قبل هذا الافتتاح بأسبوع أيضًا، تم افتتاح «المونوريل» للجمهور، فى المسافة من محطة المشير وحتى العاصمة الإدارية، حوالى 16 محطة، ومن المقرر أن يستكمل العمل فى بقية المحطات حتى الاستاد فى مدينة نصر الشهر القادم،وبعد ستة أشهر سوف يتم افتتاح مونوريل غرب النيل، إنشاء المونوريل كان مطروحًا منذ مطلع الستينيات، وبمنطق أنه ليس من ضمن الأولويات، ظلّ مجرد فكرة، حتى صار واقعًا، نراه يتحرك ويستعمله المواطن.
إلى جوار هذين الإنجازين الملموسين أمام المواطن، هناك إنجاز فى مجال السياسة الخارجية، فقد كشفت الحرب الأخيرة فى المنطقة، دقة ومصداقية الموقف المصرى من الأشقاء العرب ومن الصراعات الدولية فى الإقليم، وهو موقف اكتسب الاحترام والتقدير، وأزعج الكثيرين، سواء من خصوم الدولة والدور المصرى أو المزايدين والمترخصين، هذا كله يعنى ويكشف أن كل الذين تحدثوا عن «إفلاس مصر» كانوا بين كاذب أو جاهل أو شرير ومتآمر.
الأهم من ذلك أن الذباب الالكترونى الذى سعى إلى إحداث وقيعة بين مصر والدول العربية فشلوا، وبين أن العلاقات العربية أقوى من المزايدات وأن الدور والموقف المصرى من العالم العربى أحد الثوابت في السياسة المصرية، فضلاً عن أن علاقات الأشقاء لا تتحدد وفق أخبرة الذباب الإلكترونى ومرتزقة جماعات الإرهاب.
وسط هذه الإنجازات والنجاحات، تتحرك لجان افتعال الأزمات واختلاق المشاكل، لنجد سعر كيلو الطماطم وصل إلى نحو سبعين جنيهًا أو أقل قليلاً.
الغريب والمريب فى هذا الأمر أن مصر تمر بموجة حارة، حيث وصلت درجة الحرارة إلى أربعين درجة فى القاهرة، وتزيد أكثر من درجتين فى الجنوب.
الخبرة المصرية الطويلة مع الزراعة تقول إن ارتفاع درجة حرارة الجو يؤدى على الفور إلى نضج ثمرة الطماطم بسرعة شديدة، الأمر الذى تترتب عليه زيادة كميات المعروض منها، ومن ثم ينخفض سعرها إلى أدنى مستوى، حتى تباع بالقفص وليس بالكيلو بينما العكس يكون فى الشتاء، ذلك أن برودة الجو تؤدى إلى تباطؤ النمو والنضج، ثم يشحّ المحصول ويرتفع السعر كثيرًا. وفى الشتاء الماضى، كان سعر كيلو الطماطم يتراوح بين عشرة جنيهات وخمسة عشر جنيهًا، وهذا يعنى-بالمنطق- أن السعر فى هذا الجو الحار يجب أن يكون تحت الخمسة جنيهات، لا أن يصبح أربعة أضعاف، وربما خمسة أضعاف سعر الشتاء!
مفارقة واضحة، وهنا يكمن العبث وينشط صُناع الأزمات أو افتعال واختلاق المشكلات، هنا قد يكون فى الأمر ألاعيب التجار والمحتكرين، هناك مَن يقوم بتخزين المحصول ومنعه من السوق، حتى يتضاعف السعر، وتتعاظم الأرباح، لكن فى هكذا أمور، سوف تجد في الخلفية شياطين السياسة والساعين إلى تصدير الأزمات فى وجه الدولة وأمام الرأى العام ورجل الشارع البسيط.
ويبدو لنا أن هناك مَن يحاول افتعال الأزمات واختلاقها أمام المواطن فيما يتعلق بأمور الغذاء والطعام، لأن هذا الجانب يتعلق بكل مواطن وكل ربة بيت وأسرة.
ظهرت أزمة ارتفاع سعر الطماطم مع أزمة أخرى سبقتها بأيام، اسمها «البطيخ المسرطن»، طوال عمرنا نعرف أنواع البطيخ.. الشلين والنمس وغيرهما من الأصناف والأسماء، ولكل نوع مَن يتذوقه ويفضله، وفى مجال الجودة يتم التمييز بين البطيخة الحمراء وتلك غير الحمراء، ويطلق عليها «القرعة»، الفارق بينهما أن الأولى «الحمراء» تم اقتطافها بعد نضجها، بينما الثانية اقتُطفت وهى لا تزال خضراء، أى دون النضج، الأمر هنا يتعلق بكفاءة العامل وصاحب الحقل فى قطف أو جمع المحصول.. الفارق بين الثمرتين فى النضج والطعم فقط، مع ملاحظة أن الثانية قد تكون أنسب لمَن لا يفضلون السكريات أو لا يميلون إليها رغبة أو لأسباب صحية.. ومع ذلك فإن الأمر بين المستهلكين أو بين البائع والمشترى يكون أقرب إلى باب الفكاهة والتندر.
لذا نجد في أدبيات بيع البطيخ أن البائع يضع إلى جواره سكيناً وعلى استعداد لشق البطيخة أمام المشترى ليتأكد من لونها، أو كما ينادى «حمار وحلاوة».. وإذا لم تكن بهذا المستوى يتراجع المشترى.
لكن فجأة، فى الأسابيع الأخرى، اختفت كل التصنيفات والخبرات مع ثمرة البطيخ، ليهبط علينا مسمى جديد هو «البطيخ المسرطن»، أى بطيخ يجلب لمَن يتناوله السرطان، ثم يصبح كل البطيخ المطروح علينا مسرطنًا.. وزارة الزراعة نفت هذا الأمر برمته، لكن صُناع الأزمات لا يتوقفون.
حاول معى أن نراجع تقارير منظمة الصحة العالمية، فضلاً عن الجهات الصحية فى مصر -أقصد وزارة الصحة من جانب، وكذلك وزارة التعليم العالى وتتبعها المستشفيات الجامعية فى مصر، وهى مستشفيات متميزة بالمعايير العالمية.. هل ثمة مريض بالسرطان ثبت أنه أُصيب بسبب تناول البطيخ؟ وهل هناك عنصر غذائى طبيعى تنتجه الأرض الطيبة مسرطن؟ هل حدث ذلك فى مصر أو فى غيرها من بلدان العالم؟.. فى كل الدنيا ينصح الأطباء المواطن أن يقبل على الفواكه الطبيعية، ويبتعد قدر الإمكان أو لا يكثر من الحلويات المصنّعة، لأن تلك الحلويات قد تؤدى بالبعض إلى زيادة نسبة السكر أو حدوث سمنة، لكن لم يثبت أن أيًا منها يؤدى إلى السرطان.. وحتى الآن بالمعايير الطبية ما زالت الدراسات تبحث فى أسباب مباشرة، عضوية، تؤدى إلى ظهور السرطان أو انتشاره، ما هو موجود إلى اليوم مجرد اجتهادات واحتمالات فقط، لكن لا يوجد سبب قاطع محدد، يمكن أن نضع أيدينا عليه، وإن كان الاتجاه حاليا يميل إلى العوامل النفسية والعصبية، هذا كله لا أحد يتناوله ولا يقف عنده، فقط عبارة واحدة، البطيخ المعروض أمامنا «مسرطن». للوهلة الأولى قد يتصور المرء أن حكاية البطيخ المسرطن تتعلق بصراعات أو منافسات التجار بعضهم بعضًا، لكن طرح الأمر يكشف أننا بإزاء مسألة أبعد من ذلك وأعقد، تتجاوز ارتفاع سعر الطماطم، فى درجة حرارة أربعين أو ادعاء أن البطيخ مسرطن.
الهدف البعيد هو فقدان الثقة بالزراعة والمحصول المصرى، وبما يتناوله المواطن من طعام فى حياته اليومية.
حكاية الطماطم مع البطيخ لا تبتعد كثيرا مع الحملة التى تذهب إلى أن البيض الموجود فى مصر وكذا الدجاج، غير صحى، ويصيب المواطن بأنواع مختلفة من السرطان.. لاحظ أن الذين يرددون ذلك هم أنفسهم مَن اتهموا الحكومة بالعجز، حين شحّ إنتاج البيض وارتفع سعره بعض الوقت، صاحوا أن البيض وجبة كل مصري.. هم أنفسهم اليوم مع انتشار البيض وتراجع سعره، يصيحون بأنه منبع كل الأمراض.
معنى ذلك اقتصاديًا ضرب مزارع البيض والدواجن فى مصر، وضرب العديد من المحاصيل وهى عملية تقوم على مليارات مستثمرة فيها، وهذا يعنى حدوث كساد وخسائر مباشرة، فضلاً عن فقدان مئات الآلاف من العاملين فى هذا المجال لأشغالهم وأعمالهم.
المعنى الآخر، هو أن يتم التركيز على تناول اللحوم الحمراء من الجاموس والبقر وغيرها، ما يؤدى إلى تضاعف سعرها، فضلاً عن شحّها فى الأسواق.. هنا نكون بإزاء أزمة حقيقية جديدة، يصبح على الحكومة مواجهتها وتوفير البدائل الغذائية للمواطن أولا، وتوفير فرص عمل لمَن يفقدون أعمالهم.
توفير البديل الغذائى، فى هكذا أزمات، يكون بالاستيراد العاجل، بما يعنى مزيدًا من الضغط على ميزان المدفوعات والميزانية العامة، ومزيدًا من الاستنزاف للنقد الأجنبى، بما يضعنا أمام أزمة كبرى.
إذا وضعنا كل هذه الأزمات، معا ومتجاورة، فى وقت واحد تقريبا؛ نجد أنفسنا أمام أزمات يتم اختلاقها وافتعالها، الأمر الذى يذكّرنا بمخطط الإرهابى محمود عزت، رجل جماعة إخوان البنا، الذى شكل لجنة، لها جناح فى الداخل بيننا وجناح في الخارج، هدفها واسمها «لجنة افتعال الأزمات».
افتعال الأزمات لدى جماعة الإرهاب يلتقى مع طرف في الإقليم، هو إسرائيل، هدفها افتعال الأزمات لإضعاف دور مصر، وضرب علاقات مصر بالدول العربية، لتدخل هي -إسرائيل- طرفا في المعادلة المصرية.. وهكذا يلتقى أعداء الداخل من جماعات الإرهاب ودعاة الفوضى مع العدو التاريخى لمصر ولبلاد المنطقة كلها.. يصل الأمر بينهما إلى حدود التنسيق المشترك أحياناً، وليس فقط التقاء الهدف والسعى نحو إضعاف مصر.
افتعال الأزمات، ينطلق من قاعدة تقول إنه يصعب أن تغزو بلدًا من الخارج ويصعب إسقاط النظام من الخارج، هنا تكون الحرب من الداخل وفى الداخل، إيمانًا بأن الدول تسقط من داخلها أولاً، لا من خارجها.
العراق أُسقط من الخارج سنة 2003 بغزو أمريكى، لكن هذا النموذج ليس من السهل تكراره ويفشل فى حالات كثيرة، حاول أوباما ذلك مع مصر سنة 2011 ثم سنة 2013 وفشل فشلاً ذريعًا، وجرت محاولته فى بلدان أخرى ولم يحقق نجاحًا، لذا يكون العمل على الإسقاط من الداخل، وهنا تظهر عصابات وجماعات الإرهاب، ولها مسميات عديدة، لكن الهدف واحد، إسقاط الدولة والمجتمع كله.
ومنذ سنة 2013 كانت هناك حرب حقيقية على مصر والمصريين، شنتها جماعة إخوان البنا، وهُزموا أمام الدولة المصرية بكل مكوناتها ولفظهم المصريون، والواضح أنهم يعملون الآن فى الاتجاه الآخر «افتعال الأزمات»، وهذه المرة يستهدفون طعام المصريين وغذاءهم، عملاً بمقولة «البطون أولاً»..
الهدف البعيد أن يشكّ المواطن فى كل طعام يأكله، فيتركه ويكون عليه البحث الفورى عن بدائل، عادة لا تكون متاحة وتكون أكثر كلفة، ومن هنا يكون التأزم والانفجار، لا قدر الله.. مع الأزمات تحاول «الإرهابية» أن تطفو الجماعة على السطح مرة ثانية وتعود مجدداً ويتكرر مشهد سنة 2011.
سوف نلاحظ أن إيقاع افتعال الأزمات يعلو صوته مع كل نجاح وإنجاز يتحقق، لنراجع فقط الحملة على «المونوريل» فى الأيام الثلاثة الأولى من الافتتاح، ولما فشلت الحملة ورد عليها المصريون بالرحلات الجماعية داخل المونوريل، اتجهوا إلى الأسلوب الآخر.. أزمة الطماطم ظهرت بعد 24 ساعة فقط من افتتاح الرئيس مشروع الدلتا الجديدة، وهو المشروع الذى أذهل كثيرًا من المراقبين حول العالم.. مع كل نجاح سوف تظهر أو تفتعل أزمة ما.. الآن الأزمات تدور حول الطعام والغذاء.. أزمات صغيرة، لكن مع التراكم والإلحاح، فضلاً عن وجود بعض الدراويش والبهاليل الذين لا يجيدون ولا يعرفون سوى النواح والعويل.
ويجب أن نعترف بوجود كائنات طافية، أقرب إلى الجثث النافقة، التى تطفو على سطح الماء، هؤلاء يقتاتون ويعيشون على الأزمات والمآسى، وهم على استعداد للسير واللطم فى مواكب الأزمات، حتى لو كانت مفتعلة.. أزمات قد تبدو صغيرة ولكن يجب مواجهتها بحسم وصرامة، والبداية بالمعلومة والمعرفة التي تبنى الوعى.
مع كل خطوة تتحقق وإنجاز يتم، سوف تبرز أزمة، مختلفة تماما ومفتعلة.. وهنا وجب الانتباه.. البعض منا ذهب إلى أن مصر حين انتصرت على الإرهاب، فقد زالت المخاطر واختفى الخصوم والأعداء، وطالبوا بإسقاط المحاذير، والاتجاه إلى التراخى، لكن التاريخ علمنا أن الذئاب يمكن أن تتماوت لكن لا تموت، وأن الحرباء تغير جلدها، لكن سمها لا يتوقف ولا يصبح ترياقاً.