رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

جزيرة «النبـاتــــات».. السحر والجمال فى أسوان


13-4-2026 | 13:37

.

طباعة
تقرير: نور عبد القادر

من اللحظة الأولى التى تقترب فيها المراكب الشراعية من ضفاف جزيرة النباتات بأسوان، يبدأ الإحساس بأنك على وشك دخول عالم مختلف، عالم تفوح منه رائحة التاريخ وتمتزج فيه ألوان الطبيعة بدرجات يصعب وصفها بالكلمات، وتقع الجزيرة فى قلب نهر النيل بمدينة أسوان، وتمتد على مساحة تقترب من ١٧ فدانًا، لتشكل واحدة من أقدم وأهم الحدائق النباتية فى مصر والشرق الأوسط، بل وأحد أبرز المتاحف الطبيعية المفتوحة التى تحتضن تنوعًا نباتيًا نادرًا.

 

تعود حكاية الجزيرة إلى نهايات القرن التاسع عشر، حين كانت فى الأصل موقعًا عسكريًا، قبل أن تتحول إلى مقر إقامة للقائد البريطانى اللورد كتشنر، الذى وقع فى حب الموقع الفريد وسط النيل، فقرر تحويله إلى حديقة نباتية عالمية. ومنذ ذلك الحين، بدأت رحلات جلب النباتات من مختلف قارات العالم، لتتحول الجزيرة تدريجيًا إلى سجل حى يجمع نباتات من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فى تجربة نادرة تتيح للزائر أن يعبر بين بيئات طبيعية متعددة وهو لا يزال فى نفس المكان.

بمجرد أن تخطو خطواتك الأولى داخل الجزيرة، تستقبلك ممرات ضيقة تحفها الأشجار من الجانبين، وكأنها ممرات إلى قلب غابة استوائية. الأشجار هنا ليست مجرد نباتات، بل كائنات عملاقة ذات حضور مهيب، بعضها يمتد لعشرات الأمتار، بأغصان متشابكة تشكل مظلات طبيعية تحجب أشعة الشمس وتترك خلفها ضوءًا ناعمًا متسللًا، على جانبى الطريق.

الدكتور هشام الطيب، مدير حديقة النباتات سابقًا، قال: تتنوع النباتات فى الجزيرة بين نخيل ملكى شاهق، وأشجار ماهوجنى ضخمة، ونباتات فيكس ذات جذور ممتدة، إلى جانب أنواع نادرة من الأشجار العطرية والطبية التى تحمل روائح مميزة تملأ المكان بهدوء، الحديقة مقسمة بشكل علمى دقيق، حيث تم توزيع النباتات وفقًا لبيئاتها الأصلية، فتجد نفسك تنتقل من منطقة تضم نباتات استوائية كثيفة، إلى أخرى تحتوى على نباتات صحراوية أكثر قدرة على التكيف، ثم إلى مساحات مزروعة بنباتات آسيوية وإفريقية، فى رحلة بيئية مصغرة حول العالم. وأشار أن الجزيرة تضم ما يزيد على 700 نوع من النباتات النادرة، وهو ما يجعلها مقصدًا مهمًا للباحثين والدارسين، إلى جانب كونها وجهة سياحية مميزة.

«د. هشام»، أوضح أن «تطوير الحديقة شهد خطوات مهمة خلال الفترة الأخيرة، خاصة فى مجال الحفاظ على النباتات النادرة وإكثارها. وأوضح أن من أبرز التحديات التى واجهت فريق العمل هو وجود أنواع من الأشجار صعبة الإكثار بالطرق التقليدية، مثل الصنوبر، والأبانوس، والبكاية، والأجاثيس»، مشيرًا إلى أنه «تم التعامل مع هذا التحدى من خلال إدخال تقنية زراعة الأنسجة، حيث جرى تجهيز معمل متخصص بأحدث الأجهزة، إلى جانب تدريب الكوادر الفنية على استخدام هذه التقنية بشكل احترافى».

وأضاف أن «تفعيل معمل زراعة الأنسجة داخل الجزيرة يمثل نقلة نوعية؛ إذ يسهم فى إكثار النباتات النادرة والمميزة التى يصعب إنتاجها بالوسائل التقليدية، فضلًا عن دعمه للأبحاث والدراسات المرتبطة بهذه الأنواع، وهذه النباتات لا تقتصر على كونها نباتات زينة فقط، بل تشمل أيضًا أنواعًا ذات قيمة بيئية وعلمية، وبعضها له استخدامات طبية أو اقتصادية، ما يعزز من أهمية الحفاظ عليها وتنميتها».

وفى السياق، أكد المهندس عمرو لاشين، محافظ أسوان، أن «جزيرة النباتات تعكس نموذجًا متكاملًا للتنسيق البيئى والجمالى، حيث تظهر فى صورة مساحات مفتوحة تتخللها مسطحات خضراء تم تنسيقها بعناية، إلى جانب مقاعد خشبية بسيطة تتيح للزائر فرصة الجلوس والتأمل فى أجواء من الهدوء والسكينة، بما يجعل الزيارة أقرب إلى تجربة تأملية بعيدًا عن صخب الحياة اليومية».

وأشار إلى أن «الحديقة تضم لوحات تعريفية توضيحية موزعة فى أرجائها، تحمل أسماء النباتات وأصولها، بما يسهم فى تعزيز البعد المعرفى للزيارة»، لافتًا إلى وجود قسم مخصص للنباتات الفرعونية، يعكس جانبًا من التراث النباتى المصرى القديم، وموضحًا أن «الجزيرة تشهد إقبالًا كثيفًا من الزائرين، سواء من المصريين أو السائحين، خاصة فى ظل ما تتمتع به أسوان من اعتدال فى درجات الحرارة، تزامنًا مع ازدهار النباتات، وهو ما يجعل تجربة الزيارة فى ذروتها، لتبدو الجزيرة وكأنها لوحة طبيعية متكاملة».

وأضاف أن «تجربة زيارة الحديقة لا تقتصر على ما تحتويه من عناصر طبيعية، بل تمتد لتشمل رحلة الوصول إليها، حيث تمثل جولة الفلوكة فى نهر النيل جزءًا أصيلًا من التجربة؛ إذ يستمتع الزائر بمشهد المياه الهادئة وانعكاسات ضوء الشمس عليها، فى إطار بصرى مميز تتكامل فيه الجبال والصخور الجرانيتية التى تشتهر بها أسوان. ومع الوصول إلى الجزيرة، ينتقل الزائر من أجواء المدينة إلى عالم من الهدوء والطبيعة».

كما أكد المحافظ، أن «جزيرة النباتات لا تُعد مجرد حديقة تقليدية، بل تمثل تجربة متكاملة تجمع بين الطبيعة والتاريخ والعلم والجمال، وهو ما يفسر سر الإقبال المتزايد عليها، لا سيما خلال فصل الربيع، حيث يجد كل زائر ما يبحث عنه، سواء كان الهدوء أو الجمال أو المعرفة، لتبقى فى النهاية مصدرًا للدهشة والإبهار لكل من يزورها».

واستكمالًا لهذه الجهود، أكد «لاشين» أن «خطة التطوير لم تقتصر على الجوانب الشكلية والخدمية فقط، بل امتدت لتشمل دعم الدور العلمى والبحثى للحديقة، من خلال توثيق وتصنيف النباتات النادرة، وتوفير بيئة مناسبة للباحثين والدارسين فى مجالات علوم النبات والبيئة»، موضحًا أن «الحديقة تمثل أحد أهم المراكز الحية للتنوع البيولوجى فى جنوب مصر، حيث تضم مئات الأنواع النباتية المحلية والمستقدمة، ما يجعلها منصة فريدة للتعليم البيئى والتوعية بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية».

وأضاف: هناك توجه مستمر لتعظيم الاستفادة من الحديقة كوجهة للسياحة البيئية، من خلال تنظيم زيارات إرشادية وبرامج توعوية للمدارس والجامعات، إلى جانب العمل على إدخال وسائل عرض حديثة تُسهم فى تقديم المعلومات للزائرين بشكل مبسط وجذاب، بما يعزز من القيمة التعليمية للزيارة، كما أن أعمال التطوير تمت وفق رؤية متكاملة توازن بين الحفاظ على الهوية التاريخية للجزيرة، التى تعود جذورها إلى عصور سابقة، وبين إدخال تحسينات مدروسة تواكب متطلبات العصر، دون الإخلال بالطابع الطبيعى الفريد الذى يميزها.

وأكد «لاشين» أن «التعاون المستمر بين الجهات التنفيذية والبحثية يعكس إيمان الدولة بأهمية الاستثمار فى الموارد الطبيعية، ليس فقط كمصدر جذب سياحى، بل كإحدى الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة»، لافتًا إلى أن جزيرة النباتات بأسوان ستظل نموذجًا ناجحًا لكيفية توظيف الطبيعة فى خدمة الاقتصاد والمعرفة معًا.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة