رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

مصر الحارس الأميـن لـ«الـذكر الـحكيم»

19-3-2026 | 13:50
طباعة

مدرسة التلاوة المصرية قوية البنيان، متينة الأركان، عظيمة الشأن على مر الزمان، وتتابع القرون جيلاً بعد جيل، فهى الأعرق عالميًا، والأقوى إقليميًا، والأجدر عربيًا؛ لأنها تجمع بين الإتقان فى قراءة القرآن الكريم مع الصوت الحسن والأداء الخاشع والإحساس الراقي، ومراعاة المقامات الموسيقية، لأن الدولة المصرية أخذت على عاتقها عن طيب خاطر مهمة خدمة كتاب الله، ورعاية المواهب فى الحفظ والتجويد والتلاوة، وصقلهم بالعلم والدراسة لاستكمال المسيرة المباركة فى حماية الذكر الحكيم، سواء فى المعاهد والكليات أو من خلال المسابقات الاحترافية محليًا أو كسفراء للقرآن الكريم فى بلدان شتى ودول متنوعة لتلاوة القرآن ونشر علومه، وهنا الأسماء عصية على الحصر وصعبة على العد لكبار المقرئين، وعمالقة الترتيل، وأئمة القراءات.

 
 

«القرآن الكريم نزل فى مكة وقُرئ فى مصر»، من العبارات المأثورة، والحِكم المنقولة، والأمثال المشهورة التى تجسد مكانة دولة التلاوة المصرية فى مشارق الأرض ومغاربها، ومنذ قديم الأزل وليس فى العصر الحديث فقط، فقد وهبنا الله ثلة من أساطين التلاوة جيلاً بعد جيل منحوا مصر الريادة والتفوق فى هذا المسار الجليل، وتلك الرحلة العطرة فى قراءة الآيات الكريمة كما تواترت بالتلقى الصادق والنقل الأمين إلى علماء الأمة وأهل القرآن من صدر الإسلام وحتى الآن، ليظل القرآن محفوظًا فى الصدور ومستقرًا فى القلوب وليس منطوقًا بالألسنة أو مدونًا بصفحات المصاحف فقط، وقد قامت مصر وستظل تقوم بهذه الأمانة بكفاءة واقتدار أبد الدهر على المستويين الرسمى والشعبى معًا، وما أعظمه من دور، وما أجلها من مهمة مقدسة شرفنا الله بها على مر العصور.

ويُحسب للرئيس عبد الفتاح السيسى دعمه المتواصل لحفظة القرآن الكريم، وحرصه المستمر على تكريمهم ليكونوا قدوة للأجيال الجديدة، ورغم مسؤولياته الجسام والأعباء الضخمة الملقاة على عاتقه منذ تولى مسؤولية البلاد وحتى الآن، إلا أن الرئيس يسعى بكل طاقته للتواجد فى رحاب حملة القرآن الكريم فى احتفال مصر بليلة القدر الذى تنظمه وزارة الأوقاف سنويًا، وتكريم الفائزين فى المسابقة العالمية لحفظ وتفسير القرآن الكريم بفروعها المختلفة من مصر وعدة دول، وكذلك الفائزين فى المسابقة المحلية، بتسليمهم شهادات تقدير وجوائز مالية مخصصة لكل منهم، ويحضرنى هنا التأكيد الرئاسى منذ نحو 12 عامًا على أهمية أن يكون حفظ القرآن الكريم مقرونًا بفهم حقيقى لكتاب الله، ففى احتفالية ليلة القدر فى 2014 قال الرئيس السيسى أثناء تكريم الفائزين: «الحقيقة أنا فيه كلمة مجهزة صحيح، لكن هتكلم كإنسان مسلم مهموم بدينه، جميل أوى إن إحنا نحتفل بحفظة الكتاب الكريم، وده كويس.. ومهم قوى نحتفل بفهم حقيقى لكتاب الله، ومهم قوى مش بس إن إحنا حافظينه، ونبقى فاهمينه فهم حقيقي، وكمان ممارستنا له، ومحتاجين فى المسابقة اللى بنعملها نضيف بنود الفهم والأبحاث والدراسات».

وتواصلت هذه العادة الحميدة للرئيس السيسى عامًا وراء عام بحضور احتفالية ليلة القدر للاحتفاء بأهل القرآن فى الحفظ والتجويد والتفسير، بالإضافة إلى تكريم حفظة القرآن من الناطقين بغير العربية، وحفظة القرآن الكريم من ذوى الهمم، وكان احتفال هذا العام له مذاق خاص لأنه تضمن الحلقة الختامية لمشروع دولة التلاوة الذى يحظى بدعم رئاسى لكى تواصل مصر ريادتها فى ولادة حفظة القرآن الكريم وعباقرة التلاوة، وهو ما أكد عليه الرئيس فى كلمته عندما أشار إلى أن مشروع «دولة التلاوة» تجربة مصرية ملهمة، وجسد بحق ريادة الشخصية المصرية، وبرهن على أن مصر كانت وستظل بلد الإبداع والعبقرية، فلم يكن هناك توقيت أفضل لختام «دولة التلاوة» من هذه الليلة المباركة التى نزل فيها القرآن، لتكتمل الأنوار بالأنوار، كما أن هذه المبادرة نجحت فى جمع الأسرة المصرية على مائدة الجمال والذوق الرفيع، وأعادت صياغة علاقتنا بهويتنا الدينية والثقافية الراقية، فمصر كانت وما زالت هى المورد العذب الذى نهل منه العالم أجمع أصول التلاوة والترتيل، وهى التى قدمت عبر تاريخها العريق أصواتًا ندية أضاءت قلوب المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها بخشوعها وصفائها.

وهناك أمر لا تخطئه عين فى مختلف المناسبات التى ترتبط بحفظة القرآن الكريم، وهو انشغال الرئيس الدائم ببناء الإنسان المصرى فى كل المجالات، والاستثمار فيه باعتباره حجر الأساس فى عملية التنمية الشاملة مع زيادة تأثير وفاعلية القوى الناعمة فى القطاعات شتى، وحملة القرآن الكريم لهم نصيب وافر فى هذا المسار، ويجب أن يكونوا مؤهلين على المستويات كافة، ويتضح هذا التوجه القويم فى الاهتمام الرئاسى بالمتابعة المستمرة لبرنامج دولة التلاوة، والمسابقة العالمية لحفظة القرآن الكريم، من خلال التوجيهات الحاسمة بأن تكون منظومة الاختبارات متكاملة وتحت إشراف متخصصين فى كل الفروع على مدى عدة أسابيع من أجل اكتشاف المواهب القرآنية، وفتح الباب أمامهم ليسيروا على هدى عمالقة قراء القرآن الكريم الذين رسخوا أركان دولة التلاوة والمدرسة المصرية العريقة لعقود متتابعة وقرون متلاحقة، ومن المؤكد أن استكمال مشوار برنامج دولة التلاوة على وجه الخصوص كفيل بعودة المدرسة المصرية لعهدها الذهبي.

والمدرسة المصرية فى التلاوة لها أيقونات عديدة، ورموز كثيرة، ومنهم أسماء كثيرة لم يصادفها الحظ بتسجيل تلاواتها قبل ظهور الإذاعة، وهناك الجيل الذهبى من أصحاب الأصوات الفريدة والتلاوات الرائعة، والألقاب التى نالوها لا تحتاج إلى الشرح أو التحليل، فمنهم الشيخ محمود خليل الحصري، شيخ القراء والمقارئ المصرية، الشيخ عبد الباسط عبد الصمد «الصوت الملائكي»، والشيخ محمد صديق المنشاوى «الصوت الباكي»، والشيخ مصطفى إسماعيل «قارئ الملوك والرؤساء»، الشيخ محمد رفعت «قيثارة السماء»، الشيخ محمود على البنا «كروان القرآن»، والشيخ محمد محمود الطبلاوى «سلطان التلاوة»، ومن واقع حلقات برنامج دولة التلاوة، والزخم الكبير الذى حققه، وحسن استقبال الناس له فى مصر والدول العربية سيكون فاتحة خير قوية لصناعة جيل جديد من المقرئين الشباب، فهم خير خلف لخير سلف، وخصوصًا أصحاب المراكز الخمسة الأولى فى المسابقة، فهم يستحقون الفرصة التى منحتها لهم الشركة المتحدة بالتعاون مع وزارة الأوقاف تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية بدعم المواهب القرآنية، وتأكيدًا على ريادة المدرسة المصرية تاريخيًا، وتوظيفًا للقوى الناعمة الوطنية فى مجال القراءات العشر «المتواترة» والسبع المشهورة، وهي: قراءة نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي، أبو جعفر، يعقوب، وخلف العاشر، لتغزو الأصوات المصرية دول العالم كسفراء للقرآن كما كان أسلافهم أعلام القراء وعمالقة الترتيل على مر السنوات وتتابع العقود وتواصل الأجيال.

ويكمن سر عراقة المدرسة المصرية فى التلاوة فى المبادرات المتجددة والخطط المستحدثة والمشروعات الخلاقة على المستوى القومى للبحث عن المواهب واكتشاف النوابغ ووضعهم على الطريق الصحيح، فتتابع موجات النهر الخالد، وتتواصل مسيرة مشاعل القراءات وقناديل التجويد، وهذا جوهر حالة الإعجاب الشديد والإشادة الواسعة ببرنامج دولة التلاوة على مدى الشهور الماضية، وتكلل هذا التقدير الشعبى والرسمى بالتكريم الرئاسى للفائزين والمتميزين منهم خلال احتفالية ليلة القدر، مع نظرائهم من أصحاب المراكز الأولى فى المسابقة العالمية للقرآن الكريم فى نسختها الثانية والثلاثين، وهى رسالة تؤكد اهتمام الدولة المصرية ممثلة فى الرئيس السيسى بأهل القرآن الكريم، وفتح أبواب الشهرة والتألق للموهوبين فى الحفظ والتلاوة، ليسير على هذا النهج الكريم أطفالنا وشبابنا من حاملى كتاب الله، كما أن جهود نشر ثقافة القرآن الكريم وتعليمه مبدأ راسخ فى الجمهورية الجديدة لتواصل مصر دورها المحورى فى تخريج أجيال مؤهلة لخدمة كتاب الله.

ومن الشواهد، وكما أفرزت مسابقة دولة التلاوة عشرات الأصوات التى غمرت المصلين بالبهجة والخشوع فى صلاتى العشاء والتراويح خلال شهر رمضان، سيكون هذا البرنامج فى نسخه القادمة منصة لإحياء مدرسة التلاوة المصرية العريقة، فقد تدفق عليه أكثر من 14 ألف متسابق من جميع المحافظات، وقد جرى تقييمهم بدقة من لجان متخصصة تضم أهل التخصص وكبار القراء، وتدرجت مراحل التنافس حتى وصل عدد المتسابقين إلى 300 موهبة، ثم التصفية إلى 32 موهبة، وصولًا إلى اختيار أفضل 5 أصوات حصلوا على أعلى الدرجات، وهم بالترتيب: أحمد محمد، أشرف سيف، محمد أحمد حسن عبد الحليم، محمد محمد كامل، ومحمد القلاجى، ولا جدال أن كفاءة هؤلاء المشاركين وغيرهم على مدى عدة مراحل تؤكد أن مصر غنية بالكثير من حملة القرآن الكريم، ومليئة بالمواهب فى القراءات القادرين، مع بعض البرامج التدريبية والاختبارات التأهيلية، على إعادة إحياء مدرسة التلاوة المصرية وعودتها إلى عصرها الذهبي.

ومن المعلوم بالضرورة أن ثقافة تحفيظ القرآن الكريم وتدريس علومه ونشر بركاته فى مصر متعددة المنابع، ومتنوعة الدروب، ولا يتوقف الأمر عند المسابقة العالمية للقرآن الكريم التى يتم تنظيمها باحترافية كل عام، ولا مسابقة برنامج دولة التلاوة الذى تحول إلى مشروع قومى لتأهيل ثلة من القراء الجدد، بل هناك عدة مسالك تسير بالتوازى مع بعضها لدعم مسيرة خدمة كتاب الله، فوزارة الأوقاف لديها المقارئ المصرية فى شتى المحافظات، وتنظم مسابقات مستمرة بمساجدها فى المدن والقرى على السواء، وبنفس الهمة العالية يسير الأزهر الشريف ليس فى المعاهد الأزهرية فقط بل فى أروقة الأزهر على مستوى الجمهورية وخصوصًا خلال موسم الإجازة الصيفية، ويتدفق على جنباتها الأطفال والشباب فرادى وجماعات، فضلًا عن حلقات التحفيظ أونلاين، ولم يكتفِ الأزهر الشريف ببرامج التحفيظ محليًا، فقد وسّع من نشاطه عبر المنصة الدولية للأزهر الشريف بفتح باب التقديم لقبول دفعات متتالية من برامج رواق القرآن الكريم لأبنائنا فى الخارج لتعزيز تحفيظ القرآن الكريم وتلاوته وتدبر معانيه عن بُعد، مما يتيح الفرصة للمصريين المقيمين فى الخارج للالتحاق بالرواق الأزهري.

وعلى المستوى الشعبي، لا تتوقف محاولات الأسر المصرية فى المدن والريف معًا من أجل تحفيظ أبنائهم القرآن الكريم، ويشترك فى هذا التوجه جميع الفئات الاجتماعية والمستويات الاقتصادية، فمنهم من يلحق أبناءه بدور التحفيظ، ومنهم من يضم أولاده فى حلقات التحفيظ بالمساجد المجاورة، ومنهم من يتفق مع محفظين أو محفظات لعقد جلسات التحفيظ الخصوصية، ولا غاية ولا هدف لهم إلا أن ينال الأبناء والأحفاد شرف حمل كتاب الله والتبرك بخدمته، ناهيك عن التقدير الكامل والإجلال الشامل من الجميع، سواء الجهات أو الأفراد، لحفظة القرآن، مما يؤكد أن مصر ستظل الحارس الأمين للذكر الحكيم.

حفظ الله مصر وشعبها وقيادتها

ومؤسساتها الوطنية من كل سوء

 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة