وإذا قدر لهذه الأمنية أن تهتز، فـ.. محامياً على أسوأ الفروض، لكن الأحلام عصف بها القدر.. وأصبح توفيق الدقن لاعب كرة.. ثم كاتباً صغيراً فى مصلحة السكة الحديد.. وفجأة.. اتجه إلى معهد التمثيل.
حصل على الدبلوم.. وترك مصلحة السكة الحديد، ليلمع فوق شاشة السينما، وخشبة المسرح، ووراء ميكروفون الإذاعة وأخيراً لمع على الشاشة السحرية.. شاشة التليفزيون العربى.
وبمناسبة ذكرى ميلاد الفنان توفيق الدقن (3 مايو 1923 – 26 نوفمبر 1988)، نعيد نشر حوار أجرته معه مجلة «الاثنين والدنيا» الصادرة عن دار الهلال فى بداية الستينيات، لتبقى سيرته حاضرة كما بقى أثره فى ذاكرة الفن والجمهور.
اسمه توفيق أمين محمد الدقن.. ولد فى مدينة طنطا فى 3 مايو سنة 1923.. كان أبوه كاتباً فى النيابة.. وكان عم أمين يتمنى أن يوفقه الله فى تربية ابنه توفيق فيسير فى دراسته بانتظام، حتى يتخرج فى الجامعة وكيل نيابة.. كالوكلاء الذين يعمل معهم، أو على الأقل يراه محامياً «ناجحاً» يقف أمام منصة القضاء، يدافع عن المظلومين ويفند آراء خصومه، بعلمه وسعة اطلاعه، وتمكنه من حجج القانون.. وانتقل الأب من بلد إلى بلد، شأنه شأن أى موظف حكومى.. واستقر به المقام فى مدينة «المنيا» بالصعيد، وحصل توفيق من مدرسة المنيا الابتدائية على أولى شهاداته الدراسية عام 1936، ودخل المدرسة الثانوية، ومع أيامه الأولى فى المدرسة الثانوية أحس توفيق بأهميته بين أفراد أسرته من ناحية، وبضرورة إثبات وجوده فى المدرسة من ناحية أخرى.. خاصة بين زملائه فى الدراسة فى السنوات التى تسبقه.. حتى طلبة التوجيهية.. كان توفيق لهذا الغرض الأخير يندمج فى كل الشلل والجماعات فى المدرسة، حتى إنه أصبح معروفاً لكل طالب فيها من الأسابيع الأولى له بها.. وكان توفيق يمارس التمثيل فى المدرسة الابتدائية، فانضم إلى فرقة التمثيل فى المدرسة الثانوية.. ثم انضم إلى فريق كرة القدم.. كانت سنه إذ ذاك 13 سنة، ورغم هذا عرف بتفوقه العلمى بين أقرانه، وقدرته على القيام بتمثيل عدة شخصيات فى المسرحيات والتمثيليات، التى كانت تقدمها المدرسة بين الحين والحين، فى المناسبات الرياضية، والمواسم، والأعياد.. وكان حظ توفيق فى كرة القدم أكثر من حظه فى المجالين العلمى والتمثيلى، فقد أصبح وهو فى السنة الثالثة رئيساً لفريق المدرسة فى كرة القدم.
وفى سنة 1943 استطاع توفيق أن يحصل على شهادة التوجيهية بتفوق كبير يؤهله لدخول الجامعة بالمجان وفى أى كلية يريدها، وبينما كان يعد نفسه للسفر إلى القاهرة للالتحاق بكلية الحقوق، فاجأه القدر بأكبر فاجعة فى مستقبله. مات أبوه!!
ولم يفكر توفيق فى الأمر، ولم يتردد.. لقد وجد نفسه فجأة وبدون سابق إنذار مسئولاً عن حياة أسرة كبيرة.. وبعد تدبير وروية مع أمه وإخوته حزموا أمتعتهم ورحلوا إلى القاهرة.. لا ليدخل توفيق الجامعة وإنما ليلتحق موظفاً صغيراً فى هندسة الوابورات، بمصلحة السكة الحديد.
قلت لتوفيق الدقن:
واشمعنى يعنى السكة الحديد.؟
لأنهم شغلونى فى نفس اليوم الذى وصلت فيه إلى القاهرة أنا وأسرتى قادمين من المنيا.. عندما عرفوا أننى أجيد كرة القدم.
كأن الكرة خدمتك؟
طبعاً.
ولعبت فى فريق السكة الحديد كام سنة؟
من سنة 43 إلى سنة 1954.
وبعدها؟
لم ألعب لأن الفن شدنى إليه.
إزاى؟
أنا قلت لك إننى كنت أمثل فى فريق المدرسة الثانوية بالمنيا.. وعندما حضرت إلى القاهرة كانت هوايتى الوحيدة إلى جانب ممارسة لعبة كرة القدم.. ارتياد دور السينما والمسارح، والتياترات، لمشاهدة الأفلام والتمثيليات والمسرحيات.. وفى عام 1947 تبلورت الهواية الفنية، ولما كنت أعانى عقدة تكملة دراستى الجامعية، فقد انضممت إلى معهد التمثيل للفنون المسرحية.. وأثناء دراستى به كنت أعمل فى الإذاعة فقط.. أدوار نكرات بجنيه واحد فى التمثيلية.. وتخرجت فى المعهد عام 1951 وكنت أول الدفعة، وحصلت على تقدير امتياز وفى سنة 1952/1953 استطعت مع بعض خريجى دفعتى مثل سعد أردش، وإبراهيم سكر، وإبراهيم السيد، وعبدالمنعم مدبولى وغيرهم أن نكون فرقة مسرحية أطلقنا عليها اسم «المسرح الحر»، وكنا ندفع مصاريفها وتكاليفها من اشتراكات شهرية، نجمعها من أنفسنا إلى جانب إيرادها، بعد أن خرجت إلى الوجود وأصبحت تمارس النشاط المسرحى بانتظام.. وجدتنى أنغمس لشوشتى فى عملى المسرحى.. إلى جانب عملى كنكرة فى الإذاعة بجنيه لكل تمثيلية.. وتركت الكرة.
وكان فى الفرقة دى ممثلات؟
لأ.. كنا نستعين دائماً بزوزو نبيل، أو زوزو ماضى بشرط أن تأخذا أجرهما قبل العمل.
ولما بطلت الكرة عملت فيك إيه المصلحة؟
بدأت المضايقات من رؤسائى فى كل يوم.. بل فى كل لحظة أى تأخير أحاسب عليه.. ووجدت نفسى فى النهاية أننى لا أستطيع بأى حال أن أجمع بين عملى فى هندسة الوابورات «كاتب حسابات صغير» وبين عملى الفنى فى المسرح والإذاعة.. كنكرة أيضاً.. وكان لزاماً على أن أختار.. فاخترت الفن.
واستقلت؟
لأ.. رفدت فى عام 1956.. وجاء فى قرار الرفد أن المصلحة رفدتنى بسبب تأخرى عن العمل الذى نشأ عن ممارستى التمثيل والتشخيص فى التياترات.. يعنى بسبب الفن.
وكان مرتبك وصل كام؟
14 جنيهاً فى الشهر.
وبعدين عملت إيه؟
كان تركى للعمل الحكومى أو بمعنى أصح كان رفدى من مصلحة السكة الحديد دافعاً لى على ممارسة العمل الفنى الجدى.. أى الاحتراف.. فعملت فى فرقة إسماعيل يس من سنة 1956 إلى سنة 1958.
كنت بتأخذ مرتب كام؟
60 جنيهاً.
وبعدها؟
أقنعنى الأستاذ أحمد حمروش، وكان فى ذلك الوقت مديراً للمسرح القومى، أن أنضم إليه.. ولبست الفكرة فى رأسى وتركت فرقة إسماعيل يس لألتحق بفرقة المسرح القومى.
بمرتب أكبر؟
وضحك توفيق الدقن ساخراً وهو يقول:
- لأ بمرتب أصغر – 27 جنيها!
إلى الآن؟
لأ يا سيدى.. ارتفعت وأصبحت والحمد لله 30 جنيها.
حكاية النكرة فى الإذاعة.. كيف تخلصت منها؟
- الفضل فى الموضوع ده فى الحقيقة.. ينسب ليوسف الحطاب.
إزاى.؟
فى سنة 1954 أخرج يوسف الحطاب مسلسله «سمارة» وأسند إلى دور البطولة «المعلم سلطان».. ودور «سمارة» إلى «سميحة أيوب».. واعترض المسئولون فى ذلك الوقت على هذا الاختيار، وحاولوا أن ينحوا يوسف عن هذا الرأى بحجة أننى لست ممثلاً.. ولكنى أعمل نكرة بجنيه واحد فى التمثيلية.. فصمم يوسف على موقفه، وقبلت أنا من جانبى أن أقوم بدور البطولة.. بأجر نكرة.. ومثلت الدور.. وكان تحولاً فنياً كبيراً فى حياتى.. بل إنى أعتقد أن المعلم سلطان رفعنى من نكرة إلى مصاف النجوم.. والفضل فى هذا كما ذكرت وأذكر دائماً لـ«يوسف الحطاب».
وأول فيلم اشتغلت فيه؟
«ظهور الإسلام» إنتاج إبراهيم عزالدين وإخراجه.
وأخذت فيه كام جنيه؟
-25 جنيها.
وآخر فيلم لك؟
فيلم جديد اسمه «كلهم أولادى».
أجرك فيه كام؟
-500 جنيه.
على فكرة أجرك فى الإذاعة اتغير؟
طبعاً.. بعد تمثيلى لسمارة ارتفع إلى 3 جنيهات ثم 4 ثم 5 وهو أجر النجوم الإذاعيين من الدرجة الأولى.
أنت متزوج يا توفيق؟
أيوه.. فى سنة 1959 من بنت عمتى.. وهى تحمل ليسانس آداب.
يعنى بتشتغل؟
لأ فى البيت.. بتربى أولادها.
عندك كام طفل؟
ولد وبنت والثالث جاى فى السكة.
إذن أنت لا تؤمن بتحديد النسل؟
لأ.. ما دام ربك ساترها يبقى خلاص.. أما تحديد النسل أو تنظيمه يمكن أن ينطبق أو يتبعه الذين لا يستطيعون بدخولهم الصغيرة! يربوا أطفالهم التربية الصالحة، التى تفيد المجتمع الذى يعيشون فيه، وأنا عندى أخو مراتى وعديلى الاثنين دكاترة ولا يؤمنون بتحديد النسل إطلاقاً، مع أنهما يستطيعان بعلمهما الطبى أن ينظما حكاية الحمل إلى حد كبير.
ولا تؤمن أيضاً بالمرأة العاملة؟
مكان المرأة البيت والسهر على راحة زوجها وتربية أطفالها بوجه عام.. وإن كان هناك بعض الأعمال التى لا بد أن تشترك فيها المرأة مثل التمثيل.
أنت اشتهرت بدور ابن البلد الشعبى.. ثم عملت دور ضابط فرنسى فى مسرحية «جميلة».. فما هو الخط الفنى الذى يربط بين الدورين؟
الفنان الأصيل، يقوم بكل دور يسند إليه.. ولابد أن يشكل نفسه حسب الانفعالات التى تحيط بالدور الذى يلعبه، وهذا بالطبع يتوقف على إرشادات المخرج وتوجيهاته.
أنت بتشتغل فى المسرح، والإذاعة، والسينما، والتليفزيون، فهل أنت راض عن هذا؟
فى الحقيقة هى عملية تمزيق فنى تفرضها لقمة العيش.
وإيه العلاج؟
فيه ممثل يحب يشتغل فى المسرح، وآخر يفضل الإذاعة، وثالث يفضل السينما، ورابع يرغب فى التليفزيون أكثر.. لهذا يجب أن تقوم عملية تصفية كبيرة بين المحترفين لتخصيص كل ممثل فى الاتجاه الذى يحبه.. ويصبح موظفاً فيه، يأخذ أجراً يكفيه هو وأسرته ليعيشوا عيشة طيبة فى مستوى لائق.
والمرتب اللى بتقترحه للفنان كام؟
100 جنيه على الأقل.. من هنا سنتيح الفرصة أمام كل فنان من ناحية، وسنقدم أعمالاً كبيرة وعظيمة على المسرح، وفى الإذاعة والسينما والتليفزيون.
إيه رأيك فى الفيلم اللى أنتجه التليفزيون؟
هو خطوة أولى نحو ميدان جديد للتليفزيون.. لكن أعتقد أن الدكتور حاتم سوف يعمل على النهوض بهذه الفكرة، بتوفير العناصر الصالحة لها من الممثلين والممثلات، ومن ناحية الإمكانيات الفنية والمادية إلى جانب القصة العالمية التى يمكن أن تصدرها للخارج.
عندك تليفزيون؟
لأ.. ولكنى باشاهد برامجه عند حماتى التى تقطن فى نفس العمارة التى أسكن فيها.
وماذا يعجبك من برامجه؟
البرامج الثقافية، مع العيلة، نور على نور، 3x3.
مين أستاذك فى المسرح؟
زكى طليمات.
وفى السينما؟
يوسف شاهين.
وفى الإذاعة.؟
يوسف الحطاب.
وفى التليفزيون؟
مفيش حد.