رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

النهج النبوى لــ«دحر التبعية»


19-3-2026 | 14:03

.

طباعة
بقلـم: د. محمود علوان

دعوة الرئيس السيسى فى احتفال مصر بليلة القدر الإثنين الماضى بشأن ضرورة الاحتفال خلال الفترة المقبلة بدولة العلم والاختراعات بعد نجاح دولة التلاوة، مبادرة عظيمة لتحقيق الاستقلال الوطنى فى مجال العلم والتكنولوجيا، وأعتقد أن هذا الأمر بات فريضة على الدول العربية والإسلامية لضرب أية محاولات خبيثة للتبعية مع توفير التمويل اللازم لإنجاح هذه المبادرة وإفشال أى مؤامرات خبيثة ضدها، وفى الرؤية الحالية أقوم بتشخيص الداء، وطرح النهج النبوى والصوفى المستمد منه كعلاج لحالة التبعية.

 

إننى أدعو لورقة سياسية تنحو نحو الكتلة التاريخية الإقليمية، عبر وثيقة استراتيجية متكاملة لاستعادة الدولة القوية، وتفكيك مثلث (التبعية، النخب، الصراع)، وبواسطة الاستقلال الفاعل، وكسر بروتوكولات التبعية، وتطرح هذه الورقة مفهومًا ثوريًا للاستقلال، وليس مجرد غياب الاحتلال العسكرى المباشر، أو رفع العلم فى المناسبات الوطنية، بل هو القدرة على منع اختطاف القرار الوطنى من قبل تحالفات معقدة، تجمع نخبًا محلية طفيلية بآليات ضغط مؤسسية فى مراكز القوى العالمية.

إن الاستقلال الحقيقى هو معركة يومية مستمرة ضد نخب (الكومبرادور) فى الداخل، التى تجد مصلحتها فى رهن السيادة، وضد ترسبات ثقافية ونفسية عميقة تعيق بناء (الذات السيادية)، وضد أدوات ضغط منظمة فى الخارج (مثل الإيباك الصهيوني)، تعيد تشكيل السياسات الدولية لصالح المشروع الصهيونى على حساب مصالح شعوب المنطقة.

هنا ينبرى النهج النبوى فى مواجهة التبعية، وفى مواجهة هذا التشيؤ الحاصل لإنسان اليوم، وتحويله إلى سلعة ترهنها النخب للخارج، تأتى السيرة النبوية لتقدم النموذج الأسمى للتحرر، فالسيرة النبوية المحمدية تمثل (أعظم تمثيل لبناء الإنسان وأكمل مشروع لإعادة صياغته من جديد، فهى مقصد المصلحين، ومناط آمالهم، ومصدر استمدادهم كلما ساءت الأحوال).

هذا النموذج النبوى يقوم على الصدق والأمانة والتواضع والرحمة، وهو الذى يمكن الأمة من كسر قيود التبعية، واستعادة ذاتها السيادية، ويأتى التصوف هنا كمنهج ومدرسة للتحرر، وهو مدرسة مستمدة من المنهج النبوى أساسًا، ويجسد السيرة العطرة، ويجسد منهجًا أصيلًا للإصلاح، والنهوض بالدعوة الروحية كأساس لإصلاح الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، خاصة فى زمان طغت فيه المادية حتى غمرت حياة الناس.

فالتصوف الحقيقى يسهم فى تزكية النفس، ما يؤدى إلى تكوين أفراد متوازنين أخلاقيًا وروحيًا، والبعد عن التطرف، ونشر قيم الإسلام السمحة، وهو المدخل لتحقيق التسامح بين الأديان، ونبذ التعصب الدينى الذى يعكس كراهية الآخر المختلف فى العقيدة.

الاستقلال الفاعل يبدأ هنا بتفكيك (عقدة النقص المؤسسى) لدى الدول العربية والإسلامية، والبدء ببناء أدوات ضغط ومؤسسات موازية قادرة على تمثيل المصالح العربية والإسلامية فى مراكز القرار العالمي، مثل (واشنطن، موسكو، بروكسل، بكين)، تمامًا كما يفعل الآخرون، لكن نجاح تلك المؤسسات يتطلب (استقلالًا ماليًا) حقيقيًا لجذب أكبر تمويل وحماية لاستدامته، لذلك لا بد من التفكير فى آليات تمويل ذاتى مستدام، مثل: (صناديق السيادة الشعبية)، و(الأوقاف التنموية العابرة للحدود)، التى تستثمر أموال المغتربين والجاليات (وتقدر بمئات المليارات)، فى مشاريع استراتيجية لضمان استقلالية القرار المالى لتلك المؤسسات وحمايتها ومصداقيتها.

واسمحوا لى هنا أن أستعرض التشخيص النبوى للأبعاد المتشابكة للأزمة الدولية والإنسانية المعاصرة، بداية من البعد السياسى الطبقي: أو سوسيولوجيا (الكومبرادور السياسي)، وتفكيك الدولة، فمن خلال نظرية التبعية نفهم أن (الكومبرادور) هو وسيط يربط الاقتصاد المحلى بالسوق العالمية لصالحه الخاص، لا لصالح بلاده فى منطقتنا العربية، وتطور هذا المفهوم ليصبح (الكومبرادور السياسى والأمني)، من خلال نخب تبيع (الموقع الجيوسياسي) لدولها، سواء عبر ولاء سياسي، أو قواعد عسكرية، أو توقيع اتفاقيات تخدم مصالح خارجية، أو كلها معًا، هذه النخب هى التى قد تنخرط فى مشاريع تحالفية مثل (التحالف السداسي) الذى دعا إليه وأعلن عنه (نتنياهو) دون اعتبار للمصالح الوطنية العليا لدول المنطقة!

وهنا يأتى تطبيق النهج النبوى للصحابة فى مواجهة الإغراء، فى مقابل هذا النموذج من النخب المستعبدة للدنيا، ويقدم الفهم الصوفى المستمد من سيرة الصحابة نموذجًا مضادًا وراقيًا، فالصحابة الكبار مثل (أبى بكر الصديق) رضى الله عنه اتصفوا بأحوال العزوف عن العاجلة من الآجلة، وهذا مما يربط الصوفيين بسيرتهم، لأن من تعريفات التصوف أنه (تطليق الدنيا بتاتًا، والإعراض عن منالها ثباتًا)، وعمر بن الخطاب رضى الله عنه كان مثلًا يُحتذى فى الزهد وهجر زينة الدنيا طلبًا لثواب الآخرة، وكان يلبس الخشن من الثياب، من جبة وصوف مرقعة، ويشتمل بالعباءة، هذا النموذج من الزهد الحقيقى هو ما يمكن الحاكم والنخبة من مقاومة إغراءات التبعية للخارج.

وفى مقابل هذه النخب الوطنية الهشة يبرز نموذج (اللوبى الصهيوني)، كأرقى أشكال تنظيم المصالح الوطنية على الساحة الدولية، فمنذ تأسيسها أنفقت (إيباك) أكثر من 28 مليون دولار على تمويل حملات أعضاء الكونجرس فى دورة انتخابية واحدة (2025م – 2026م)، هذه الآلة قادرة على مكافأة الحلفاء، ومعاقبة المعارضين، إنه نموذج (للسيادة الفاعلة)، التى تستطيع تشكيل بيئتها الخارجية الفاعلة، و(السيادة الفاعلة لإسرائيل)، تكمن فى المؤسسات، وفى قدرتها على التمويل الذاتى المستقل الذى يضمن استمراريتها.

(يتبع الأسبوع المقبل بقية المقال)..

أخبار الساعة

الاكثر قراءة