لعقود طويلة، ظلَّت مدرسة التلاوة المصرية علامة فارقة فى العالم الإسلامى، واحتلت مكانة رفيعة جعلت مصر قبلةً للقراء وطلاب هذا الفن الرفيع من مختلف الدول. فمن أرض «المحروسة» خرجت أصوات خالدة حفرت أسماءها فى وجدان المسلمين، وأسهمت فى تشكيل الذائقة القرآنية لدى الملايين، حتى باتت التلاوة المصرية نموذجًا يُحتذى به بما تتميز به من جمال الأداء ودقة الأحكام والقدرة على الجمع بين روحانية المعنى وروعة النغم.
عبر التاريخ لم تكن التلاوة فى مصر مجرد أداء للصوت الحسن، بل كانت مدرسة متكاملة لها أصولها وقواعدها، تشكلت عبر أجيال من كبار القراء الذين وضعوا بصمتهم الخاصة فى هذا الفن، فانتقلت خبراتهم وتجاربهم من جيل إلى جيل، ثم، عاد الحديث مجددًا حول واقع التلاوة فى مصر، ومدى قدرة المدرسة المصرية على الحفاظ على ريادتها واستعادة بريقها. وفى هذا السياق برزت مبادرات وبرامج تهدف إلى اكتشاف الأصوات الجديدة ودعمها، من بينها برنامج «دولة التلاوة»، الذى يسعى إلى إحياء تقاليد التلاوة الأصيلة وتقديم جيل جديد من القراء.
«المصوّر»، من جانبها، التقت الشيخ محمد حشاد، نقيب مقرئى القرآن الكريم وشيخ عموم المقارئ المصرية الذى تحدث عن تاريخ المدرسة المصرية فى التلاوة، وملامح عصرها الذهبى، وأبرز التحديات التى تواجه القراء الشباب، كما أوضح مدى إسهام البرامج والمسابقات القرآنية فى دعم المواهب الجديدة واستعادة مكانة مصر الرائدة فى هذا المجال.. وإلى نص الحوار:
حدثنا عن مكانة مدرسة التلاوة المصرية فى العالم الإسلامى؟
تعد المدرسة المصرية أول مدرسة فى العالم الإسلامى اشتهرت بتلاوة القرآن الكريم ترتيلاً وتجويدًا، ومنها انتشر القرآن مجودًا إلى مختلف الآفاق، والجميع يقرّ بهذه الريادة، والدليل على ذلك البعثات التى توفدها الدول الإسلامية إلى الأزهر الشريف، حيث يحرص الطلبة خلال فترة دراستهم على تلقى علم القراءات على أيدى الشيوخ المصريين الذين اشتُهروا بهذا العلم، ولذلك ظلت المدرسة المصرية رائدة فى الحفاظ على القرآن الكريم مجودًا ومرتلاً.
وما الذى ميّز المدرسة المصرية لتتصدر المشهد عقودًا طويلة؟
هذا التميز فى جانب منه منحة ربانية اختصّ بها الله اللسان المصرى؛ فاللهجة المصرية تمتاز بجمال النطق ووضوح مخارج الحروف، وهو ما يجعلها مفهومة لدى العرب وغير العرب على السواء، وهناك مقولة مأثورة كثيرًا ما تُذكر فى هذا السياق تقول: «نزل القرآن بمكة، وطُبع بالشام، وقُرئ فى مصر».
بالحديث عن «العصر الذهبى» للتلاوة.. ما أبرز ملامحه وأشهر رموزه؟
بدأ العصر الذهبى منذ عهد الشيخ على محمود والشيخ محمد رفعت، ثم تواصلت الأجيال بظهور العمالقة مثل الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبدالباسط عبدالصمد، والشيخ محمود على البنا، والشيخ عبدالفتاح الشعشاعى، هؤلاء الأعلام هم مَن أرسوا قواعد المدرسة المصرية واستمرت على أيديهم.
مقارنة بالوضع الحالى.. هل ترى أن حال التلاوة الآن يسير نحو استعادة ذلك العصر الذهبى؟
إلى حد كبير نعم، فبعد فترة من الركود النسبى بدأت الدولة، ممثلة فى وزارة الأوقاف المصرية والأزهر الشريف، تبذل جهودًا كبيرة لإعادة المدرسة المصرية إلى سابق عهدها، وبفضل هذه الجهود، ومنها برنامج «دولة التلاوة»، بدأنا نرى قراءً شبابًا متميزين يؤمون المصلين فى المساجد الكبرى، مثل مسجد الإمام الحسين، خلال صلاتى العشاء والتراويح.
وما تقييمك لتجربة برنامج «دولة التلاوة» فى دعم المواهب الشابة؟
«دولة التلاوة» تجربة مهمة للغاية لأنها كشفت عن مواهب لم يكن أحد يعرفها من قبل، هذه المسابقات تمنح الشباب فرصة للظهور وتشجعهم على تطوير أنفسهم، كما تفتح لهم المجال للقراءة فى المساجد الكبرى والظهور عبر وسائل الإعلام، وهو ما يدفعهم للاجتهاد أكثر كما تعهّد الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، بالتعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بأن تكون هذه المسابقة فعالية سنوية، وهو ما يضمن استمرار اكتشاف الأصوات المتميزة بين الشباب، ويسهم فى إمداد مدرسة التلاوة المصرية بمواهب جديدة تضيف إليها مزيدًا من الثراء والتجدد.
وما أبرز التحديات التى تواجه القراء الشباب اليوم؟
أكبر تحدٍّ يواجههم هو حاجتهم إلى التوجيه الصحيح؛ فالموهبة وحدها لا تكفى، بل تحتاج إلى صقل وتدريب على أيدى القراء الكبار، ونحن دائمًا ننصح الشباب بعدم التسرع وراء الشهرة، بل التركيز أولاً على حفظ القرآن الكريم كاملاً مع إتقان أحكام التجويد.
هل هناك مقترحات لتأهيل هؤلاء الشباب بشكل علمى؟
نعم، فقد رفعت نقابة القراء توصية إلى وزير الأوقاف بضرورة رعاية هؤلاء الشباب وعدم تركهم دون متابعة، من خلال إلحاقهم ببرامج تدريبية فى الأكاديمية العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ بمدينة السادس من أكتوبر، لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة لصقل مواهبهم واستكمال أدواتهم العلمية.
ما نصيحتك لكل شاب يحلم بأن يصبح قارئًا معتمدًا؟
النصيحة الأساسية هى حفظ القرآن الكريم كاملاً وإتقان أحكام التجويد أولًا، فهذا هو الأساس، ثم تأتى مرحلة الممارسة والاحتكاك بالقراء الكبار للاستفادة من خبراتهم وتطوير الموهبة الصوتية حتى يصبح القارئ قادرًا على حمل رسالة القرآن الكريم.