رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الرضا أفضل علاج للاكتئاب


28-5-2026 | 13:43

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

موجة من ارتفاع الأسعار عالميًا جراء الحرب الإيرانية الأمريكية الدائرة بعد ارتفاع أسعار البترول، وهذا الارتفاع خلق حالة من التوتر والقلق لدى دول العالم، وزاد من الضغوط النفسية على شعوب العالم بدرجات متفاوتة، ومصر ليست بعيدة عن هذه الضغوط، بل هى من الدول الأكثر تضررًا نظرًا لاعتمادنا على الاستيراد بشكل كبير، مما أدى إلى زيادة فى الأسعار يعانى منها المواطن المصرى فى ظل بطء النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى حالة عدم الاستقرار التى تشهدها المنطقة، سواء من حروب بين الدول أو حتى بوجود حروب وانقسامات داخلية فى الدولة نفسها، كل هذا وأكثر يخلق جوًا من التوتر والقلق والضغط النفسى سواء على القيادة السياسية أو الشعب المصري، وأصبحنا جميعًا نبحث عن علاج للضغوط النفسية التى نعيش فيها، وهناك أكثر من أسلوب، والأول منها أنه عندما تشتد عليك الضغوط اكتئب واعتزل الجميع بشكل مؤقت.

 

نعم، ما قرأته صحيح وليس به أى خطأ، وليست هلاوس كاتب، ولكنها حقيقة مثلها مثل خوفنا من الاعتراف بأعراض الاكتئاب والهروب من مصطلح الطب النفسي، الذى يرتبط بأذهان المجتمع بالجنون، وهذا خطأ كبير موروث بين أبناء الشعب المصري، رغم أن دول العالم التى تملك الوعى تعمل على تحفيز شعوبها على زيارة الطبيب النفسى لضمان سلامة المجتمع وصحته النفسية، ولا مانع من منح الموظف إجازة لحين علاجه.

أنا هنا لا أتحدث عن الأمراض النفسية الخطيرة، ولكننى أقصد الضغوط النفسية العادية التى تزداد نتيجة الواقع الذى نعيشه، كلٌّ حسب حالته، فالطالب يعانى ضغطًا نفسيًا مثلًا من المذاكرة والامتحانات والنتيجة، ولتكن الثانوية العامة نموذجًا للضغط النفسى للطلاب وأسرهم، ورفع شعار حالة الطوارئ «أنا عندى ثانوية عامة»، فهذه الحالة تزيد من الضغوط النفسية أكثر على الجميع، ولن تأتى بنتيجة إيجابية كما يتخيل ويتوهم البعض، بل على العكس تكون لها آثار سلبية على الطلاب، وكلنا مررنا بها واكتشفنا بعد ذلك أن الثانوية العامة ليست «بعبعًا» وليست نهاية الحياة، ولم نكن جميعًا متفوقين لدخول كليات القمة فقط، ذلك الوهم النفسى الآخر الذى نعانى منه، وكأن كليات القمة دليل على النجاح فى التربية، فالكل يفكر فى نفسه ولا يفكر فى المجتمع الذى يحتاج إلى جميع التخصصات فى كل المجالات، لذا ليس غريبًا أن نجد أغلب خريجى كليات القمة بلا طموح مهني، لأن كل هدفه الذى تربى عليه أن يدخل كلية قمة فقط، لذا لا تتعجب عندما نجد مثلًا مئات الآلاف من خريجات كليات القمة اكتفين بالزواج والجلوس بالمنزل، أو أصبحن مجرد موظفات بلا أى طموح، أو تجد متخرجين من نفس الكليات تركوا المهنة واتجهوا إلى طريق آخر مغاير وبعيد كل البعد عن دراستهم، والنماذج كثيرة وفى تزايد بين أبناء الأجيال الجديدة، والتعليم مجرد نموذج شائع أطرحه لتقريب الفكرة لك عزيزى القارئ، مثله مثل ضغط المسؤولية التى تقع على الآباء فى توفير احتياجات الأسرة من متطلبات مختلفة، خاصة فى ظل وضع اقتصادى للدولة ليس فى أحسن حال، بجانب أزمات الحروب، والتى تؤدى إلى أزمات اقتصادية عالمية وزيادة مستمرة فى أسعار السلع، مما يجعل المواطن يقع تحت ضغط نفسى وعصبى جراء التفكير المتواصل فى كيفية توفير متطلبات الحياة، كلٌّ حسب قدرته، رغم اختلاف الشريحة الطبقية، والتى كان أغلبية الشعب المصرى فى الشريحة المتوسطة، والتى بدأت فى الانهيار منذ سنوات، رغم كل المحاولات الممكنة للتمسك بالبقاء فى تلك الشريحة، ولكن الضغوط أكبر، وهنا عندما تنظر فى أعين الجميع تشعر بالحيرة التى تسيطر عليهم، وتسمع الجميع يشتكي، والكل يقع تحت ضغط رهيب، ولم يعد غريبًا أن نرى أحد المواطنين «ماشى يكلم نفسه»، أو أن تجد الجميع يسأل عن سعر السلعة قبل الشراء، أو المقارنة بين أسعار السلع لشراء الأوفر أو الأرخص حتى لو على حساب الجودة، وكل هذا وأكثر، سواء مصروفات المدارس والدروس والأكل والمشرب والملابس والمواصلات وغيرها من الاحتياجات اليومية التى أصبحت عبئًا على كاهل الأسر، لتسرى فى المجتمع موجة من الضغط النفسي، وهنا تجد درجات التحمل تختلف من شخص لآخر حسب طبيعته، ولكن المحللين النفسيين يطالبون هؤلاء بالاكتئاب والعزلة المؤقتة، وهذا ليس عيبًا ولكنه علاج، وهو نفس فكرة «شد الفيشة» وفصل التيار الكهربائى عن الجهاز الذى يعمل لفترة طويلة بدون توقف وأصبح «يهنج» مثل الكمبيوتر أو المحمول مثلًا، وهكذا الإنسان يحتاج إلى فاصل لكى يعيد شحن طاقته النفسية مرة أخرى، وعدم تحميل الروح أكثر من طاقتها حتى لا تأتى بعواقب أشد خطورة، فمثلًا فى حالات الحزن أو وفاة أحد الأقارب ينصح الأطباء بعدم كتم المشاعر، وليكن البكاء هو العلاج الأنسب فى مثل هذه الحالات بدلًا من تخزين المشاعر المؤلمة بداخل النفس البشرية طويلًا، لأن فى النهاية سوف يحدث عواقب أشد خطرًا ترتد على وظائف الجسد الفسيولوجية أو حدوث انفجار نتيجة تراكم المشاعر، لذا عزيزى القارئ تجد أن الاكتئاب والعزلة المؤقتة علاج للضغوط النفسية، فهنا الاكتئاب هو علاج للروح، أو بمعنى أدق هو ما تريده نفسك أن يحدث، ولكنها تخاف من العواقب، وهى أخطر مرحلة يمكن أن يمر بها الإنسان، لأنه قبل الدخول فى مرحلة الاكتئاب والعزلة يجب أن يكون هذا الشخص على يقين بأنها فترة مؤقتة لإعادة الشحن، ثم العودة مرة أخرى للانخراط بالمجتمع واستكمال الحياة ومواجهة الضغوط مرة أخرى، وأهم ما يميز حالة العزلة المؤقتة هو التفكير بشفافية، فعندما تكون بمفردك سوف تفكر فى كل الضغوط التى تواجهك، وسوف تعيد شريط ذكريات لكل الضغوط التى مرت عليك مسبقًا وكنت تعتقد أنها بلا حل وأنها نهاية للحياة، ولكنها مرت وانتهت وأصبحت ذكرى، وهنا سوف تتأكد أن الضغوط الحالية التى تعانى منها سوف تمر أيضًا وتصبح ذكرى، وكل ما عليك هو استعادة روحك مرة أخرى، وأن تخرج من الاكتئاب والعزلة المؤقتة أقوى من الأول.

هذا كلام الطب النفسي، وبالنسبة لنا كشعب مصرى فنحن نملك أقوى علاج، وهو اللجوء بالتضرع والدعاء إلى الله، رغم اختلاف مدى إيمان كلٍّ منا وقربه من الله، إلا أننا جميعًا على يقين بأن الله سيستجيب للدعاء، ونحن فى العيد وقد عشنا أفضل أيام السنة، العشر الأوائل من ذى الحجة التى أقسم الله بها، والعمل الصالح فيها أحب إلى الله من غيرها، فالإيمان بالله وبقدرته سبحانه وتعالى هو أعظم راحة وعلاج للنفس، فالتوكل على الله وليس التواكل هو بداية للتغيير، ولا تتعجب من وجود رسائل لك من الله تصلك فى موعدها، وأنا لست شيخًا أزهريًا أو داعية دينيًا، ولكننى عبد أحب الله بالفطرة التى خلقنى عليها، مثلى مثل جميع الشعب المصري، نحب الله ونخطئ ونعود لنتوب ونستغفر ونلجأ له دائمًا فى كل كرب وضيق، ونعود لنخطئ ونستغفر ليقين لدينا بأنه الله خالق الكون، الملك الغفار، الغفور، الرحمن الرحيم، الكريم بكل صفاته التى نؤمن بها، فلا تتعجب أن تجد رسالة من الله تصلك، وهنا علينا التدبر والتفكير جيدًا فى تلك الرسائل، فمثلًا تدخل على فيسبوك فنجد أول شيء يظهر لك هو دعاء أنت فى أشد الاحتياج له، أو تجد صديقًا أرسل لك آية أو رسالة على واتساب تكون إجابة لتساؤلات بداخلك، أو أن تجد نفسك تستيقظ من عز نومك على صوت أذان الفجر، والأعظم أن تقهر شيطانك الذى يدعوك للنوم برهة فتقوم لتصلي، رسائل كثيرة تختلف من شخص لآخر، ولكنها دليل على الحب الإلهي، ليستقر بداخلنا اليقين بالرضا بما قسمه الله لنا، وهى من أعظم النعم التى لو وصلنا لها لن نحتاج إلى أطباء نفسيين أو الدخول فى اكتئاب وعزلة مؤقتة، ولنتذكر جميعًا الآية الكريمة:

«لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِى كَبَدٍ» (سورة البلد: 4)

هكذا خلقنا الله عز وجل، لذا علينا العمل والسعى وبذل الجهد، ليس لكسب الحياة ولكن لننال المكافأة الكبرى بالجنة؛ نعم، كلنا نريد الفوز بالحياة الدنيا والآخرة، ولذا عندما أتكلم عن الرضا فهو جهاد كبير، لأننا كبشر لن نصل إلى تلك المرتبة بدون أن نصل إلى النفس المطمئنة، وهى الحلم الذى يراود الأغلبية ويسعى البعض للوصول لها، وما أصعب طريقها علينا، فهى تحتاج إلى جهاد عظيم للنفس، ليس بالكلام ولكن بالأفعال.

انظر إلى من حولك، تذكر أنك تملك الكثير والكثير من النعم التى منحها الله لك، ولكننا نقع فى فخ اعتياد النعم، ولا نعرف قيمتها إلا عند اقتراب اختفائها أو عندما نتعظ من شخص آخر فقدها، فمثلًا نعمة البصر، فمع التقدم بالعمر يقل البصر، ورغم التقدم العلمى سواء نظارات طبية أو عمليات لإعادة تصحيح البصر، فهناك حالات لا يصلح معها أى علم، وهنا يتذكر الإنسان النعمة التى عاش بها سنين طويلة بدون أن يحمد الله عليها، وبالقياس على ذلك الصحة وأشياء أخرى كثيرة تشعر بها بالندم وتتذكر الماضي، وحقًا ما أضعف الإنسان، فكل واحد منا مثلًا من الممكن أن تكون «سوسة فى الأسنان» رغم صغرها وقد لا تُرى، ولكنها تسبب لك ألمًا رهيبًا لا يحتمل عندما تأكل فى عصب إحدى الأسنان، وهنا لا فرق بين إنسان وآخر، فالكل يصبح مثل المجنون من شدة الألم الذى لا يتوقف مهما أخذت من مسكنات أو حقن، ولكن علينا أن نتدبر حكمة وقدرة الخالق وأننا لا شيء مهما كانت قوتنا، ومثال آخر فى حالة لا قدر الله مرض أحد الأبناء وهو يبكى من الألم وتجرى به على الطبيب، تتمنى من الله أن يخفف عن ابنك الألم، وقد تدعو أن يصيبك أنت المرض بدلًا من ابنك، وتقف بين يدى الطبيب ترجوه أن يفعل المستحيل لإيقاف الألم عن ابنك، وتكون على أتم الاستعداد أن تدفع كل ما تملك لكى يتم شفاء الابن، وهكذا نماذج كثيرة للكثير والكثير من النعم التى لا نحمد الله عليها لأننا اعتدناها، فعندما تدخل إلى سريرك لكى تنام ليلًا بعد أن تتعشى، علينا كثيرًا أن نفكر أن هناك من لا يجد الطعام ويعانى من الجوع، وهناك من لا يجد السرير، وهناك من لا يجد أربعة جدران ليحتمى بها، وهناك من يعيش فى خيام، وهناك من يعيش فى حالة لا أمان، وهناك وهناك وهناك، وكلها نعم من الله تمتلكها يفتقدها الكثيرون، ولكنك لا ترى إلا ما ينقصك من أشياء، والحقيقة أنك غنى جدًا ولا ينقصك إلا أشياء قليلة، ولكن نفسك توهمك بالنقص، فتدعو الله لاستكمال ما تعتقد أنك لا تملكه، وننسى جميعًا أن نحمد الله على النعم الكثيرة والكثيرة التى نملكها ولا نستطيع أن نحصيها.

الخلاصة أن كل ما نمر به من أزمات وحالة اكتئاب هى مجرد مرحلة ستمر وتنتهي، وأن كل ما نستطيع أن نفعله هو السعى والعمل والاجتهاد والعبادة والدعاء لله، وبداخلنا يقين أننا نستطيع أن نجاهد أنفسنا ونصبر ونرضى، ونحن نسبح الله ونحمده كما تفعل كل المخلوقات.

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

(44) سورة الإسراء.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة