مبادرات نشر الجمال، وبرامج الارتقاء بالذوق العام، فلسفة راسخة، ورؤية واضحة فى الجمهورية الجديدة منذ 2014، وتتواصل محطات هذه العقيدة الثابتة لزيادة الوعى الجمالى فى عموم البلاد، وليس فى مدن الجيل الرابع مثل العاصمة الجديدة وأخواتها من العلمين الجديدة والجلالة وغيرها من المشروعات العمرانية العملاقة فى بنيتها التحتية أو مرافقها المتطورة وخدماتها الذكية، بل إن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى المتواصلة تؤكد أن يد التعمير وقدرة التطوير يجب أن تصل إلى كل المصريين ولا تقتصر على القاهرة الكبرى أو المدن الرئيسية فقط، وأن يتوافر لجموع المواطنين الحياة الكريمة مع الشعور بالبهجة والأمل فى المستقبل، وترجمة هذه القناعة الرئاسية هى ثلة المبادرات التى تواجه القبح وتظهر البهاء وفى مقدمتها مبادرة حياة كريمة، وتطوير عواصم المحافظات، وتطوير العشوائيات، وممشى أهل مصر، ومخطط إحياء القاهرة التاريخية، والتوسع فى المتاحف الرائعة، وهذا غيض من فيض.
إن استراتيجية بناء الإنسان المصرى التى يتبناها بحسم الرئيس السيسى لم تتوقف عند تحسين جودة حياة المواطنين فى الصحة والتعليم والإسكان والحماية الاجتماعية وغيرها من ملفات الحياة اليومية، لكنها تمتد إلى مفهوم أشمل يتضمن تحقيق العدالة فى الشعور بالجمال، والمساواة فى تذوق البهجة بين الناس بالحرص على أن تراعى كل المشروعات العمرانية والتنموية الجديدة التخطيط الجيد، والتنظيم الحسن، والارتفاعات المقبولة مع توافر البنية التحتية وفقا للأكواد البنائية، مع وجود الطرق الممهدة بلا تعرّج ولا منحنيات لإتاحة الشعور بالراحة النفسية، وخلق فرصة أكبر للتذوق الجمالى، فى أى تجمع سكنى جديد، سواء كان «جنة» أو «دار مصر» أو «سكن مصر» وصولا إلى الإسكان الاجتماعى أو سكن لكل المصريين، ستجد بغض النظر عن الفارق فى الأسعار فراغات كافية بين كل العمارات تجعل الشمس تدخل كل البيوت، مع مساحات خضراء، وأماكن للتنزه وملاعب متنوعة إلى جانب مراكز خدمات منفصلة، صحيح هناك اختلاف فى التشطيبات وأساليب الرفاهية لكن الاحتياجات الرئيسية متواجدة للكل، ولذلك مَن انتقل للإقامة فى هذه التجمعات السكنية لا يفكر فى العودة لزحام القاهرة الكبرى أو غيرها من المدن، حتى لو كانت هناك بعض العوائق، فالشخص يذهب حيث يجد راحته النفسية، وكما يقول المثل المصرى الأصيل «الرجل تدب مطرح ما تحب».
ولنا فى ملحمة تطوير المناطق العشوائية العبرة والمثل عند الحديث عن مساعى الجمهورية الجديدة فى ترويج الإدارك الجمالى، فقد عزمت الدولة عزمًا أكيدًا على مواجهة أخطاء الماضى، والإصرار على إصلاح التشوهات، وبناء سكن كريم يليق بكرامة أهلنا وناسنا فى هذه المناطق، ويضمن لهم الحصول على حقوقهم فى المرافق كافة، والخدمات جمعاء، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، وهو ما لم يحدث فى أى دولة أخرى فى العالم، فقد كلف الرئيس السيسى الحكومة ممثلة فى صندوق تطوير العشوائيات لإنهاء هذا الملف، فتتابعت التحركات، وتلاحقت الخطط، وتعاقبت الإنجازات، وبعد 9 سنوات من الجهد والبناء يتم إعلان مصر خالية من المناطق العشوائية بتكلفة 40 مليار جنيه تم إنفاقها لتطوير 357 مكانًا عشوائيًا، من الأسمرات وأخواتها فى القاهرة الكبرى إلى بشائر الخير بالإسكندرية وحتى أسمرات المنيا وغيرها من المحافظات، وهنا لزم التوقف عند أسماء تلك المناطق بعد تدويرها، فقد حملت أسماء جميلة وتخلت عن قرينتها سيئة الصفات والدلالات، فلم يعد هناك بطن البقرة أو الدويقة أو عزبة أبوقرن، بل حى الأسمرات، وتغير اسم تل العقارب بالسيدة زينب إلى روضة السيدة، و«مثلث ماسبيرو» إلى أبراج ماسبيرو، وغيط العنب بالإسكندرية أصبحت بشاير الخير، والمحجر فى بورسعيد تحولت لأهالينا، وبالطبع هذه المناطق غير الآمنة تحولت إلى مجتمعات عمرانية متكاملة عنوانها الجمال والروعة، فتحسنت سلوكيات الناس، وارتقت مشاعرهم، وانتعشت أرواحهم، لأنهم على حد وصف أحد الأطفال المقيمين فى حى الأسمرات «أصبحنا نستيقظ على صوت الطيور ورائحة الورد ونذهب إلى المدارس وقصر الثقافة والنادى، فهى أصبحت بالقرب منا عكس ما كان فى السابق».
إرادة الجمهورية الجديدة فى توسيع رقعة المناظر الخلابة، والمشاهد الجذابة، جعلتها جاهدة فى شتى القطاعات، وتسرع الخطى فى مختلف الملفات، فهى لم تكتفِ بإنشاء المدن الجديدة كاملة الإمكانات شاملة المرافق والخدمات، لكنها تحرص على رفع كفاءة المدن القديمة، بداية من تحسين خدماتها كافة، وتطوير طرقها من خلال المحاور والكبارى التى سهّلت الحركة المرورية، وتوحيد طلاء الشوارع والميادين الرئيسية فيها لتكون أكثر راحة للعين وهدوءًا للنفس، مرورًا بإزالة الأسواق العشوائية أو إعادة تأهيلها وفقًا للمعايير القياسية لتؤدى الدور المطلوب منها بشكل حضارى وبما يتناسب مع تطلعات المقيمين حولها من المواطنين، ويصعب حصر عدد الأسواق العشوائية التى تم تطويرها أو إزالتها ونقل الباعة إلى أخرى مجهزة بأعلى القدرات، ومنها سوق التونسى الجديد، وسوق المطرية، وسوق نفق المنيرة، وسوق العتبة التاريخى، وأسواق المنيا الحضارية، وتكرر هذا السيناريو فى عدة مدن ومحافظات أخرى، رغم أن هذا الملف لم يكن ضمن أولويات حكومات ما قبل 2014.
وقناعتى الشخصية أنه لا يمكن أن يغفل أحد أن مشروع «ممشى أهل مصر» واحد من أهم معالم الجمال للجمهورية الجديدة، لأنه أتاح متعة التنزه والتمتع بطلة النيل العظيم لكل المواطنين بدون منغصات من المحيطين أو التعرّض للمضايقات من الباعة الجائلين ومدعى احتكار الشاطئ، مع توافر الخدمات المتكاملة من المطاعم الثابتة والعائمة، والمسارح المفتوحة والمحلات التجارية المتنوعة مع ساحات واسعة للجلوس والتمشية، علما بأن هذا الممشى ليس كما يظن البعض مقتصرًا على القاهرة الكبرى فقط بل دخل الخدمة فى العديد من المحافظات بطول النهر الخالد، فى إطار رؤية شاملة لزيادة المساحات الترفيهية والمزارات السياحية على مستوى الجمهورية، فلا حرمان من الشواطئ سواء فى المحافظات المطلة على النيل أو البحرين الأحمر والمتوسط، فالمتعة للجميع، والجمال وصفة مصرية.
وفلسفة الجمال فى الجمهورية الجديدة، هى التى استندت إليها توجيهات الرئيس السيسى، منذ عدة سنوات بضرورة تخفيف الضغط عن القاهرة القديمة وفتح المجال أمامها لاستعادة جمالها ورونقها، من خلال تركيز جهود الدولة على تطويرها وإحياء مناطقها التراثية، وهو ما تحقق بالفعل، فهى فى طريقها للتحول إلى متحف مفتوح مثل روما وأثينا وغيرهما من المدن والعواصم الأوروبية، فى ظل تواصل مخطط الإبداع من منطقة القاهرة الخديوية، إلى منطقة القاهرة الإسلامية والتاريخية، بإعادة إحياء وترميم المبانى التراثية والتاريخية، ولن تتوقف أعمال التطوير فى كل شوارعها وميادينها لتعزيز جمالها، وإبراز مكانتها كوجهة ثقافية وسياحية متميزة، وتحويلها إلى مناطق تليق بتاريخ مصر العريق، كما تعهد د.مصطفى مدبولى، رئيس الوزراء مؤخرًا خلال جولته لتفقد المشروعات الكبرى التى تقوم بها الدولة لإعادة إحياء القاهرة التاريخية، فالدولة لم تهرب إلى العاصمة الجديدة، بل طورت وحسّنت القاهرة القديمة وجعلتها تحفة معمارية وجمالية.
ولا ينكر إلا جاحد، ما حدث من تطوير وتأهيل لمختلف مناطق القاهرة الخديوية، فقلب «وسط البلد» عاد ينبض من جديد، من ميدان التحرير إلى شارع طلعت حرب ومثلث البورصة، وشارع الشريفين «شارع الفن»، إلى منطقة الأوبرا وشارع الألفى؛ وما يدور فيها من إعادة إحياء لمبانيها بما يتماشى مع رؤية الدولة الحديثة، عبر إنشاء فنادق ومبانٍ إدارية ضخمة ومتاجر راقية، فضلاً عن تحويل بعض الشوارع إلى مساحات مخصصة للمشاة، كما أشار رئيس الوزراء، وصولاً إلى أعمال التنمية والتطوير المستمرة فى القاهرة التاريخية ومنها المناطق المحيطة بمساجد: السيدة نفيسة، والسيدة عائشة، والإمام الشافعى، إلى جانب مختلف المناطق المجاورة؛ بهدف رفع كفاءة هذه المناطق وتحويلها إلى مناطق تليق بتاريخ مصر العريق، أما بعض المبانى والأنشطة التى لم تكن تتناسب مع طبيعة هذه الأماكن التاريخية، فتتواصل خطة نقلها إلى أماكن بديلة، كما أن معدلات التنمية التى يجرى تنفيذها فى القاهرة التاريخية، بداية من حديقة الفسطاط وحتى مناطق سور مجرى العيون، يعكس حجم التغيير الكبير الذى شهدته هذه المناطق مقارنة بما كانت عليه فى السابق، ولهذا دعا د. «مدبولى» الصحفيين والإعلاميين إلى تذكر الشكل السابق لهذه المناطق ومقارنته بما أصبحت عليه اليوم.
ويحسب للدولة المصرية فى هذه المرحلة، تحقيق العدالة الثقافية بين جميع الفئات، والوصول بالفنون إلى جميع المصريين من جمهور السينما والمسرح إلى رواد قصور الثقافة والمكتبات العامة فى كل المحافظات، وصولاً إلى محطات المترو فى مبادرة ثقافية تنفذها وزارة الثقافة بالتنسيق مع وزارة النقل وهيئة الأنفاق لتحويل محطات المترو والمونوريل إلى منصات إبداعية ومسارح مفتوحة تقدم عروضًا حية ومجانية للركاب من الموسيقى إلى الغناء والفنون الشعبية ومسرح العرائس، وكلها فنون ترسّخ الهوية الثقافية الأصيلة للمصريين، خصوصًا فى المناسبات والأعياد القومية لتظل فخرًا لنا جيلاً بعد جيل، مع إدخال السرور على المواطنين، والترويح عن أنفسهم.
ومن المؤكد أن مبادرة «شارع الفن» بمنطقة وسط البلد التى أطلقت فعالياتها مؤخرًا فى ظل إقبال جماهيرى كبير من المواطنين، والتفاعل الواسع مع عروضها الشعبية والتراثية، تعد دلالة واضحة على أهمية هذا الاتجاه، وتعطش المصريين إلى الفنون الراقية، وقد صرحت د. جيهان زكى وزيرة الثقافة، بأن هذه المبادرة خطوة نوعية فى مسار إتاحة الفنون للجمهور، وتحقيق العدالة الثقافية من خلال الخروج بالفن من القاعات المغلقة إلى الفضاءات العامة، بما يتيح التفاعل المباشر مع مختلف فئات الشعب، كما أنها تعكس توجه الدولة نحو الصناعات الثقافية والإبداعية، واكتشاف المواهب الشابة ورعايتها لتصبح منصة تعزز الهوية الثقافية المصرية، وتسهم فى بناء الوعى وترسيخ قيم الجمال فى المجتمع المصرى.
حمى الله مصر وشعبها وقيادتها وجيشها
ومؤسساتها الوطنية من كل سوء