رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«البيت الكبير» هو العيد


28-5-2026 | 13:42

.

طباعة
بقلـم: نجوان عبداللطيف

فى حى الحسين بشارع جوهر القائد أمام مستشفى الحسين يقع «البيت الكبير»، أحد أربعة بيوت، تتجاوز فى مربع سكنى يتوسطها فناء كبير أو حوش بلغة ساكنيها، أمام كل بناية شجرة «بتسيانا» كبيرة بورودها الحمراء تزدهر فى الربيع وتملأ أرض الفناء فى الخريف، كنت أخشى بوابة المجمع الخضراء على الرغم من أنها قطعة فنية تراثية بديعة تنتمى للطراز الإسلامى؛ ربما لأنها ضخمة جدًا وتحريكها يحدث صوتًا مزعجًا، بمجرد أن نعبر تلك البوابة أنا وإخوتى نتسابق من أجل الصعود إلى بيت العائلة بيت عمى الكبير فى الطابق الثالث، مع ارتفاع المبانى القديمة تتجاوز المسافة 6 طوابق، السلالم الرخامية انبرت مع مرور الزمن مما يزيد من صعوبة الصعود، ولكننا نتجاوزها بسرعة، نمر على الجيران، كل الأبواب مفتوحة. خاصة ساكنى الدور الثانى طنط نوتسا الإيطالية زوجة الحاج مصطفى التى تخرج لترحب بنا وتقول بلكنتها الخواجاتى «كل إيد وأنتم طيبين».

 

أولاد عمى 8 ننضم إليهم نحن الأربعة، وتأتى عمتى الكبيرة بأبنائها الخمسة وعمتى الصغيرة بولديها، 19 من الأولاد والبنات غير الكبار من الآباء والأمهات يضمهم بيت العيلة الذى لا تتجاوز غرفه أربعة، ولكنه بيت العز الذى يسع الجميع فى رحابه.

صخب جميل مزعج ومفرح فى ذات الوقت، كل عيد له طقوس مختلفة، ففى عيد الفطر تتبادل العمات وزوجات الأعمام صناديق الكعك والبسكوت والغريبة وما إلى ذلك، وتبدأ مباريات الكعك، هذه كعكها أفضل، وتلك غريبتها أنعم، وأخرى أجادت فى البيتى فور، والغذاء وجبة سمك عظيمة بعد اشتياق كبير له، حيث يختفى السمك من مائدة رمضان طوال الشهر، مع أنى لا أرى لمنعه سببًا وجيهًا.

أما فى عيد الأضحى المبارك فيبدأ اليوم فى البيت الكبير بلعب الأطفال مع الخروف، فى انتظار الجزار الذى سيقوم بذبح الأضحية، وفور وصوله تبدأ معركة ملاحقة الخروف الذى يستشعر الخطر ويحاول الهرب، ولكنه يقع فى النهاية، بعضنا يحب رؤية عملية الذبح والبعض وأنا منهم يرفض، وتبدأ طقوس العيد بتفريق العيدية من الكبار والإفطار بساندوتشات الكبدة ثم تصطحب عمتى الصغيرة الأطفال الصغار منا إلى حديقة الخالدين فى جبل الدراسة، أعتقد تم إنشاء موقف سيارات الأزهر مكانها، كانت بها بعض المراجيح البسيطة. التى نظن أنها ترتفع بنا للسماء وتتعالى معها ضحكاتنا، ثم نعود للبيت لنأكل الفتة واللحمة المحمرة والمسلوقة، والمحشى 10 كيلو باذنجان و2 كيلو فلفل، كنا نحملها فى «صوانى» كبيرة من النحاس ونضعها أمام الشبابيك لتبريدها بسرعة، شبابيك هذا البيت العتيق مشربيات بديعة بالخشب الأرابيسك والزجاج المعشق الملون، تدخل منها أشعة الشمس دافئة حنينة متفرقة بين فتحاتها والزجاج الملون يعكس ألوانه البديعة عليها مما يضفى البهجة على المكان.

كان الشيء الوحيد الذى يعكر يوم عيد الأضحى مشهد ذبح الخراف فى الشوارع والدماء على الأسفلت ومشهد سلخ فروة الحيوان، ورائحة الذبيح تزكم الأنف، والحمد لله أن ظاهرة الذبح فى الشوارع اختفت إلى حد كبير فى حدود ما أشاهده.

البيت الكبير لا يفتح أبوابه فقط فى العيدين بل لديه عيده الخاص المرتبط بالمكان، يوم مولد سيدنا الحسين، يوم له طابع خاص جدًا، بالنسبة لنا عيد عائلى بامتياز، نتجمع كلنا فى البيت الكبير قبل الليلة الكبيرة، ولكن لهذا العيد شروطه الخاصة، أهمها هى أن الخروج من البيت ممنوع للأطفال الأولاد أقل من 16 سنة وللبنات والستات أيًا كانت أعمارهن، يتم عمل كميات من الأرز واللحمة ليتم توزيعها. فى شقق (نصف رغيف) من العيش البلدى على مريدى سيدنا الحسين، والغريب أنهم كانوا يوزعون الفول النابت بجانب اللحمة ولم أعرف حتى الآن لماذا الفول النابت فى الموالد.

لا بد أن نصل للبيت الكبير فى اليوم السابق لليلة المولد حتى لا يكون زوار المولد من أهالينا من الصعيد ووجه بحرى قد وصلوا، كان مشهد بعض زوار المولد من المحافظات، وهم يحملون أمتعتهم على العربات الكارو، مذهل بالنسبة لي؟ كنت أتساءل: لماذا يتكبدون كل هذه المشقة؟ ويقيمون فى الشوارع والحارات، يشيدون ما يشبه الخيمة مستخدمين الملايات القديمة لتحميهم من الشمس نهارًا ومن البرد ليلًا، ومعهم كل أدوات المعيشة، البوتاجاز المحمول والأرز والخضار والأغطية اللازمة.

كانت متعتنا هى الوقوف على شبابيك السلم الممتدة من الأرض للسقف يحرسها أو يحرسنا الحديد المشغول كالدانتيل، نشاهد حلقة الذكر المقامة فى حوش المنزل، أعداد كبيرة من الرجال يتمايلون على نغمات فرقة تدق على الدفوف، وأكثر من منشد يتغنون فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، بعضهم كان صوته جميلًا والبعض كنت أتمنى أن تصمت الميكروفونات أو تنقطع الكهرباء حتى لا يفسد بصوته جمال المشهد، وكنت أستعجب استمرار الرجال ساعات طوال يتمايلون بحركة الذكر المتكررة يمينًا ويسارًا دون ملل أو كلل.

ينتهى اليوم وتنطفئ الأنوار، ونظل فى انتظار العيد القادم، بل فى انتظار البيت الكبير الذى كان بالنسبة لنا هو العيد بلمة العيلة، كان عمى يحب أغنية فايزة أحمد «بيت العز يا بيتنا» نغنيها معه ونصفق.. «بيت العز يا بيتنا على بابك عنبتنا.. لها خضرا وضليله بترفرف ع العيلة، وتضلل يا حليلة يا حليلة من أول عتبتنا.. يا بيت العز يا بيت السعد يا بيت الفرح يا بيتنا».

صحيح أن البيت الكبير تم هدمه مع البيوت التى تجاوره وأصبح فندقًا. راح البيت الكبير، ولكن تبقى ذكرياتنا فيه نذكرها فنشعر بالبهجة.. وكل عيد وأنتم طيبون.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة